الرئيسية » مقالات » ( تركيا) ….. الى أين؟ (19)

( تركيا) ….. الى أين؟ (19)

ثورة آگري

بعد إخماد ثورة 1925 التي خطّطت لها جمعية إستقلال كوردستان و قادها الشيخ سعيد پیران و إعدام قادتها من قِبل حكومة أتاتورك و شروع السلطات التركية بتتريك كوردستان و تشريد شعبها، لم تستطع الحكومة التركية قهر إرادة شعب كوردستان و تثبيط عزيمته على المُضي قُدماً في النضال من أجل تحقيق حريته و إستقلال بلاده. نتيجة إجراءات التتريك و التهجير و الملاحقة التي إتخذتها الحكومة التركية ضد الشعب الكوردستاني، إضطر الوطنيون الكوردستانيون أن يلجأوا الى جبال كوردستان و الإعتصام فيها أو الهجرة الى بلدان أخرى، مثل إيران و سوريا و مصر و بلدان أوربية. في هذه الظروف العصيبة التي كان الشعب الكوردستاني يمر بها، خطّط الوطنيون الكوردستانيون لعقد مؤتمر كبير، يضّم جميع مكوّنات الشعب، من مندوبي الجمعيات و رؤساء العشائر، للعمل على توحيد القوى الكوردستانية و خلق مؤسسة تتحمل مسئولية مواصلة النضال ضد عملية التتريك و الإبادة و التهجير و تحرير كوردستان من الإحتلال التركي.

تمّ عقد المؤتمر الوطني الأول في باريس سنة 1927 و الذي إنبثقت عنه فكرة تأسيس لجنة وطنية كوردستانية. تمّ الإتفاق خلاله على حل المنظمات الكوردستانية التي كانت تعمل في الساحة الكوردستانية، لإتاحة الفرصة لأعضائها للإنضمام الى تنظيم كوردستاني موحّد، يجمعهم. كما أنه تمّ الإتفاق خلاله أيضاً على أن يكون الإستقلال الذاتي لكوردستان هدفاً للحزب المذكور. عقد المؤتمر الوطني إجتماعاً ثانياً في مصيف بحمدون في لبنان في ربيع 1927، حيث دامت جلساته لمدة 45 يوماً و الذي إنبثق عنه إصدار قرارات تقضي بحل جميع الجمعيات الكوردستانية التي كانت موجودة آنذاك، تمهيداً لتأسيس جمعية كوردستانية كبرى تضم أعضاء هذه الجمعيات بالإضافة الى أعضاء جدد و الإستمرار في النضال و الثورة ضد الحكومة التركية الى أن يغادر آخر جندي تركي أرض كوردستان. أقسم أعضاء المؤتمر على الإستمرار في الكفاح في سبيل تحرير كوردستان. كما إشترط المؤتمر المذكور أن يتم قبل الشروع في الثورة، لزوم تعيين قائد عام للقوى الوطنية الكوردستاية و تدريب جميع قوات الثورة على أساليب عسكرية و تسليحها بأحدث المعدات القتالية و تأسيس مركز عام للثورة و للقيادة العليا للقوى الوطنية الكوردستانية في أحد جبال كوردستان و تأسيس علاقات صداقة مع الحكومة الإيرانية و الشعب الفارسي و كذلك تأسيس علاقات جيدة و دائمة مع حكومة العراق و سوريا.

في الخامس من تشرين الأول من سنة 1927، أنشأ الكوردستانيون العصبة الوطنية الكوردستانية، بحضور وفود من كل أجزاء كردستان، و تمت تسميتها ب(خوێبوون) أي (الإستقلال). كانت هذه الجمعية السياسية تضم نخبة من المثقفين و الوجهاء الكورد من الإقليم الشمالي و الغربي الحاليين من كوردستان. تمّ إختيار إحسان نوري باشا قائداً عسكرياً عاماً للثورة و تمّ كذلك إنشاء إدارة مدنية أُنيطت رئاستها للسيد إبراهيم حسكي باشا، لإدارة شئوون الثورة إنطلاقاً من جبل آگري، حيث تمّ إختياره مركزاً لقيادة الثورة. في 28 تشرين الأول من عام 1927، أعلن حزب (خوێبوون) إستقلال كوردستان، كما جاء في معاهدة سيفر، و تمّ رفع عَلَم كوردستان على قمة جبل (آگري). رغم قلة إمكانيات الثوار، فأنهم قاموا بإصدار جريدة في آرارات بإسم (آگري) و تمّ نشر مقالات هامة فيها عن القضية الكوردستانية.

