الرئيسية » الملف الشهري » لماذا أحب العراقيون الزعيم عبد الكريم ؟

لماذا أحب العراقيون الزعيم عبد الكريم ؟

قليلة هي المرات التي يتفق فيها العراقيون على أمر ما , حالهم بذلك من حال أشقائهم العرب الذين قال فيهم جمال عبد الناصر ” اتفق العرب على ان لايتفقوا” بيد ان العراقيين اجمعوا ولأول مرة ربما في تاريخهم على أمر ما ذلك هو حبهم واحترامهم لرجل حكمهم, رغم ان المعروف عنهم خصومتهم مع من يحكمهم هكذا يقول تاريخهم, لكن كان لهم شأن آخر مع الزعيم عبد الكريم قاسم الذي اسقط النظام الملكي عام 1958 وأسس بدلا عنه نظاما جمهوريا.

ولدت بعد اثنتي عشر عاما من ثورة 1958 وحينما بدأت أدراك الامور كنت اسمع كبار السن وهم يترحمون على الزعيم , بل أكثر من ذلك كان هناك من يحتفظ بصورته مخبأة في مكان امين خوفا من ان يراه من يشي به فتكون عاقبته السجن ان لم يكن الاعدام في زمن حكم البعث. ولطالما كنت استغرب عن سر هذا الحب لهذا الرجل…!

فلماذا احب العراقيون عبد الكريم قاسم رغم كرههم الدائم لمعشر الحكام ؟

بداية لابد من القول ان عبد الكريم قاسم توسط قلوب العراقيين, وكان زعيما حقيقيا بمعنى الكلمة, والزعيم اشارة الى رتبته العسكرية التي نالها بأستحقاق وجدارة وعن تحصيل ودراسة في ارقى الكليات العسكرية في بريطانيا, وحمل رتبة الزعيم بعد ان تسلسل في المراتب ولم ينلها بتزكية من حزب او بقرار “دمج المليشيات” , كان عسكريا محترفا, وجنرالا حقيقيا وليس ورقيا او وهميا كما يعج العراق الان بحملة الرتب الوهمية من جنرالات الاحزاب.

وانت تقرأ عن الزعيم قاسم ستجد ان التواضع هي السمة البارزة في شخصيته وسلوكه, كان عفويا ولايتصنع الرئاسة او القيادة كما يفعل اليوم البعض من قادة العراق الجدد. حدثني من عاش في زمن قاسم قال ان الزعيم كثيرا ما كان يتجول في الاسواق او يقف بنفسه في الدور لشراء الرغيف.

لم تكن معه ارتالاً مدججة بالسلاح ترافقه, ولم يستأجر شركات امنية اجنبية لحمايته, ولم يكن يسكن في (منطقة خضراء), ولم يعرف عنه ولعه بالصفقات التجارية, ولم يكن متورطا بسرقة نفط العراق, ولم يكن له عشيرة سياسية (حزب) يسلطه على الناس, ولم يتورط بقتل الشعب حفاظا على كرسي الحكم,ولم يكن لديه حاشية ترهب المواطنين وتبتزهم , ولم يستخدم السلطة ليجني فوائد شخصية اوعائلية, ولم يقرب احدا اليه من اسرته او يمنحه منصباً حكوميا.

ولم يحجب نفسه عن الشعب, ولم يسكن القلاع المحصنة والابراج العاجية, ولم يكن له مربع أو مستطيل او دائرة أمنية, كان يعيش بين الناس, يتحرك في وسطهم , قريب الى نبضهم متحسسا آلامهم, عارفاً لقدر نفسه, متواضعاً مع غيره, يجلس عند ارجل العلماء والفقهاء يعودهم في مشفاهم, لم يصدر عنه اي سلوك طائفي او عنصري, كان يتكلم باسم الشعب, كل الشعب, ولافضل لعربي عنده على اعجمي, مات وليس في جيبه سوى ربع دينار, ولم يترك في حسابه الشخصي شيئا يذكر.

يكفيه فخرا ان خصومه اعترفوا بعد اغتياله بوطنيته واخلاصه وعراقيته وبإنجازاته رغم محاربتهم له في حياته. يقول الكاتب العراقي الكبير حسن العلوي في كتابة ( عبد الكريم قاسم رؤية بعد العشرين) ان ثورة تموزالتي قادها عبد الكريم قاسم حققت ثمانين بالمائة من اهدافها في غضون اقل من خمس سنوات.

وها نحن وبعد مضي خمس سنوات من التغيير (الديمقراطي) الجديد لم نستطع انجاز شئ ذي قيمة للشعب, اللهم سوى الدستور وهو لايزال موضع جدل. لا كهرباء ولاماء ولانفط ولا خدمات , البطالة متفشية وهي بتصاعد دائم, والفساد ضارب بجذوره في مؤسسات الدولة, والمحسوبية في التوظيف والتعيين على قدم وساق, وسرقة المال العام ونهبه خرجت عن المتصور, الشعب يزداد فقرا وجوعا وهلاكا, وحكامنا الجدد يزدادون ثراءاً وسمنةً وبعداً عن الشعب. فأين هؤلاء من عبد الكريم قاسم.

ذات مرة سئل معاوية بن ابي سفيان الذي كان يجلس على عرش كالملوك وفي قصر مزين بالنقوش احد اصحاب الامام علي الذي قدم من الكوفة الى الشام عن علي (كرم الله وجهه) كيف كان يعيش ؟ فأجابه الكوفي بعد ان نظر الى عرش معاوية والى ثيابه وجلبابه وحشمه وحرسه, والى المائدة الملونة الموضوعة امامه قائلا : ( كان علي فينا كأحدنا).

لا ادري هل قرأ اتباع علي (كرم الله وجهه) الذين تربعوا على العروش في العراق هذه القصة ام لا؟

ولا اقول اين حكامنا الجدد من علي بن ابي طالب فأين الثرى من الثريا, ولكن اقول اين هم من عبد الكريم قاسم, الذي لم يكن اماماً معصوماً كما كان عليا, مثلما انه لم يكن سنياً او شيعياً يتباكى على مظلومية هذا الطرف او ذاك كما فعل البعض الذين وصولوا الى دفة الحكم برفع راية الطائفية, ولم يقدموا لمن تحدثوا باسمهم اي انجاز يذكر.

لقد بنى عبد الكريم قاسم للفقراء بيوتاً بالقرب من بيته وجاورهم فنال وعن فخر لقب أمير الفقراء, كان قاسمٌ عراقياً وطنياً ولم يكن طائفياً, كان قاسمٌ قاسماً مشتركاً بين العراقيين, فهو من اب سني ومن ام شيعية , أحب شعبه بتفان فعشقه الشعب بجنون, فارق الحياة وهو يهتف عاش الشعب, عاش عفيفاً ومات نزيهاً , فأجله الشعب حياً وخلده شهيداًً. فطوبى للنزهاء. رحمك الله يازعيم القلوب.