الرئيسية » مقالات » بين ديوان ألجواهري و ذكرياته والالتباس في مصدر ( إن من البيان لسحرا)

بين ديوان ألجواهري و ذكرياته والالتباس في مصدر ( إن من البيان لسحرا)

علاقتي بشعر ألجواهري وديوانه منذ السادسة عشرة من عمري ، فالشعر غير بعيد عن بيتنا ، خاصة بيت أخي الكبير حسن النهر فقد كان هو ينظم مقطوعات من الشعر الشعبي (الزهيري) ونشرت له بعض المقطوعات ، كما إن ابنته حياة النهر شاعرة ولديها عددا من الدواوين وكذلك ابنه نصير النهر ، وكان أخي طالب من حفاظ الشعر ومجيدي إلقائه بالإضافة إلى شهرته في نطاقنا بالهوسات ، فقد كان مهوالا جيدا بالمناسبات . كان بيتنا القديم كبير جدا وكانت جدرانه مطلية بالجص الأبيض وتغري بالكتابة عليها ولهذا اتخذها أخي طالب لوحة للكتابة لكل ما يجول بخاطره من أشعار ومقولات جميلة وكان من بينها بيت للجواهري الكبير
يومَ الشهيد طريقُ كلَّ مناضلٍ وعرٌ ولا نُصُبٌ ولا أعلامُ
وقد أثار هذا البيت تفكيري واهتمامي خاصة وان ابن أخي شامل النهر كان سجيناً سياسياً في ذلك الوقت ، ومما عزز اهتمامي بشعر الجواهري أكثر هو وقوع ديوان له بين يدي نهاية 1957 . كان شقيقي الأكبر كامل النهر يخفي كتباً وضعها في صفيحة (تنكه) ودفنها في إحدى زوايا البيت المهملة ، وفي احد الأيام تسللت إلى ذلك المكان وأخرجت (التنكة) وفتحتها وكانت تحتوي عدداً من الكتب بقي في ذاكرتي أسماء قسم منها مثل ( ثورة الزنج ) أعتقد للدكتور فيصل السامر و(وعاظ السلاطين) لعلي الوردي وعن الاشتراكية لسلامة موسى و (الاقتصاد السياسي ) لسيغال وكتب ومجلات مصرية ولبنانية ن وكان بضمنها أيضا ديوان ألجواهري حيث عززت أغلب القصائد بتخطيطات تعبر عن محتوى القصيدة ، وكانت هذه أول فرصة للاطلاع بشكل مباشر على ديوان وشعر ألجواهري . من ذلك التاريخ أثار اهتمامي وإعجابي ومتابعتي في مختلف الظروف وزاد في ذلك هيئة ألجواهري واسلوب إلقائه الشعر بعد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة واستمر هذا الاهتمام والإعجاب بالازدياد مع تقدم العمر وجديد شعر ألجواهري ، إلى أن توفرت لدي الطبعة الجديدة لديوان ألجواهري الأخير بخمسة أجزاء وكذلك ذكرياته بجزأين ، وقد قرأتُ كل بيت فيها بإمعان وقد قادتني هذه القراءة المتأنية إلى أشياء كثيرة يمكن الكتابة عنها ، كما حفظت الكثير من المقاطع والأبيات من عدة قصائد ، وقادتني إلى اكتشاف قوة الكلمة في شعر ألجواهري ، وكيف يمكن أن تكون قوية ولكن رقيقة مفعمة بالمشاعر المرهفة والموسيقى والتعبير ، وان تكون قوية مملوءة عنفواناً وكبرياءً وشموخاً ومجداً ،أو قوية صلبة كالحجر الصوان عند مقارعة الخطوب ، وقوية حتى في ظروف العزلة والغربة وتقدم العمر .
كما وجدت العراق عبر قرن من الزمان تقريباً بكل تلا وينه وصفاً ومحبةً واعتزازاً وتاريخاً وحضارةً وصراعاً وتقدماً وكذلك نكراناً للجميل . ووجدتُ أحداث العالم العربي والمنطقة والعالم مرصودة بخيرها وشرها .
ومن خلال هذه القراءة المتأنية اكتشفت أيضا أن هناك التباساً في مصدر ( إن من البيان لسحرا ) التي افتتح فيها طه حسين كلمته في الإشادة بالجواهري وشعره بعد إلقاء ألجواهري قصيدته ( أحييك طه ) في الحفل الذي أقامه طه حسين باسم الحكومة المصرية للوفود العربية المشاركة في مهرجان المعري في دمشق 1944 والذي ألقى فيه ألجواهري قصيدته الشهيرة ( قف بالمعرة ) . فقد ورد في ديوان ألجواهري الجزء الثالث ص16 كمقدمة لقصيدة ( أحييك طه ) ما نشرته جريدة (الرأي العام ) التي يمتلكها الجواهري في ذلك الوقت :
( وقد أجاب سعادته ” طه حسين ” عليها بكلمة مؤثرة استهلها : ” صدق الرسول العظيم : إن من البيان لسحرا………..”) .
أما في ( ذكرياتي ) للجواهري الجزء الأول فقد ورد في ص420 ما يلي : (وبعد انتهاء القصيدة قام وتحدث ( طه حسين ) ما شاء عني وعن القصيدة وكان أجمل ما فيها ما افتتح كلمته ” إن من البيان لسحرا ” صدق الله العظيم ) .
في الديوان ومقدمة جريدة الرأي العام “صدق الرسول العظيم” وفي ذكرياتي “صدق الله العظيم” .
مجداً للجواهري الكبير ( شاعر العرب الأكبر ) في ذكرى رحيله الحادية عشر ، ونحن نعيش أعياد ثورة 14 تموز المجيدة .