قام حزب خوێبوون بدور إعلامي جيد خارج كوردستان، من خلال مقراته في كل من بيروت و دمشق و باريس و غيرها من المدن، لجلب إنتباه الدول الأجنبية و المحافل الدولية الى القضية الكوردستانية و الى تطلعات الشعب الكوردستاني. لَعِب كل من جلادت بدرخان و كامران بدرخان دوراً بارزاً في إيصال الصوت الكوردستاني الى حكومات و شعوب العالم و الى عصبة الأمم.

يقع جبل آگري، الذي تم إختياره ليكون مركزاً لقيادة الثورة، في شمال شرق إقليم شمال كوردستان، قرب الحدود مع أرمينيا و أذربيجان و إيران. يُشكّل جبل آگري جزءً من سلاسل جبال أرارات الواقعة في إقليم (وان) و التي تقطنها قبيلة (جلالي). سلسلة جبال أرارات التي تغطّيها الثلوج على مدار السنة، تتألف من قمتين بركانيّتين هما (أرارات الكبير) الذي يبلغ إرتفاعه عن مستوى سطح البحر 5137 متراً و (أرارات الصغير) الذي يبلغ إرتفاعه 3914 متراً. جبال أرارات معروفة منذ القِدم ببراكينها الثائرة، حيث صخورها السوداء، التي تبدو للناظر من بعيد، هي من مخلفات تلك الحمم البركانية.

رسى سفينة نوح على جبال أرارات و بذلك فأنّ هذه الجبال هي مهد الحضارة البشرية الثانية. كما كان جبل آگري في زمن الميديين معبداً للزرادشتيين. كان الأشوريون يسموّن هذه السلسلة الجبلية (أورارتو) و العبريون يطلقون عليها إسم (أرارات)، بينما سمّاها المؤرخ اليوناني (هيرودوت) ب(آلاراد). تمّ نقش إسم (اورارتو) على الحجر لأول مرة من قِبل الملك الأشوري (سلمانصر) في عام 1260 ق . م .

يذكر المؤرخ الشهير (دموركان) بأنّه كانت هناك دولة متنفذة بإسم (دولة آرارات) (Uratu) في سنة 2000 قبل الميلاد، إتخذت مدينة (وان) عاصمة لها. كانت فيها قلعة، مدخلها يتكون من جبل صخري و توجد علي واجهة هذا المدخل لوحة صخرية منقوشة عليها رسومات لحروبها مع جارتها، الدولة الآشورية. كان يتم خلال حكم دولة أرارات، صُنع التماثيل المجنحة والمصنوعات البرونزية.

المكتشفات الأثرية في مدينة (وان) و المناطق المجاورة لسلسلة جبال آرارات و على ساحل البحر الأسود، تُشير الى أنّ هذه المناطق تشترك في الحضارة و التي تعني أنّ حدود دولة آرارات كانت تمتد إلى البحر الأسود. كما أنّ وجود منطقة بإسم (الخالدين) على مقربة من طرابزون، يؤكد أيضاً على حقيقة إمتداد حدود دولة آرارات الى البحر المذكور.

يقول (هيرودوت) أنّ قبيلة (الآروت) الوثنية كانت تقيم في أطراف جبل آرارات و كان موطن هذه القبيلة (ناير)، يمتد الى نهر آراس. كما كانت هذه المنطقة موطناً لأقوام (آرزانت) الميدية. يبدو أنّ إسم (آرارات) قد إشتق من إسم هذه الأقوام.

