الرئيسية » مقالات » الأخطاء الأمريكية والمسألة الرجعية

الأخطاء الأمريكية والمسألة الرجعية

كان بالإمكان أن تنجح العملية الأمريكية في العراق لو أنها سارت في اتجاه المصلحة العراقية من دون حسابات منطق الاحتلال وسياسة خلط الأوراق. إن بين العراقيين والولايات المتحدة الأمريكية مسافة نفسية , لايمكن بسهولة محوها من الذاكرة العراقية , ليس فقط , حيث باركت الولايات المتحدة الأمريكية الانقلاب ألصدامي على احمد حسن البكر , والدخول في صفقة دعم مشروع صدام الأرعن بغزو إيران , ولا بالطريقة الرخوة التي استقبلت بها السفيرة الأمريكية ببغداد قرار احتلال العراق للكويت .. كل هذه فصول ملحمية دامية من تاريخ العراق الجريح . لكن منتهى الخطيئة تجلت في خذلان الشعب العراقي في انتفاضته الشعبانية التي كادت تنهي حكم صدام , والسماح لطاغية العراق الكبير بأن يحصد الأرواح ويقمع الانتفاضة عبر جرائم حرب مشهودة ,وعملية إبادة واسعة طالت خيرة شباب وعلماء العراق ..بل أكثر من ذلك أن الذي سبب ديمومة نظام صدام ,هو نفسه الذي أدخل العراق في حصار ,كان الأشد والأطول من نوعه في تاريخ البشرية .

حصار فرضته أمريكا على الشعب , بيد أن صدام لم يكن يذوق من جوع أهل العراق , بل لقد ازداد غنى واتسعت قصوره وازدانت , وبلغ كرمه أن صرف من الكوبونات وثمن الرغيف الشعب المحاصر على كل أولئك السياسيين والمثقفين الذي حجوا طمعا في العطاء ألصدامي , أولئك الذين شكلوا أكياسا من الثرثرة لحماية الطاغية في الخارج .. كان بود أمريكا اليوم أنت تكفر عن خطيئتها وإن كان هذا طلبا , حيث الدول تحكمها المصالح والدولة العظمى هي دولة بيزنس بامتياز . لكن لنفترض أن شيئا من الأخلاق لازال يحكم علاقاتنا الدولية ولو في نطاق العموميات , فسيكون من الواجب على الدولة العظمى أن تتحرك بسياسة إنقاذ شعب حاصرته وفرضت عليه الديكتاتورية ردحا من الزمان .. غير أن الولايات المتحدة دخلت العراق, وهي تسعى للعبث بالمنطقة وإنذار باقي الدول المنطقة بالتغيير والاحتلال. لقد كانت سوريا وإيران اكبر المتضررين بسياسة صدام الرعناء ولا ننسى أن صدام وحده من كان يحرص المصالح الأمريكية بالمنطقة , فكيف حينئذ نفسر استياء سوريا وإيران مما يجري اليوم في العراق ,سوى إن أمريكا نفسها تدفع باتجاه التنكر للواقع الجديد الذي أسفر عنه احتلال أمريكا للعراق . هل ينتظرون نجاح النموذج ؟

الفشل الذريع للولايات المتحدة الأمريكية لم يكن ناتجا عن إسقاطها لصدام حسين الذي استقبله الشعب العراقي بالترحاب بل كان سيكون الأمر في غاية الاستثناء لو أن الإستراتيجية الأمريكية تخلت عن أطماعها البعيدة في المنطقة وهذا طبيعي فوجودها هناك لم يكن نزهة أو عملا خيريا وليس في السياسة تأنيب ضمير!

لكن ما بدأ فشلا لم يكن نتيجة لضغط الارهابين الذين لم يفعلوا في ملحمتهم الدموية أكثر من قتل المدنين العزل في الأسواق وأماكن العبادة أن فشل المخطط الأمريكي مرة أخرى جاء نتيجة مناورات حقيقية قامت بها كل من إيران وسوريا , بعد أن كشف المخطط الأمريكي أن استهدافا ته لاتتوقف في العراق بل ستتعدى إلى كامل المنطقة العربية في إطار مشروع شرق أوسط كبير , لقد فشلت العملية لان الولايات اخفت نواياها من غزو العراق فلم يكن في واردها إسقاط ديكتاتور طالما ساعدته في مغامراته وسطوته على شعبه لإنهاء الحصار المفروض على شعب بكامله , بل كانت لها أجندة أبعد من ذلك , أن تبسط هيمنتها على المنطقة وتعيد بناء نفوذها على أساس من الفوضى البناءة . ولهذا السبب تحديدا , فشلت في تأمين انتقال سلمي للسلطة في العراق .