الرئيسية » مقالات » رحيل الفقيد سوران قادر في دار الغربة

رحيل الفقيد سوران قادر في دار الغربة

بعيداً عن جبل أزمر الشامخ و بعيدأً عن ضريح پیرەمێرد وعن أشجار الجوز، في جو حزين، رحل عن عالمنا الشخصية الكوردية المحبوبة الأستاذ سوران قادر، أحد أبناء الكورد الغيارى الذي فقدته الجالية الكوردستانية في مدينة (ئوربرو Örebro) السويدية، حيث وافته المنية أثر مرض عضال و ذلك في يوم الأحد المصادف السادس من تموز 2008.

ولد الفقيد في سنة (1954) في مدينة السليمانية، مدينة المقاومة و الفداء. بدأ في هذه المدينة مرحلة دراسته الإبتدائية مع أبناء جيله ثم مرحلة المتوسطة و أثناء هذه المرحلة كان له إهتمامات بالموسيقى و الغناء الكوردي، إلا أن الأبواب كانت في ذلك الوقت، موصدة من قبل نظام البعث العنصري، أمام الشباب الكورد لتطوير مواهبهم. بعد الإنتهاء من دراسة المرحلة المتوسطة، إستوظف الفقيد في مطبعة جامعة السليمانية. بعد فترة وجيزة من توظيفه في سنة (1980)، أعلن نظام صدام الحرب على إيران و إستغل النظام البعثي ظروف الحرب، فصب جام غضبه على جميع مدن كوردستان و بالأخص مدينة السليمانية التي تعتبر العاصمة الثقافية لكوردستان و مركز النشاط القومي الكوردي وأصبحت الحياة لا تطاق في هذه المدينة و بدأ الشباب الكورد
بالهجرة واللجوء إلى أوربا، عبر إيران للخلاص من جحيم البعث الشوفيني. كان الأخ سوران قادر و زوجته العزيزة آشتي من الذين نجوا من محرقة صدام و هاجروا في بداية الثمانينات من القرن الماضي إلى دولة السويد، حيث إستقر بهم المقام في إحدى مدنه التي تقع في وسط المملكة السويدية، ألا وهي مدينة ئوربو، المدينة التي قضى فيها الفقيد آخر أيام حياته.

قبل سنة (1988)، السنة التي قام نظام البعث العنصري بإقتراف جريمته الشنعاء بقصف مدينة حلبجة و مدن و قرى كوردستانية اخرى بالسلاح الكيمياوي المحرم دولياً. للأسف الشديد، فأنّ المجتمع الدولي لم يحرك في حينه ساكناً لإدانته.
كان عدد الكورد المهاجرين في هذه المدينة السويدية قليلاً آنذاك، إلا أن الفقيد شارك مع أعداد من أبناء وبنات الكورد من شرق و شمال كوردستان في تأسيس جمعية كوردية في مدينة ئوربرو و أصبحت هذه الجمعية بمثابة الهوية القومية لجميع الكورد في هذه المحافظة و التي تحيي المناسبات الخالدة في التأريخ الكوردي و كذلك تنظم المسيرات و الإحتجاجات ضد محتلي كوردستان وتنظم بين الحين و الآخر ندوات ثقافية، تستضيف أحد الكتاب أو الشعراء، لإلقاء محاضرة تخص الواقع الكوردي للنهوض بالمستوى الثقافي لأبناء الجالية في المهجر. المنتمون لهذه الجمعية يعتبرون أنفسهم سفراء لأمتهم. سرعان ما أصبحت الجمعية عضوة في إتحاد الجمعيات الكوردستانية في السويد، التي تنضوي تحت رايتها العشرات من الجمعيات الكوردستانية في مختلف المدن و المحافظات السويدية، حيث أن إتحاد الجمعيات الكوردستانية كانت بمثابة سفارة للكوردستانيين و كانت لها ثقلها و مكانتها لدى مملكة السويد قبل إنبثاق حكومة إقليم كوردستان في بداية التسعينات من القرن الماضي.

مثل بقية أقرانه من الكورد الذين حرموا ولم يأخذوا فرصتهم في الحياة تحت الحكم الدموي البعثي في كوردستان، بدأ سوران في بلد المهجر، السويد بالسباق مع الزمن حيث دخل الإعدادية و أكملها بنجاح و من ثم دخل الجامعة و إختار مادة علم الإجتماع و أنهاها بنجاح أيضاً و تم تعينه بوظيفة مرشد إجتماعي في دائرة الرعاية الإجتماعية التي كان قبل توظيفه في هذه الدائرة يعمل فيها بصفة مترجم.

كان الفقيد الغالي حاضراً في جميع المناسبات القومية و أهمها إحياء مراسيم نوروز المقدس الذي يصادف 21 من آذار من كل عام. كان يشارك أبناء و بنات الجالية بإيقاد نار نوروز الأزلي ثم يبدأ بقراءة نشيد نوروز للشاعر الخالد پيره ميرد و كان يُطرب الجميع بصوته الشجي الذي يحمل في نبراته آلام و معانات أمته الكوردية.