يقال أنّ (آگري) هو من سلالة (گوتي) العظيمة التي خضعت لحُكم دول أخرى يحكمها نفس العرق الذي إنتمى إليه الگوتيون ، مثل السوباريين والنايريين. في مطلع القرن الثامن قبل الميلاد، بلغت حضارة “آگري” عظمتها. الملك الآگري (منقاش) حكم البلاد ما بين سنة 825 و 800 قبل الميلاد. تمّ ذكر هذا الملك في الكتاب المقدس للزرادشتيين (آفيستا) بإسم (مناش جخا) و بإسم (منوجك) في الشاهنامة. مدينة (ورمێ) التي يُسمّيها الإيرانيون اليوم ب(الرضائية) كانت تُدعى آنذاك ب(جيجس جكس).

كان جبل آگري قبل الحرب العالمية الأولى، ملتقى الحدود الروسية – الإيرانية – العثمانية. أثناء الحرب العالمية الأولى، سيطر الأرمن على هذه المنطقة، إلا أنّ الأتراك تمكنوا من إستردادها من الأرمن بمساعدة الكورد.

يجدر هنا الإشارة بإيجاز الى سيرة حياة القائد العام لقوات الثورة الكوردستانية، إحسان نوري باشا و رئيس الإدارة المدنية للثورة، السيد إبراهيم حسكي باشا، لتعريفهما بالقارئ العزيز. ولد الجنرال إحسان نوري باشا في عام 1892 في محلة (الي كولي) التابعة لمدينة بدليس. وهو ينتمي الى عشيرة (جبران). مدينة بدليس هي مدينة تأريخية في كوردستان. كانت المدينة مركزاً لإمارة الشرفخانيين التي دامت لمئات السنين. تخرج الجنرال إحسان نوري باشا من الأكاديمية الحربية في استانبول. شارك في حروب الكماليين الذين أسسوا (تركيا) الحالية، حيث وعدوا الشعب الكوردي بالشراكة المتكافئة في الكيان السياسي الجديد. تسنّم منصب قائد قوات الحدود التركية – الإيرانية في مدينة بايزيد و بقي في هذا المنصب لمدة أربع سنوات. كان إحسان نوري باشا من ضمن مندوبي حامية استانبول في عام 1919، لمساعدة مصطفى كمال أتاتورك. حرضت هذه المجموعة ضباط قوات الجيش على التمرد على حكومة فريد باشا وعجّلت في سقوط حكومته. بعد تنكّر القادة الكماليين عام 1924 للوعود التي قطعوها للشعب الكوردي، و البدء بإنتهاج سياسة معادية للكورد، قام الجنرال إحسان باشا، بشكل سرّي بتشكيل قوات عشائرية و تولى قيادتها بمساعدة أربعة من الضباط الكورد الذين كانوا كلاً من رامي راسم و توفيق و خورشيد وعالي رضا. بذلك قرر الجنرال إحسان باشا خوض الحرب ضد الحكومة التركية الكمالية، حيث توجّه الى المناطق الجبلية في كوردستان لإعداد قوات كوردستانية قادرة على تحرير كوردستان و بناء دولة مستقلة. إستمر إحسان باشا في الإشراف على تهيئة القوات الكوردستانية و تدريبها حتى عام 1930، حيث بعد ذلك قام بقيادة ثورة آگري. منحه حزب خوێبوون لقب (جنرال) أثناء قيادته لثورة آگري. بعد فشل الثورة، إضطر الى اللجوء الى إيران، حيث عاش هناك حتى وفاته في مدينة طهران في عام 1975، أثر حادث سير، عن عمر يناهز 83 عاماً. تمّ دفن الجنرال إحسان نوري باشا في جنوبي طهران بمقبرة (بهشت زهراء). بذلك عاش الجنرال إحسان باشا حوالي 46 عاماً في إيران في ظل ظروف قاسية. قام الجنرال إحسان بتأليف كتابَين باللغة الكوردية، هما (إنتفاضة آگري) و (حياتي). كما ألفّ كتاباً عن تأريخ الشعب الكوردي باللغة الفارسية بعنوان ( تاريخ ريشه نژادي كرد) و الذي يكون إسمه بالعربية (تأريخ العرق الكوردي). تمّ إصدار الكتاب المذكور في عام 1955عن مطبعة (سپهر) بطهران .

