الرئيسية » شخصيات كوردية » الشهداء الكورد قرابين حرية العراق .. ماذا حصل في سجن رقم واحد ؟

الشهداء الكورد قرابين حرية العراق .. ماذا حصل في سجن رقم واحد ؟

يمثل احياء ذكرى شهادة ليلى قاسم *تقدير للمرأة الكوردية عبر أحياء ذكرى أستشهاد هذه البطلة ومواقفها الجسورة والجريئة قياساً لشابة بعمرها حيث جسدت أرادة المرأة الكوردية في مشاركة اخيها النضال والانتفاض بوجه الظلمة العتاة القساة المجرمين. واعطت صورة مثلى للمجاهدة في سبيل قضية اهلها وبلادها، بعد ان كرست سنوات تفتح وعيها، وولوجها طريق الفكر والنضال، من اجل تلك الغايات النبيلة والمقاصد الشريفة والاهداف الحقيقية التي ارتكزت عليها التوجهات الفكرية التقدمية والوطنية لعموم الشعب العراقي، وتوقه للحرية والانعتاق والمساهمة في بناء البلاد والارتقاء بها الى مواقع افضل.. وقد ذكرتني هذه الاستذكارات التي اقيمت للشهيدة رحمة الله عليها بعدد كبير من أبناء شعبنا الكوردي الذين ابيدوا ابادات جماعية او فردية .. وبعضهم لقوا حتفهم في المعتقلات والسجون، والحاكميات ومراكز وبؤر التعذيب والتدمير… ومن تلك المواقع الدامية التي شهدت ابادة الكثير من الأبرياء الكورد سجن رقم واحد سيىء الصيت فهذا السجن كان يضم عنبراً كبيراً خاصاً بأبناء شعبنا الكوردي الأبرياء… وقد أتيح لي في بداية سبعينيات القرن الماضي ان ألج الى اعماقه واتعرف الى أجزاء يسيرة من اسراره، حيث كان من سوء حظي وتعاسة طالعي ان اكون من الحصة التي تدربت على ابجديات الخدمة العسكرية، على ايدي ضباط الصف الموجودين في السجن وعلى مدى ثلاثة أشهر تدربنا على اولويات الجيش سواء في المسير العسكري وأداء التحية والحركات العسكرية الاخرى، التي يتطلبها عمل رجل الانضباط العسكري، اذ كان السجن تحت اشراف امرية الانضباط العسكري وقتذاك، وبعد أنتهاء الدورة التدريبية تلك نقلت الى احد الالوية المشكلة حديثا في البصرة، لينقذنا الله سبحانه وتعالى من وضع لا تعرف ما هو، ومصير لا نتكهن فصوله.. وحمدت الله على ذلك، وما اردت ان اصل اليه من هذه المقدمة التعريفية، هو كيفية تعرفي على ذلك السجن (كفى الله الناس شره). ومن خلال ذلك الوجود وفي احد نهارات تموز اللاهبة تناهى الى سمعنا خبر انتحار احد الضباط الكورد المعتقلين حيث كان يخضع للتعذيب وقتذاك على يد احد جزاري الاستخبارات العسكرية يحمل رتبة رائد .. وقد استغل ذلك الضابط الشهيد فرصة اخراجه من غرفة التعذيب والتحقيق التي تقع قرب باب النظام للسجن وعلى الشارع الرئيس المؤدي الى الباب، وكانت الدماء تنزف من ظهره بغزارة، ويبدو أن الألم اخذ منه مأخذاً موجعاً، وحين مرت سيارة الزيل العسكرية متوجهة للخروج من السجن وعندما اقتربت منه رمى نفسه تحت عجلاتها ليذهب شهيداً الى رحمة الله تعالى، للتخلص من عذاب التحقيق والقسوة من جانب ولأجل عدم الاعتراف واعطائهم معلومات عن الحركة الكوردية بقيادة المجاهد الملا مصطفى البارزاني، ورجالها… ليسجل مأثرة بطولية كبيرة، عكست صلابة وجلد وتضحية رجال الحركة الكوردية بمقارعتهم ذلك النظام الدموي ومواجهتهم الشرسة معه على مدى عقود من الزمان… وليدون على صفحات التاريخ البطولي المشرف للشعب الكوردي وقائع موقف قل نظيره، وتفاصيل بطولية ليس هناك مثيلها او ما يشابهها وكنا في لحظات الاستراحة لاسيما