الرئيسية » مقالات » الرموز الشيوعية لماذا تلاشت ؟ وهل يحتاج اليسار إلى رموز!؟

الرموز الشيوعية لماذا تلاشت ؟ وهل يحتاج اليسار إلى رموز!؟

بشكل عام لاتعني الرموز المتداولة في الموروث الشعبي والوطني وحتى العالمي شيئا كبيرا بالنسبة للشيوعي أو اليساري العلمي مادي النزعة , فهي تدخل ضمن إطار الثقافات مثالية التوجه أو غالبا أحجار ملونة في بنى فوقية , تستوجب الإزاحة متى حل أوان البناء الجديد , وذلك لا يعني عدم احترام أو تقدير و حتى التعامل مع اوتداول رموز معينة كوسيلة لفهم نبض الجماهير وعدم الاصطدام غير المدروس وفي غير أوانه مع مفاهيم جماهيرية تعود أولا أخيرا إلى تفسير الصدام الأزلي بين الخير والشر .

هي إذن قضية أو (مشكلة) يستوجب للعمل اليساري المنظم التعاطي معها وفي تاريخنا السياسي المحلي وكذلك العالمي أمثلة كثيرة , ربما يكون تواجدها في عالم الشرق العاطفي وشعوبه المسحورة تاريخيا بالبطولات والقيادات الفردية أكثر من الغرب مادي التفكير فلسفي الحلول , شكلت له روما (رمز) للصراع بين القيصر الفرد الحاكم , ومجلس الشيوخ المراقب المتحفز خوف الانزلاق نحو التوريث أو الحكم المطلق , لمصلحة الجماعة , وبقية القصة معروفة , فما ذا عن شرق نحن جزء منه ؟ , وأمم كبرى تغمض أعينها وتؤشر على عائلة أو اسم فرد تضعه على رأس السلطة أجيال متعاقبة , كما في هند انديرا غاندي , ابنه نهرو مع تمازج غريب للرموز بين اسم المهاتما غاندي المرفوع لدرجة التقديس , وسلالة نهرو خليفته , وأعاجيب سحرهم للجماهير الزاحفة لانتخابهم !, والسحر والرمز ينتقل إلى غرب القارة حيث باكستان وعائلة بوتو , ذو الفقار ثم ابنته القتيلة وهي في طريقها ثانية إلى قلوب الجماهير واستلام السلطة المفقودة منها , و المستعادة من زوجها وابنها , ينقلب عليهم العسكر , ويسترجعونها برغبة الشعب والديمقراطية والانتخاب , والأدهى من هذا وذاك إن العائلتين بوتو ونهرو محسوبتان على التيار العلماني المدني البورجوازي , لا الديني أو القومي أو الطائفي , وهي المحاور الأكثر التصاقا واستعمالا للرموز في مخاطبة الفئات الشعبية , كما إن وقائع وأحداث ثورة الصين المحسوبة حكما على الشرق وقيمه ومفاهيمه , تعطينا تجربتها الشيوعية درسا في التعامل الخلاق مع الرموز التاريخية الوطنية , ففي المراحل الأولى للكفاح وحتى بعد الانتصار وسيطرة التيار الماوي الجذري , وفترة حياة وحكم ماو تسي تونغ التي يمكن اعتبارها مرحلة هدم كافة البنى القديمة والتأسيس للتحديث والبنى الجديدة , كثر الحديث حينها عن (كونفوشيوس ) كرمز لفكر السلالات الإمبراطورية الصينية القديمة , سواء كفلسفة حكم أو أخلاقيات مجتمع , صيغته التكامل والتوازن لا التناقض , لذا هاجمت أدبيات الثورة الأفكار الكونفوشيوسية , واضهرت مثاليتها وقدمت البديل على طريق نشوء المجتمع الجديد , ولكن ماذا عن مرحلة مابعد ماو تسي تونغ وتحول صين دنغ كسياو بنغ , صوب البناء والنمو الاقتصادي والتحديث ؟ , بعد أن تغيرت الأولويات وأصبحت فلسفة وأخلاق الكونفوشيوسية لاتشكل عائقا فكريا أو ضلاميا يعتد به في طريق النقلة النوعية الصينية من المجتمع الإقطاعي العبودي والرأسمالي المستغل , إلى اشتراكية التصنيع والإنتاج , ماعاد وقتها (الرمز) كونفوشيوس إلا بضاعة صينية تراثية يمكن عرضها والاستمتاع بدراسة أفكارها , فذلك هو الشرق وسحره القديم , وتجارب أخرى متنوعة يتحول فيها الرمز إلى قاطع طريق محترف أحيانا أمام محاولات التطور والتحديث , وحتى لا نذهب أكثر بعيدا نعود إلى تاريخنا العراقي وفترة مابعد تأسيس الدولة ا الملكية في عشرينات القرن الماضي .