رئيس الإدارة المدنية الكوردستانية السيد إبراهيم حسكي باشا و الذي كان يُدعى أيضاً (برو هسكي تيلي)، ينتمي إلى عشيرة جلالي، وهو سليل عائلة هسه سوري. في عام 1926، قام برو هسكي تيلي ببدء الكفاح المسلح إنطلاقاً من جبل آگري. كان ممثلاً للشعب الكوردي في هيئة خوێبوون و تمّ منحه لقب الباشوية. بعد تأسيس حزب (خوێبوون)، تسنم منصب الرئيس المدني لإدارة الثورة الكوردستانية.

كان نشيد آگري الوطني هو :

آگري، آگري ، قد كنتَ ناراً
كنتَ دوماً شامخ الهامة
كنتَ مشعلاً فوق كوردستان
إتقد يا آگري، إتقد يا آگري

في عام 1926، قام برو هسكي تيلي ببدء الكفاح المسلح إنطلاقاً من جبل آگري. في عام 1927، وصل إحسان نوري باشا الى جبل آگري و تولى زمام قيادة الثورة. بدأت الأعمال العسكرية للثوار الكوردستانيين في 13 حزيران 1930. شملت الثورة مناطق واسعة من كوردستان، حيث بدأت العمليات العسكرية في إيغدير و تندرك و أرجيش و آمد و بايزيد و بوتان و وان و بتليس. في البداية، كان عدد الثوار الذين شاركوا في الثورة، لا يتجاوز الألفين الى ثلاثة آلاف ثائر، و مع ذلك قاوموا الجيش التركي ببسالة أثناء حصول الإشتباكات الأولى بين الفريقين. تقدمت القوات التركية نحو جبال أرارات في أواخر شهر نيسان من سنة 1930. بدأت القوات التركية، بحرق جميع القرى في طريقها من ولاية هكاري الى شمزينان. كما قامت القوات التركية، التي كان يقودها كمال الدين سامي باشا بحرق و تدمير القرى الكوردستانية خلال هجومها الذي إنطلق من ولاية وان، متجّهاً نحو منطقة جالديران.

في البداية، بدأت معارك ضارية دامت حوالي شهراً كاملاً، إنهزمت القوات التركية فيها و خلفت وراءها 2000 أسير و 60 رشاشاً و 24 مدفعاً، التي غنمها الثوار الكوردستانيون، كما أنه تم إسقاط 12 طائرة حربية تركية. هذا الإنتصار الكوردستاني أقلق السلطات التركية، مما دفعها الى الإسراع في زيادة عدد قواتها المشاركة في الحرب ضد الثوار في المناطق المحيطة بسلسلة جبال أرارات، الى 45 ألف عسكري.

في 10 حزيران 1930، قررت الهيئة المركزية لجمعية خوێبوون خلال إجتماعها، بدء الهجوم على القوات التركية من المنطقة الجنوبية الشرقية. تم تحديد ليلة 3 /4 آب من عام 1930 لهذا الهجوم و على أن يتم فتح ست جبهات على ست محاور مختلفة و التي إمتدت من الحدود العراقية الى مدينة طرابلس.

قاد الأخَوان بوزان بك شاهين ومصطفى بك شاهين الجبهة العسكرية في منطقة (كوبانه)، حيث تمكنت قواتهما من تدمير مركز شرطة (سروج)، إلا أنّ هذه القوات لم تنجح في مواصلة هجومها و تكبيد الجيش التركي المزيد من الخسائر.
في منطقة (سه ريكاني)، قاد القوات الكوردستانية محمود بك ابراهيم باشا مللي, إلا أنه لم يقم بإداء المهمات الموكلة إليه و بذلك لم يلعب دوراً في المعارك التي دارت بين الثوار و الجيش التركي. قاد كلّ من أكرم جميل باشا و قدري جميل باشا القوات الكوردستانية في جبهة (الدرباسية)، حيث إستطاعت قوات هذا المحور من التقدم نحو مدينة (ماردين) و أصبحت على بُعد ست كيلو مترات فقط من المدينة، إلا أنّ زعماء العشائر الكوردية تنصّلوا عن وعودهم لقيادة الثورة الكوردستانية بدعم الثورة و المساهمة فيها، مما أدى الى عدم قُدرة القوات الكوردستانية المهاجمة على تحرير مدينة (ماردين) و فشلها في الصمود أمام القوات التركية المتفوقة في العدد و العتاد.

