الرئيسية » مقالات » نفق سجن الحلة ملحمة الملاحم في مسيرة الشيوعيين العراقيين

نفق سجن الحلة ملحمة الملاحم في مسيرة الشيوعيين العراقيين

لعل من نافلة القول أن ما كتبته عن دور منظمة الحزب الشيوعي في عملية الهروب من سجن الحلة كانت له أكثر من نقطة ايجابية في مقدمتها أنها كانت الحافز المباشر لأن يكتب الأستاذ العزيز جاسم المطير ما تختزن ذاكرته عن هذه العملية الجبارة التي نفذها الشباب الشيوعيين،وكانت ضربة موجعة للنظام ألعارفي البغيض،جعلت النظام ومن يدعمه من الخارج يحسبون ألف حساب لقوة الشيوعيين وقدرتهم على العمل في أحلك الظروف،وأن هذا الدرس الشيوعي قد فتح الأذهان لأن تحاول دوائر الاستعمار العمل لتغيير الوجوه في المنطقة والإتيان بأصحابهم الذين هم أكثر خسة ودناءة من العارفيين لإكمال المشاريع التي تخطط لها الدوائر الاستعمارية،فكان انقلاب تموز1968 تحصيل حاصل لهذا العمل الجريء،ورد مباشر على الصفعة الموجعة التي أذهلت القوى الرجعية.

وما من شك أن هذا العمل شيوعي الخالص خرج من رحم شيوعي بغض النظر عن التسميات،والاختلافات التي كان لها ما يبررها بسبب السياسة المهادنة آنذاك والبرود الذي رافق العمل الشيوعي تلك الفترة،وبروز أفكار جديدة أعماها البريق الثوري للحركات التي ظهرت على الساحة العالمية،وهي تمثل طريق جديد في العمل الشيوعي ينزع للقوة والكفاح المسلح لتحقيق الطموحات والأحلام،فكان أن وجد هذا البريق أرضية خصبة في ذهنية الشباب الذي لم يجد في الواقع المعاش ما يحقق له شيئا مما يصبوا إليه فكان الكثيرون يحاولون الخروج من الرتابة المملة وتجربة طرق جديدة في النضال،وهذه الطرق دفعهم إليها الدماء الحارة للشباب التي لا تنسجم وحكمة الشيوخ لذلك كان للجيل الجديد تصوراته الثورية التي ترفض العمل ألسلحفاتي الذي لا يمكن له الوصول إلى نهاية الطريق،ورغم أن الاختيارات كانت غير صائبة رافقها الكثير من الأخطاء إلا أنها تجربة علينا استثمارها والاستفادة منها ودراسة جوانبها السلبية والايجابية للوصول إلى قناعات مشتركة تأخذ بالجانب الايجابي لهذه التجربة أو تلك.

لقد أثبت العمل السلمي للشيوعيين العراقيين خواءه وعدم قدرته على تحقيق الطموحات والآمال وبناء ما يريد الشيوعيين بناءه،وتجربة الأعوام الطويلة أثبتت أن الشيوعيين بحاجة إلى أعادة النظر بالكثير من التصورات التي كانوا عليها فالعمل السلمي لوحده لا يمكن له تحقيق الأماني والتطلعات إذا لم يرافقه العمل المسلح ويواكبه التنسيق مع القوى العسكرية القادرة على التغيير في مجتمع مثل العراق،وعلينا الاستفادة من تجارب الآخرين في هذا المجال وعدم ألاعتماد على جانب نضالي واحد وإغفال الجوانب الأخرى في النضال ،وهذا التفكير الأحادي كان وراء ضياع الكثير من الفرص للوصول إلى السلطة،أضاعتها القيادات المتعاقبة نتيجة أخطاء تكتيكية،وخلافات هامشية بين هذا الطرف أو ذاك ،ونحن لا نحاول الخوض في هذا الأمر ونبش الماضي ولكن علينا الإقرار بأن الأخطاء الكبيرة كانت ورائها عوامل أكبر منها لم نستطيع التخلص منها رغم تشخيصنا لها ومعرفتنا بها،ولا زالت الأخطاء ذاتها تقف في طريق التقدم والوصول إلى الهدف المنشود.

