الرئيسية » مقالات » أزمنة ( الريم )

أزمنة ( الريم )

الحكاية الرابعة لهلكان العريان

الشاي ولفافة التبغ, لا يمكن فصلهما عن شخصية العم هلكان,كما هي أيضا النظرة العميقة التي تجدها في عينيه المحتفظتين بصفائهما وبريقهما النافذ رغم تقادم الزمن وصروف الدهر التي تخللت عمره الطويل تقاطعت نظرات العم هلكان,مع الأبخرة المتصاعدة من”قوري” الشاي أطال النظر طويلا ..أردت فك الاشتباك ..هيه يا عم (شايك خدر).
أعتذر مني عن حالة شروده ,بعد أن ملأ أقداح الشاي ,قال : كنت أقلب الفكر فيما وصل إلى مسامعي من حكاية المواطن(تعبان و ريمه) بعد أن جار عليهما الدهر ,بعد “التحرير”,كما جار عليهما قبله ,وكما قال المثل الشعبي (تيتي تيتي ,مثل ما رحتي اجيتي ) ,ليصبحا في رمشة عين مطاردين ومطرودين من شوارع ألمدينه وأزقتها و ساحاتها ,لترتفع بدلا منهما رايات “النصر” المتعددة الألوان ,ولا ندري من انتصر على من ؟
فما زال تعبان و ريمه يعيشان على هامش المدينة ,وهما ينشدان

عدنا و عادت حالنا الراكدة
يسألنا التاريخ ما الفائدة

“الريم” لا يمكن لها أن تعيش حرة فبعد أن كانت تطرق الفيافي و الوديان, و مرابع الأنس والجان ,أجبرت على ترك الشوارع لصالح السيارات “الحديثة ” التي تصدر ألينا من” مقابر السيارات و مزابلها ”
من بعض الدول الصديقة و الشقيقة بأنواعها المختلفة ,ولا فرق إن كانت “ستيرن يمنه أو يسره” حيث لا فرق بين اليسار واليمين في هذا الزمن الرمادي , مادام الجيب يمتلأ بالمال .كما اجبر تعبان على ترك داره ألمستأجره بعد التصاعد الجنوني في الأنفجارات و التهجير ,وبدلات الإيجار, وحملات الأعمار ليسكن متجاوزا على أملاك الحكومة ,و الملك لله , ويرتكب الإثم بفعلته الشنيعة – أطال الله عمر غوار الطوشي – الذي ابتلع ليرة قد سرقها , ليخفي فعلته ,ولكن الأشعة ألسينيه ,كانت له بالمرصاد ,في الوقت الذي عجزت فيه عن كشف الملايين المبلوعة من قبل “أبناء الأجواد” على اختلافهم .
من اجل حل” إشكالية ” المطاردة هذه تصالحت الريم مع تعبان على أن يرفع نصف كراسيها ليحوله إلى مسكن ,له ولعائلته ,مقابل أن يوفر لها متعة السير في الشوارع ,بين ألفينه و الأخرى , عند حضور مفارز مطاردة المتجاوزين المسلحة.
صمت العم هلكان طويلا .تشاغل بإصلاح لفافة التبغ بأناة .بعد أن اخذ نفسا طويلا ,جاءني صوته هادرا ليمزق سحب الدخان : يبدوا أننا نعيش كذبة كبرى منذ بداية التاريخ فما قيمة القيم و (الخطابات الكبرى) وكلما نسجته البشرية من مماثل إذا كان هنالك إنسان جائع أو خائف أو بلا سقف يؤويه و أطفاله ؟ ما قيمة هذه اذاما مات طفل أو شيخ لأنه لا يمتلك ثمن الدواء الذي ينقذ حياته ؟ ما قيمة كل هذه الأشياء إذا كان هناك هولاكو في كل عصر يحرق شارع المتنبي ويرمي رماده في نهر دجله ؟
ما قيمة كل شئ و محاكم التفتيش ما تزال تلاحق “غاليلو ” في كل زمان ومكان ؟ ما قيمة ….و هنا سكت هلكان عن الكلام المباح
إلى أن يدرك الشعب العراقي و فقراؤه نور الصباح.