كلّ من جلادت بدرخان و حاجو آغا زعيم عشيرة (هفيركان) إستطاعا على رأس قوة كوردستانية تحرير قرية تابعة لمدينة (نصيبين) و قاما بتوزيع بيان يُطالبان فيه بإستقلال كوردستان و ناشدا فيه المواطنين الكوردستانيين بالإنتفاضة و الثورة، دعماً لثورة آگري. كان حاجو آغا يتولى إدارة مناطق مديات وميردين وشرناخ في القسم الشرقي من إقليم شمال كوردستان و كانت المجموعات التابعة له تتوغل حتى منطقة اروه و هكاري. تمكّن أنصار و مقاتلو حاجو من تحطيم القوات التركية في معسكر نصيبين, و أغارت إحدى مفارز القوات الكوردستانية، بقيادة عليكي بطي هفيركي و شمعوني حني حيدو على مدينة (مديات)، حيث نشبت معركة دامية بينها و بين الكتيبة العسكرية التركية المتمركزة في الثكنة. تمكنت المفرزة من الإستيلاء على سجن المدينة المحصن، و قامت بتحرير سجناء السجن المذكور و الذين كانوا جميعاً من المواطنين الكورد. رغم تلقّي قوات حاجو بعض الدعم و المساعدة من بعض العشائر الكوردية، إلا أنها لم تقدر الصمود أمام القوات العسكرية التركية المتفوقة، مما أدى الى إضطرار هذه القوات للتراجع نحو مدينة (قامشلو).

في حزيران من عام 1930، أفلح الجيش التركي، بمساندة قواتها الجوية، في محاصرة الثوار في المنطقة الجبلية الواقعة قرب الحدود الإيرانية – التركية. هبّ كورد منطقة (ماكو) الواقعة في إقليم شرق كوردستان المحتل من قِبل إيران، لنجدة الثوار. كما أنّه إنضمت الى صفوف الثورة مجاميع كبيرة من كورد ولاية (وان). بعد إلتحاق هؤلاء بصفوف الثوار، بلغ عدد المقاتلين الكوردستانيين حوالى عشرة آلاف مقاتل. سمحت الحكومة الإيرانية للقوات التركية بالتسلل الى الجبهة الخلفية للثوار في داخل إقليم شرق كوردستان، حيث أنّ المساعدة الإيرانية كانت عوناً كبيراً للقوات التركية، التي بواسطتها قامت بقطع مواصلات الكوردستانيين الثائرين، في محاولة لقطع وصول المواد الغذائية، لتجويعهم و بالتالي فرض الإستسلام عليهم. دام الحصار التركي في منطقة أرارات سنةً كاملة ولم يتم إخماد الثورة إلا بعد نفاد الغذاء و الذخيرة بشكل كُلّي لدى الثوار.

حاول الثوار الكوردستانيون عقد تحالف مع الأرمن ضد الأتراك، حيث إلتقي الجنرال إحسان باشا بالممثل الرسمي لجمعية (طاشناق) الأرمنية في آگري. كان الثوار يأملون في إنضمام القوات المسلحة الأرمنية إلى جانب قوات الثورة الكوردستانية، إلا أنّ الوقت كان متأخراً لنجاح مثل هذا التحالف، حيث كان يدبّ الضعف في صفوف الثوار الكوردستانيين، بعد إصدار الحكومة التركية لقانون التعجيل (العفو) الذي شمل المشتركين في الثورة، الذين يستسلمون للحكومة التركية، حيث بدأ إستسلام بعض الثوار الذين كانت الحكومة التركية تحتجز أُسرهم. هذه الموجة من التخلي عن صفوف الثورة، أثرت كثيرً على عزيمة الثوار و قوتهم، فإنخفض بسببه عدد قوات آگري و واجهت هذه القوات مشكلة عويصة بالنسبة لتوفير الغذاء و المؤن. هذا الضعف في صفوف الثورة حال دون إنبثاق حلف كوردستاني – أرمني و الذي ربما كان يؤدي الى تغيير ميزان القوى بين الثوار و الحكومة التركية و يصبح نقطة تحوّل في مسار الحرب و في نتائجها.