والحصيلة الثانية التي خرجت بها بعد قراءتي لمعضلة الذاكرة أن جميع من كتب عن عملية الهروب كان ينظر للأمور من زاويته وضمن الحدود التي حددتها مساراته في هذه العملية ،فما كتبه الأخ عقيل حبش يمثل الجانب العملي لعملية الهروب وما رافقها من إشكالات وإخفاقات والمعالجة لبعض العقبات التي أحاطت بالعمل ،فيما كان لذاكرة أبو يمامة أن تكون ضمن الجانب التخطيطي الذي له أسهامه المباشر فيه،فلم يكن من العاملين في الحفر أو المكتوين بمرارته،ولكنه في الجانب الآخر له دوره الواضح في التهيئة والتخطيط وما يحتاجه العمل من متممات أخرى،وهناك دور لحسين سلطان في العملية علينا أن لا نغبن الرجل حقه ولعل المفاوضات الجارية معه تثبت بما لا يدع مجال للشك أنه عالم بما يجري عارف بالخطوات التي وصلت إليها العملية أن لم يكن من المخططين لها،ولا يمكن لأحد أن يستغني عن رأيه بما يمثله من مكانة حزبية بوصفه أكبر الشيوعيين درجة،أو معرفته بما وصلت إليه الأمور من خلال الجندي المجهول أبن الكاظمية الذي لم يعرف عنه رفاقه الذين معه إلا لقبه(جدو)مع إن الواجب يدعوهم لمعرفة قضه وقضيضه إذا علمنا أنه عمل سنوات الجبهة لفترة طويلة في الجريدة أو اللجنة المركزية كمستخدم هناك،فقد غمطه الجميع حقه وتناسوا دوره لأنه على ما يبدو بسيط بساطة الحقيقة نفسها يعمل بوحي الآخرين لذلك لم يشكل شيئا في ذاكرتهم رغم أنه العامل المجد الذي لم يتبرم أو يشكوا أو يتبجح بما عمل أو أدى من دور.

والحقيقة الثالثة أن هذا العمل الجبار كان سيكون له الفائدة الكبيرة،والنتيجة الأكبر لولا الخلافات التي عصفت بوحدة الحزب تلك الأيام وجعلت الأخوة ألأعداء يحاول كل منهم العمل بمعزل عن الآخر ومحاولة تهميشه وعزله للاستحواذ وحده على مجمل العملية،ورغم أن الأخ المطير قال في البداية أن العملية كانت شيوعية خالصة بغض النظر عن هذه الجهة أو تلك وأنها انطلقت من رحم شيوعي لا علاقة له بهذا أو ذاك الا أن البعض حاول أن يوجهها بالوجهة التي تخدم مجموعته مع التقليل من دور الآخرين،وهو ما لمسته في مذكرات عقيل حبش التي تفضل أخي المفضال الأستاذ أحمد علي الناجي فأعارها لي وأطلعت على ما فيها من وقائع وأحداث كنت أجهل الكثير منها، وكان ما كتبه الأخ المطير أكثر تفصيلا ووضوحا وأكثر حيادية ومنهجية.

ختاما لابد لي من تقديم الشكر والعرفان لكل الأخوة الذين ساهموا في مداخلاتها بما يغني الموضوع وخصوص ألأحبة نعيم الزهيري وعلي عرمش شوكت وصباح كنجي، وتحية لأخي الكريم جاسم المطير الذي كان يحاول ما وسعه الجهد أن يكون موضوعيا وعليه الاعتراف بأن ما كتبته عن عملية الهروب كان وراء هذا السيل من المعلومات التي أغنت الموضوع وأنارت الكثير من جوانبه،وتحية الإكبار والإجلال لمن خطط وفكر ونفذ وأسهم وساعد بيده وبقلبه وبلسانه في أنجاز هذا العمل الشيوعي الخالص وتمنياتنا للجميع بالصحة والتوفيق والنجاح.