– بعد سنوات من إعلان المملكة العراقية كان لابد من بروز تباين المصالح والتناقضات بين الفئات الدينية والقومية الشعب العراقي , اعتمادا على قربها أو بعدها من مواقع القرار والسلطة , والاختلاف على (كم) التمثيل داخلها , وذلك لظروف ذاتية تتعلق بالطائفة أو القومية , أكثر من اعتباره غبنا يسببه الآخرين , وكما بدا واضحا أصبح للسنة العرب النصيب الأكبر من كعكة الحكم لأسباب من بينها إن الأكراد مثلا كان لهم تطلع وطني قومي ذاتي أكثر منه عراقي , كما لقيادات الشيعة نظرة ناقدة ومنكرة لأصل تكوين الدولة ذاتها , لتبدأ الفتاوى الرافضة للتوظيف والدخول في مفاصل الدولة ومؤسساتها , وما ترتب على كل ماسبق للمكونين من شعور بعدم التساوي وبعدها الإحساس بالظلم , ترجمته بعض القيادات الكردية انتفاضات وتحركات عسكرية , رفعت المرحوم الملا مصطفى البارزاني ك (رمز) في ضمير ووجدان كل كردي , رغم تغير الكثير من الظروف والقناعات .

– مظلومية الشيعة تجاه الدولة والمملكة المستحدثة , متواجدة , (رموزها) وشعائرها متوارثة منذ القدم , أساسها استلاب الحكم , وعنوانها مأساة الطف ومقتل الحسين وال بيته , تستعاد مظلوميتها وتتجدد تفاصيلها , في مجتمع يلفه السكون , ولا تغيير كبير يصدمه كمقدمة لتبديل الكثير من المفاهيم والمعتقدات .

– الحديث هو عن البديل إذن , ومن يحمل رايته غير بورجوازية ناشئة , ويسار مبهور بالثورة البلشفية السوفيتية الداعمة والمحفزة لتأسيس حزب شيوعي عراقي , يحتاجه المجتمع في فترة الانتقالات الطبقية الداخلية والعالمية الكبرى , باتجاه مجتمعات التحديث والتصنيع والتكنولوجيا , بينما لايزال العراق يعيش أزمة المراوحة الإقطاعية العقيمة المتهالكة , وتحول الكثير من الأفراد والعوائل الفلاحية نحو المدن منجذبين صوب العمالة الحرفية والبناء والموانئ والأسواق , ومشاغل البورجوازية الصناعية , لتتوسع القاعدة العمالية وتنتشر , ويبرز يومها اسم (فهد) , يوسف سلمان يوسف , أول (رمز) شيوعي , استطاع ومجموعات عراقية متعددة الانتماءات الطبقية من الشروع في تأسيس الحزب الشيوعي العراقي , ويرتبط اسم فهد بالتنظيم وتتحول سيرته إلى ( إيقونة ) شعبية لم يسعى لاهو ولا قيادة الحزب إلى صنعها , ولكنه المجتمع يفرض مفاهيمه , ويؤكدها الرمز بالعمل الجاد والمستمر الذي يؤديه , ويحوله بعدها إلى أسطورة متجددة شاء أم أبى في نظر الجماهير .

– يبقى الرمز الديني مستمرا , فما دامت هنالك مسيحية , فهنالك مريم العذراء والصليب , وما دام الإسلام على وجه البسيطة فهنالك هلال , ولا اله إلا الله , ولكن اليسار مادام ماديا علميا , فرمزه في الأرض , ومن ضمن الواقع المعاش , لذا فقد وضع الشيوعيون , المطرقة والمنجل , كرمز لأدوات إنتاج العامل والفلاح , باعتبارهم أكثرية شغيلة هذه الأرض , وأبناء الطبقة التي (سترث) وتحقق العدالة للجميع .

– ونبقى في العراق والشرق وسنوات أواخر الأربعينات وضيق الحكومات العراقية الضعيفة والفاسدة , بالحزب الشيوعي , وما يمثله فهد ورفاقه من رموز تحرك الشارع , وتسبب المشاكل لسلطات لاتستطيع إدارة مجتمع متوازن يتحمل النقد ويتقبل التجديد , عندها يستوجب التخلص من هذه الرموز ,عسى حزبها يرتدع ويستكين , وتفقد الجماهير (الحلم) والأمل بمستقبل أفضل مما يعيشونه ويعانون الأمرين منه , ويعدم فهد ورفيقيه , ويضطرب العراق وتملأ السجون , ويحزن الناس , ولكن الحصيلة !! , هل انتهى وصمت الحزب وأفكاره ؟ , أم تكاثر وجدد وتجذر أكثر وزاد نفوذه !؟ , ذلك ما أثبتته السنوات اللاحقة ودخول حقبة الخمسينات , التي شهدت تنظيما ومدا شيوعيا يقود الكادحين والنقابات المهنية والعمالية , ويتغلغل في كل صوب , و ينتمي إليه رجال العلم والأدب والفن والثقافة من كل فئات وطبقات المجتمع .