كان الفقيد يرتبط بعلاقات واسعة مع عدد كبير من المطربين و الفنانين الكورد في عموم كوردستان، و خاصةً المتواجدين في الساحة الأوربية. قبل إفتتاح القنوات الفضائية الكوردية في بداية التسعينات، كانت لجاليتنا تلفزيون محلي إسبوعي يبث برامجه باللغة الكوردية. أصبحت آشتي خان، زوجة كاك سوران، مذيعة تقرأ نشرة الأخبار فيه و كانت تستمد الدعم و التشجيع من زوجها، كاك سوران، لإقتحام هذا الحقل الأعلامي من قبل المرأة الكوردية في بلاد المهجر.

كان كاك سوران قبل تشرفه حمل هذا الإسم، له اسم غير كوردي، غريب عليه لا يستسيغه و لا يروق له لأنه يشير إلى لغة و إرادة مفروضة عليه. بعد إستقراره في السويد، أول ما بادر به هو التخلص من الأسم الملصق به، و إختار إسماً نابعاً من صميم اللغة الكوردية و الذي عُرف به فيما بعد ب(سوران). كان للفقيد حياة أسرية هادئة مبنية على الود و الإحترام المتبادل و بقيت زوجته آشتي خان وفية لهذا الرباط لمقدس إلى آخر لحظة في حياة كاك سوران. بعد رحيل الفقيد، عندما تتحدث آشتي خان عن ذكرياتها مع الفقيد، تنهمر الدموع من عينيها و هي تروي جانباً من تلك الذكريات. خلف الفقيد ولدين، رهيل و بروسك و بنتاً، ترزه .

كانت الآلام تعصر قلب الفقيد لما يشاهد ويسمع ما تتعرض له أمته و وطنه الذي يرزح أجزاء كبيرة منه تحت وطأة الإحتلال البغيض الذي لايرحم. هذه المعانات و الصراعات التي لازمته في حياته اليومية، إنعكست سلباً على صحته، حيث ألّم به المرض و أصبحت صحته تتدهور يوماً بعد آخر، لكن بسبب عقيدة الكوردايتي التي تربى عليها، أبى أن يتقاعس يوماً في أداء واجبه الوطني، بل كان في هذه الحالات يستهزء بالمرض ولا يستسلم له. رأيته بأم عيني في إنتخابات البرلمان العراقي لعام (2005)، حيث أقسم على أن يشترك فيها و يدلي بصوته رغم صراعه مع المرض و بُعد المسافة و مشقة الطريق بين مدينة ئوربرو و العاصمة، أستوكهولم. رافقنا كالطود الشامخ ولم يبالِ بالمرض و أدلى بصوته ل(قائمة التحالف الكوردستاني) لتمثيل الشعب الكوردي.

قبل وفاته بسنة، سافر إلى كوردستان و مكث هناك عدة أشهر. كان يعلم بأن هذه الزيارة سوف تكون الأخيرة. أراد أن يُمتّع نظره بمناظر وطنه و مسقط رأسه، سليمانية، الذي كان دائم الحضور في فكره و وجدانه و كأنه يقول ها إني باقي على عهد الوفاء ولم أنساك يا وطني الحبيب رغم بُعد المسافة و معانات المرض قد جئت لأودعّك الوداع الأخير يا أرض الآباء و الأجداد.

بعد عودته من كوردستان و قبل يوم واحد من إجراء العملية الجراحية له، إلتقيته في مركز المدينة و جلسنا نتناول أطراف الحديث عن زيارته و مشاهداته في كوردستان، نقل لي بعض ما شاهده عن الأوضاع الإقتصادية و السياسية الناشئة التي غيرّت الوجه الحضاري لكوردستان. قال لي وهو يتنهد: إن الشعب الكوردي و على مر التاريخ أظطُهد وشُرد و دفع ثمناً غالياً لنيل حريته، حان الوقت لكي يقطف ثمار تضحياته الكبيرة و يكون له كيانه الخاص أسوةً بكيانات الشعوب الأخرى.

سلاماً أخانا العزيز الغالي فقدناك يا كاك سوران. فقدتك الجالية الكوردية التي أحبتك و أحبتها و التي أسعدتها في جميع المناسبات الوطنية الخالدة، لن تنساك و لن تتخلَ عنك. الجميع ساروا خلفك و أصحاب المحلات تركوا محلاتهم و جاؤوا ليودعونك و يكونوا أوفياء لك كما كنتَ وفياً لهم جميعاً. كنتَ دائماً تقول الظلمة تزعجني ولا أطيقها ها إنك غادرت وطن الظلام الدامس إلى موطن الشمس و موطن النور و الضياء عند الرفيق الأعلى. علماً بأنه أثناء مراسيم دفنه، قام الأستاذ سيروان بقراءة التلقين على روح الفقيد الطاهرة باللغة الكوردية التي أحبها و عشقها.


عن الجالية الكوردستانية في مدينة ئوربرو، السويد
محمد شيره