الرئيسية » مقالات » ( الانفل- تاح )

( الانفل- تاح )

الحكاية السادسة لهلكان العريان

لم أرى العم هلكان , منذ أن عرفته , بمثل هذه الحال . ما يشبه الحدث التاريخي أن يكون (وجاغ) الشاي منطفئا في داره , وان كانت بقايا لفافات التبغ المحترقة تنتشر في المكان بشكل فوضوي , رغم كرهه للوساخة على اختلاف أشكالها وأنواعها , مما يعني أن هناك خطب جلل قد حدث . وجدته يترنم:
حمد تبگه بثنايه الهور والبيرغ رگد نصه
حمد والعار غطه الهور مامش زلم وتگصه
مضيف اهلك تفلش شبه عن …
سألته.. عن أي هور تتكلم ؟ .. الم يجتث الهور وكأنهم ينتقمون من تاريخ امتد لآلاف السنين من خلال تجفيف رمزه المكاني ؟!.. بل من تاريخ الإنسانية كلها , الذي انطلق من ارض سومر معطيا إياها النور والحرف والحضارة … يعجبني أن تكون لماحا – قاطعني هلكان- فللإنسان والحيوان , للتناسق والتنوع , كان الهور بيئة حنونا وملاذا آمنا , للثائرين والمطلوبين , للفقراء وللجائعين , يمنح خيراته لأبنائه البسطاء ولمن يلجا إليه بدون منة وتمييز . إن اجتثاث التاريخ أو تشويهه هو ما أثارني . إن ما أحالني إلى ما أنا فيه هو الانتشار الرهيب للانفلتاح , والانفلتاحيين الذي .. هيه ياعم , على مهلك .. ما هذا الذي تتكلم عنه ؟! تبسم مجيبا : هو تركيب عولمي جديد ذو جذور محلية يتكون من تفاعل اندماجي بين الانفلات و’’الانفتاح‘‘ ينتشر كأنفلونزا الطيور- كسلاح تدمير شامل يدشن عهد ما بعد القنبلة الذرية – منتجا شخوصا وأحداث مشوهة , مسوخا عولمية , ديدنها الارتزاق والحرباوية بأي شكل وبأي ثمن . ومع اعتزازي بالفن والنقد باعتبارهما روح الحياة , ومن دونهما تستنقع المجتمعات وتتعفن , إلا إن هذه الكوميديات الرائجة لا هم لها سوى ’’إضحاكنا‘‘ على سكان الاهوار والأرياف من خلال لهجاتهم بعرضها شخوصها بشكل مسطح وساذج وتهريجي .
هذه اللهجة ’أيها السادة‘ هي التي أنجبت أعظم القصائد التي هزت عروش الطغاة والمستعمرين , وعبرت عن شجون المسحوقين على شكل دارمي وابوذية وأطوارها ,كالشطراوي والحياوي والصبي والمحمداوي.. نسائهم ليست ((نوميه)) بل المرأة الفلاحة التي اسر ألانگليز وحيدها الصغير, فأشفقت عليه من الوشاية والتنصل
بس لا يتعذر موش آنه
هي أم (حيال) الذي أشعل النار بجسده ليحرق باب مخفر الشرطة فجاءت (هوسة أمه)
ﭼف غازي أم حيال تريده
مجسدة بذلك وعيا بجوهر المشكلة, فالنظام هو الذي قتل حيال ورفاقه الفلاحين ولذلك فان النظام هو غريمها ممثلا برأسه. إنها أم (صويحب) –الفلاح الذي قتل برصاص الإقطاعيين _ التي نهرت الفتيات الباكيات على جرحه
ميلن لا تنگطن كحل فوﮒ الدم جرح صويحب ابعطابه ما يلتم
لا .. لا تفرح أبدمنه يلگطاعي صويحب لو يموت المنجل يداعي
أنها ليست قضية صويحب فقط بل قضية الظالم والمظلوم . لست من دعاة تصنيم وتعصيم الذات الفردية والجمعية , بل من دعاة النقد الجذري عسى أن تتغير الأحوال , ولكن يا بعض أهلنا إن أردتم فأضحكونا على شخوصكم وبؤسكم ولكن لا تأكلوا لحم أهلكم نيئا فتكونوا (براقش) التي جنت على أهلها ولكن .. (من اجل حفنة من الدولارات ) .
أطلق هلكان زفرة هائلة .. خلت أنها ستهد الجبال.. وعندها سكت عن الكلام المباح إلى أن يدرك الشعب العراقي وفقراءه نور الصباح.