بعد التدريب المسائي نذهب الى حانوت السجن لابتياع ما نحتاجه او تناول بعض المأكولات التي يقدمها، او مشاهدة التلفاز، وكنت اسمع احد ضباط الصف من قساة القلب والضمير يتبجح بقسوته وشدته مع المساجين الكورد، حيث كان احد المنسبين لعنبر اولئك الأبرياء، اذ كان يحمل سوطاً من البلاستك المضغوط جداً او ما تسمى سابقا (صوندة الشرطة)، ويتحدث وكأنه يوزع الزهور او الحلويات عليهم (مع التناقض في الوصف)، يتحدث عن بطشه وشدته مع اولئك المظلومين بتلك البساطة التي كان يوجه فيها صيحاته اثناء تدريبات عسكرية، او ببساطة تدخينه السيجارة…. غير مبال بوقعها على نفوس سامعيه وجلهم من الشباب في مقتبل العمر، حيث كان يسرد ويتلو نصوصه الجحيمية المقززة والمثيرة والمؤلمة… ومن احداها انه كان يستبدل تلك الصوندة مراراً ولا ندري كيف؟ أنه قضى شهراً من خدمته التطوعية في هذا السجن الرهيب.. او أن يده اليمنى تعبت من الضرب. وحقاً كان وقع تلك الحكايات التي يرويها ونستمع الى بعضها سواء بالتنصت الحذر ام الاقتراب منه تحت أي مسوغ لسماع شيء من تلك الفصول الدامية المرعبة… والتي جعلتني انذر النذور وادعو الله سبحانه وتعالى لاجل الانتقال من هذا المكان وبعد الدورة التدريبية مباشرة استجاب سبحانه جل وعلا، على الرغم من ان ذلك النقل كان الى محافظة البصرة. أن ذلك الرجل وفي لحظة تخيلته ذلك الجلاد الذي يستعان به لتنفيذ احكام الاعدام سواء بالشنق ام بالرمي بالرصاص او لاجل انتزاع المعلومات في التحقيق وكان شكله وصورته يوحيان بأنه معتوه ومجرم ومخبول، لا يبالي بحجم الاذى والعذاب الذي يسببه لاولئك المساكين… وقد كنا نلمس صدى كلماته او ما يقوله لانظاره في الرتبة والموقع في السجن عموماً… في الانين والاهات التي تخرج من نوافذ وفتحات ذلك العنبر المرعب عنبر المساجين الكورد اثناء الليل … وأنا اسطر هذه الكلمات وجدت نفسي مندهشاً وأنا استحضر صورة جلادي الحقبة الصدامية وهم يدافعون عن انفسهم في محكمة عادلة وامام الرأي العام ويعتمرون القبعات والملابس الجديدة والنظيفة، ويتناولون افخر الاطعمة والمشروبات نافين مسؤولياتهم عن السجون والمحاكم والمعتقلات والحاكميات ومن بينهم برزان الذي انكر معرفته (بالحاكمية)، وهو يرأس جهاز المخابرات العراقي، وتصوروا، مع ان العديد من الأبرياء قد واجهوه بأفعاله وما قام به تجاههم…. ويدفعنا تساؤل ماذا كان يحدث في الحاكميات والشعبة الخامسة وغيرها من السراديب التي فضح بعضها (مسلسل السرداب التي عرض مؤخراً من على القناة العراقية). لقد عانى ابناء شعبنا الكوردي، الكثير من ذلك النظام القاسي الفاشي، ومن حقهم ان يحيوا ذكرى رجالهم ونسائهم الضحايا بصورة جماعية او فردية… ففي ذلك عظة وموعظة، وتخليد لاولئك الرجال البواسل، والنساء النجيبات اللائي كتبن على صفحة التاريخ اروع حكاية للتضحية والفداء… واولئك الابرياء الذين حصدتهم وابادتهم طاحونة الموت الصدامية، وثرمتهم اجهزته القمعية والوسائل التعذيبية المتطورة…. ولفضح اجراءات ذلك العهد القمعي وكل من سانده وايده ووقف الى جانبه وسكت عن جرائمه وروج له واظهره بلباس الملاك والحمل الوديع…. وهي تذكير لاجل التفريق بين الصالح والطالح… ورحم الله شهداء العراق اجمعين الذين قدموا أرواحهم قرباناً لحرية العراق وشعبه وكرامته..

Taakhi