خلال ثورة آگري، ما بين عامَي 1927 و 1930، جرى تجميع عشرات الآلاف من الكورد الأبرياء في وادي (زيلان)، حيث قامت الطائرات التركية بإبادتهم عن طريق إستخدام المواد الحارقة التي حصل عليها الكماليون من ألمانيا النازية. كما
قامت القوات التركية بتدمير 660 قرية كوردستانية و تمّ قتل ما بين عشرة آلاف و خمسة عشر ألفاً من المواطنين الكوردستانيين.

بعد إخماد ثورة آگري، إستمرت الحكومة التركية في خططها الرامية الى تتريك الكوردستانيين، حيث قامت بالتهجير الجماعي للكورد الى وسط الأناضول، في محاولة لإذابتهم في بوتقة السكان الأتراك. في 5 مايس عام 1932، أصدرت الحكومة التركية قانوناً، شُكّلت بموجبه أربع مناطق للإستيطان في (تركيا)، ثلاث منها كانت في كوردستان. إحدى هذه المناطق الكوردستانية، بموجب هذا القانون، كان يجب أن تُخلى تماماً من سكانها و أن يتم تحويلها الى منطقة محظورة. منحت الفقرتان الأولى و الثانية من القانون المذكور الأوساط التركية الحاكمة الحق في تقويض الإتحاد العشائري بالعنف و عن طريق الإجراءات الإدارية و العسكرية و إلغاء الحقوق التقليدية لرؤساء العشائر و ذلك بهدف تعزيز الأتراك لمواقعهم في كوردستان. طبقاً للفقرة الثالثة من هذا القانون، تّم تحويل كافة الممتلكات غير المنقولة للعشائر الى أملاك الدولة، بينما نصت الفقرة الرابعة من القانون على منح الأراضي الكوردستانية المصادرة للنازحين الأتراك القادمين من اليونان. الفقرة الخامسة منحت الحق للحكومة التركية بتهجير المواطنين الكوردستانيين مع عوائلهم، بحجة “الإشتباه بتجسسهم!”. الفقرتان السادسة و السابعة من القانون نصّتا على إتخاذ الإجراءات اللازمة للعمل على جعل أبناء و بنات الشعوب و القوميات غير التركية ينسون لغاتهم الأم و أن يتم إستخدام كورد المستوطنات كمستخدَمين في مجال السخرة و العمل الشاق. الفقرة الثامنة تقضي بأن لا يتم السماح بأن تبلغ نفوس الكورد أكثر من 10% من مجموع السكان الأتراك في مناطق الإستيطان و التي كان الهدف منها هو صهر الكورد و تتريكهم.

