الرئيسية » مقالات » الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران والخيارات المرة

الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران والخيارات المرة

يبدو أن علاقات الولايات المتحدة وإسرائيل بإيران تمر بمأزق حرج بسبب إصرار حكام طهران على الاستمرار في تخصيب اليورانيوم، وامتلاك ناصية السلاح النووي الذي يثير المخاوف الجدية من أن تصبح إيران دولة نووية، ولاسيما وأنها تتمتع بموقع استراتيجي خطير على امتداد الخليج والبحر العربي ، وتتحكم بمضيق هرمز الممر لأكثر من ثلث إنتاج النفط العالمي الذي يعتبر الشريان الرئيسي لاقتصاد الدول الغربية بوجه خاص والعالم بوجه عام.
ورغم استمرار المحادثات التي تجري بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا لإقناع حكام طهران بالكف عن خططها النووية تارة بتقديم العديد من المحفزات والإغراءات ، وتارة أخرى بالتهديدات المتواصلة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لاستخدام القوة العسكرية ضدها إن هي استمرت في خططها النووية ، ولاسيما بعد التهديدات التي أطلقها مراراً الرئيس الإيراني نجاد بإزالة إسرائيل من الخارطة ، ومواصلة النظام الإيراني دعم سوريا وحزب الله وحركة حماس في قطاع غزا بمختلف أنواع الأسلحة والتدريبات العسكرية والأموال، مما تعتبره الولايات المتحدة وإسرائيل يمثل خطراً حقيقياً على مصير الدولة العبرية أولاً، وعلى استمرار تدفق النفط من المنطقة ثانيا.
ولم تفلح جهود الولايات المتحدة وحلفائها رغم كل العروض المقدمة لحكام طهران في إقناعهم بوقف نشاطهم بتخصيب اليورانيوم ، ورغم كل التهديدات باللجوء إلى القوة العسكرية في نهاية المطاف ضد إيران.

وهنا يتبادر إلى الذهن الأسئلة التالية :
1 ـ هل أن الولايات المتحدة قادرة على شن الحرب على إيران حقاً ؟
2 ـ هل أن إيران قادرة على الوقوف أمام الولايات المتحدة وإسرائيل إذا ما وقعت الحرب ؟
3 ـ هل ستكتفي الولايات المتحدة وإسرائيل بالقصف الجوي للمنشآت النووية الإيرانية والمرافق الحيوية كما فعلت مع يوغسلافيا، أم ستخوض حرباً لإسقاط النظام الإيراني كما فعلت مع نظام صدام ؟
4 ـ هل بإمكان الولايات المتحدة وإسرائيل حصر الحرب على الساحة الإيرانية ومنعها من الانتشار في منطقة الشرق الأوسط على أقل تقدير ؟
5 ـ هل ستشترك سوريا وحزب الله في الحرب إذا ما اندلعت مع الحليفة إيران؟ وماذا ستكون نتائج الحرب بالنسبة لإسرائيل، ولمنطقة الخليج التي تضم العديد من القواعد العسكرية الأمريكية في العراق والسعودية والكويت وقطر والبحرين وعمان والإمارات بالإضافة إلى أفغانستان ؟
6 ـ هل ستلجأ إسرائيل على استخدام السلاح النووي ضد إيران إذا ما تعرضت لقصف مركز من قبل إيران وحلفائها المحيطين بها ؟
7 ـ ماذا سيكون موقف روسيا من الحرب التي ستطوقها أمريكا بها إن وقعت؟ وهل ستستمر في دعم النظام الإيراني بالسلاح بغية إنهاك القوات الأمريكية في حرب طويلة الأمد؟
8 ـ ما هي النتائج التي يمكن أن تترتب على حرب كهذه بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط عامة، والخليج خاصة، ولاسيما مخاطر انتشار الإرهاب على نطاق واسع يمكن أن يغطي المنطقة كلها، وربما يمتد إلى مناطق واسعة من العالم ؟

إن الإجابة على كل هذه الأسئلة تظهر بلا أدنى شك أن الطرفين واقعان في مأزق حرج ، وإن الخيارات كلها أمام الطرفين مرة، فإشعال الحرب ربما يكون أمر سهل جداً، لكن تحمل نتائجها الكارثية، وإطفائها أمر في غاية الصعوبة، ولاسيما وان إيران دولة واسعة جداً ونفوسها تتجاوز الـ 80 مليون نسمة، ولها من الإمكانيات المادية والبشرية ما يتجاوز أضعاف إمكانيات نظام صدام.

وللإجابة على الأسئلة الواردة في بداية المقال أستطيع القول أن الولايات المتحدة التي تتمتع بمركز الدولة العظمى في العالم، بما تملكه من أسلحة فتاكة وطائرات وسفن حربية عملاقة هي قادرة بلا أدنى شك على مهاجمة إيران مدعومة بالقوة الجوية الاسرائلية وصواريخها البعيدة المدى.
لكن إسرائيل والولايات المتحدة سوف لن تتحمل رد الفعل الإيراني على الضربة الأولى والتي يمكن أن تشعل المنطقة كلها بنيرانها ، وربما سيتوقف شريان النفط لفترة زمنية قد تطول، مما سيرفع برميل النفط إلى أسعار خيالية لا يتحملها الاقتصاد العالمي.
وبالنسبة للسؤال الثاني والثالث أستطيع القول أن إيران إذا ما هوجمت فسوف لن تتوانى عن استخدام كل ترسانتها الحربية لضرب القواعد الأمريكية في منطقة الخليج ، وربما تتجاوز ذلك إلى ضرب المنشآت النفطية كذلك . وهي قادرة على الوقوف بوجه القوات الأمريكية لفترة زمنية قد تطول لأشهر منزلة الخسائر الجسيمة بالقوات الأمريكية وبالمنطقة كلها.

أما إذا اكتفت الولايات المتحدة وإسرائيل بقصف المنشآت النووية الإيرانية فقط فسيكون الرد الإيراني القصف المضاد بلا أدنى شك لكل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة مما يعرضها لكوارث بيئية إضافة للخسائر المادية والبشرية الجسيمة .

وبالنسبة للسوأل الرابع فإن الحرب إذا ما اندلعت فلا أحد يستطيع تحديد مداها، وبكل تأكيد سيعم الخراب والدمار في المنطقة ، وإن إطفاء الحرب ليس كإشعالها أبداً وستجلب الكوارث للجميع.

وبالنسبة للسوأل الخامس فإن حزب الله كما اعتقد سيشارك في الحرب لحظة وقوعها بالنظر لكون الحزب يؤمن بولاية الفقيه وينفذ ما تطلبه القيادة الإيرانية منه بكل تأكيد، مما سيجلب الخراب والدمار للبنان الشقيق والدولة اللبنانية غير قادرة على ضبط حزب الله إذا نشبت الحرب .

وبالنسبة للسوأل السادس أستطيع القول أن إسرائيل إذا ما تعرضت لقصف مدمر فسوف لن تتوانَ عن استخدام سلاحها النووي عندما تجد مصيرها كدولة في مهب الريح، مما سيسبب اخطر كارثة بيئية في المنطقة كلها ، أما موقف سوريا فإحتمال تدخلها ينبغي أن يدخل في الحسبان، وخصوصاً إذا ما استمرت إسرائيل بالمماطلة في إعادة مرتفعات الجولان لها . فربما تكون الحرب إذا ما نشبت الحرب الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط.

وبالنسبة للسوأل السابع فإن روسيا يساورها القلق الشديد من عمليات التطويق التي تمارسها الولايات المتحدة ضدها، وهي ترفض بلا ادنى شك الحرب ضد إيران ليس فقط حرصاً على مصالحها الاقتصادية ، بل حرصاً على مستقبلها هي بالذات .وعليه أرى أن روسيا ستستمر بدعم إيران بالسلاح للوقوف بوجه الولايات المتحدة .

وبالنسبة للسوأل الثامن أرى أن الحرب ستؤدي إلى انتشار واسع النطاق في منطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة، والمصالح الأمريكية في العالم أجمع، سواء خسرت إيران الحرب أم استمرت لأمد طويل .
وفي كل الأحوال أستطيع القول إن الحرب إن وقعت ستكون كارثية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، وإن السبيل لتفادي الحرب كما أرى يتطلب عقد مؤتمر دولي لتنظيف الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل بالذات من أسلحة الدمار الشامل كافة لانتزاع الحجة من حكومة إيران ، وإقرار السلام العادل في الشرق الأوسط من خلال إعادة الجولان لسوريا وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل الضفة الغربية وغزا وسحب المستوطنين من الضفة الغربية ، وحل مشكلة اللاجئين من خلال إسكانهم في المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية وعودة ما يمكن عودتهم إلى مناطق سكانهم الأصلية ، والتعويض لمن يفضل العيش في الخارج ، كما ينبغي إعادة مزارع شبعا إلى لبنان ، وإقامة علاقات مع دول الجوار على أساس احترام سيادة كل بلد واستقلاله وعدم التدخل في شؤونه، وعلى أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة بين الجميع ، وتوجيه ثروات بلدان المنطقة لمعالجة مشكلة الفقر والبطالة وتأمين حياة كريمة لمواطنيها فهذا هو السبيل الوحيد لمكافحة الإرهاب ولا سبيل غيره .