بعد مُضي حوالي عامَين على إعلان قانون 5 مايس عام 1932، تمّ إقرار قانون الترحيل المُرقّم 2510 و الصادر بتأريخ 21 حزيران 1934. نصّ البند الأول على أنّ الحكومة التركية تمنح صلاحيات لوزارة الداخلية لتعديل أماكن سكن الشعوب في (تركيا)، إستناداً الى إرتباطها بالثقافة التركية. هذا البند يهدف بوضوح الى تهجير و تتريك الشعب الكوردي. طبقاً للبند الثاني من القانون، تمّ تقسيم (تركيا) الى ثلاث مناطق، المنطقة الأولى ضمّت المقاطعات التي خُصّصت لتمركز السكان من ذوي الثقافة التركية، بينما المنطقة الثانية شملت المناطق المُميّزة التي يتم توزيع المُهجّرين (الكورد) فيها لتتريكهم. جُعلت المنطقة الثالثة منطقة محظورة يُمنع السكن فيها أو التحرك خلالها و على أن يتّم إجلاء كافة السكان (الكورد) منها. كما نصّ البند الحادي عشر من القانون على منع كل شخص لغته الأم ليست تركية، من تشييد قرى أو أحياء جديدة أو الإنتساب الى منظمات المجتمع المدني، للعمال و الحرفيين و غيرها. بهدف تتريك كوردستان، منعت الحكومة التركية المستوطنين الأتراك النازحين من اليونان و الذين قامت الحكومة التركية بتوطينهم في كوردستان، من ترك مستوطناتهم في كوردستان لمدة عشر سنوات، بينما المُهجّرون الكورد الذين تمّ تهجيرهم الى المناطق التركية، تمّ منعهم من قِبل الحكومة التركية من ترك المناطق التي هُجّروا إليها لفترة غير محدودة، أي عليهم السكن في المناطق الجديدة الواقعة خارج كوردستان الى أجَلٍ غير مُسمّى، لغرض إنجاح عملية تتريكهم. كما أنّ إجراءات تهجير الكورد من كوردستان و تشتيتهم بين الأتراك في المناطق الغربية من (تركيا) و إحلال العنصر التركي محلهم في كوردستان، كانت ترمي أيضاً الى الى كسر قُدرة شعب كوردستان للنهوض من جديد لمواصلة نضاله من أجل تحرير وطنه من الإحتلال التركي. بناءً على توصيات “إينونو” إبتداءً من عام 1935، تمّ حشدُ ثلثي تعداد الجيش التركي في كوردستان، فتحولت المدن الكوردستانية إلى ثكنات عسكرية. كما تم منع الأزياء القومية الكوردية و التحدث باللغة الكوردية في حضور الموظفين الأتراك.

يمكن إيجاز أسباب فشل هذه الثورة بالتفوق العسكري التركي، حيث لعبت القوات الجوية دوراً حاسماً في ترجيح كفة الأتراك على الثوار خلال المعارك التي دارت بين الجانبين. وقوف أعداد من العشائر الكوردية الى جانب السلطة التركية ضد الثوار الكوردستانيين و تخلّي أعداد أخرى من هذه العشائر عن دعم الثورة، ساهم بشكل كبير في إفشال الثورة. كما أن التعاون التركي – الإيراني ساهم بدوره في إضعاف الثوار، حيث سمحت الحكومة الإيرانية للقوات التركية بإستخدام أراضي إقليم شرق كوردستان الواقع تحت الإحتلال الإيراني، لغرض الإلتفاف حول الثوار الكوردستايين و شن الهجوم على مؤخرة قواتهم. لم تكتفِ الحكومة الإيرانية بذلك، بل سمحت للقوات التركية بالقيام بتعقّب الثوار و البحث عنهم داخل أراضي الإقليم الشرقي الكوردستاني. إصدار الحكومة التركية لقانون التعجيل (العفو) الذي شمل الثوار الكوردستانيين الذين ينهون مشاركتهم في الثورة و يلقون سلاحهم جانباً و يستسلمون للحكومة التركية، كان له دور فعال في إضعاف الثورة و إنهيارها، حيث بدأ إستسلام بعض الثوار الذين كانت الحكومة التركية تحتجز أُسرهم و كان من بينهم السيد عبد القادر الذي كانت أسرته منفية الى مدينة أزمير و كانت محجوزة هناك. هذه الموجة من التخلي عن صفوف الثورة، أثرت كثيراًً على عزيمة الثوار و قوتهم، فإنخفض بسببه عدد قوات آگري بشكل ملحوظ و مؤثّر. عدم إتخاذ قيادة الثورة إحتياطات كافية لخزن و توفير الأسلحة و المؤن للثوار، حيث أنّ نفاد مؤنهم الغذائية و ذخائرهم الحربية أدى الى التعجيل بنهاية الثورة. كما أنّ حرمان الثوار من مساعدات عسكرية و سياسية و إقتصادية أجنبية، لعب دوراً في إنتكاسة الثورة.


المصادر

عيسى، حامد محمود (1992). المشكلة الكردية في الشرق الأوسط. جامعة قناة السويس، كلية التربية، بورسعيد، مصر، مكتبة مدبولي. صفحة 267 – 268.

هستريان، م. أ. (1978). كردستان تركيا بين الحربين. ترجمة: د. سعد الدين ملّا و باڤي نازي. الطبعة الأولى، دار الكاتب، بيروت، لبنان، رابطة كاوا للثقافة الكردية. صفحة 142 – 162.