– مات فهد صلبا متحديا , فهل نسته الجماهير التي شاهدت إعدامه , أم كافأت صبره ونضاله بمزيد من التقرب والانتماء لحزبه ؟ الخمسينات هي الحكم , والتتويج هو صبيحة 14 تموز 1958 وثورة عظيمة لم تحقق كامل أهدافها .

– نهاية الخمسينات شهدت دخول الإسلام السياسي على خط الحياة الحزبية العراقية , وبداية تشكيل تنظيمات الطوائف الدينية رافعة شعارات سياسية , ورغم أن بعضها معروف سابقا , كحركة الأخوان المسلمين الموصوفة كواجهة لسنة العراق , ثم حزب الدعوة وأول ظهور للمرحوم آية الله محمد باقر الصدر , وما تلا ذلك من تداول لارائة ومؤلفاته , في قضايا الحكم والدولة والاقتصاد , كوجهة نظر شيعية , وهكذا أصبحت في الساحة العراقية أحزاب دينية لها بعد سياسي , ولكن غير منغمسة في الجدل والتنافس إلى درجة الاحتراب الذي ميز الأحزاب العلمانية لفترة ستينات القرن الماضي .

– واجه الحزب الشيوعي العراقي قدره الحقيقي , أوائل الستينات العصيبة تلك وما تلاها , فهو الأقوى والأكثر جماهيرية وخبرة تفترض به أن يكون الأقدر على المشاركة الفاعلة أو استلام سلطة حرمت عليه , لان التيار الوطني الاستقلالي هو الحاكم وعليه واجب إسناده ! , وبعد الصعود و اكتساح كامل للشارع الشعبي وانتخابات الهيئات النقابية والمهنية قبل وبعد ثورة 14 تموز 58 , إلى النزول و انكماش متواصل في أواخرها , بعد أن فقدت كوادره وتنظيماته الجزء الأكبر من تواصلها مع النبض الشعبي , وبقي الحزب قيادة وأعضاء يعاني الأمرين من التوجيه الخارجي والداخلي المرتبط به ليبقى في ظل عبد الكريم قاسم ومن حوله , والتأجيل المتكرر لقضية بناء دولة مؤسساتية لها سلطات منتخبة يستطيع الحزب الشيوعي من خلالها ترجمة شعبيته إلى كم برلماني , ومشاركة شرعية بالسلطة هو مؤهل لها تماما , لكن الردة السلبية ستأتي لاحقا كنتيجة منطقية للتأخر في شرعنه الثورة وبقائها ضمن خانة الانقلاب العسكري الذي سيفرخ أشباهه , مادامت الباب قد فتحت للمغامرة وكل راغب بالسلطة , وظل الحزب مراوحا تتحكم بقراره طبيعته الرافضة للقوة والعنف المجرد , وغير الراغبة باستعمال السلاح إلا للدفاع عن النفس , ناهيك بتسخيره للاستيلاء على السلطة , مادامت فلسفته هي المحبة والسلام , التي أتت نتيجتها الكارثية , انكشافه وأعضائه وجماهيره اعزلا في مواجهة قوى انقلاب 8 شباط 63 , وإعلانها حرب إبادة ببيان رسمي ضد الشيوعية قادة وكوادر وأنصار , بدء من الأمين العام , سلام عادل وغالبية رفاقه اللذين صمدوا للإعصار , ودفعوا حياتهم ثمنا لمبدأ ثبتوا عليه ولم يجر تنازل أو (براءة) أو هروب من مواجهة المصير .

– هي أحداث العام 1963 و (رمز) ضهر , وأضاء كالبدر المنير درب أجيال شيوعية قادمة , استلهمت رجولة سلام عادل , في مواجهة جلاديه , وما تداوله الناس نقلا عن السنة القتلة وهم يتنازعون ويقطعون لحم جسده , وخرج الحزب متجددا بعد حين , سالما معافى من تحت رماد حرب الإبادة , تسنده جماهيره التي تمثلت تضحيات القيادة , وداومت على الخط الشيوعي , ويعود الحزب في منتصف الستينات قائدا ومحركا لجبهة وطنية عريضة , من القوى الوطنية الرافضة للدكتاتورية والحكومات العسكرية , وكان (الرمز) سلام عادل أقوى في موته منه في حياته , ولم يتحدث احد عن هروب أو تهاون , أو استسلام وتقصير من القيادة بحق المبادئ وما ائتمنوا عليه (ثقة الشعب) ووراثة الدرب الطويل .

– ماسطرناه هو فعل الرموز الايجابي , فلابد إذن من سلبي يوازيه , ويعطينا شارات لواحد أو اثنان من أسباب انتكاسة الحركة الشيوعية العراقية , وتراجع قواها الذاتية واليسار عموما لمصلحة قوى قومية ودينية وطائفية , لعب (الرمز) دورا كبيرا في دفعها للأمام , إضافة لعوامل أخرى لسنا في وارد دخول تفاصيلها , بل بحثنا هو عن تأثير الرموز , ومن ستينات القرن الماضي فصاعدا , استمرت الغالبية من أكراد العراق في ربط أقدارها بالملا مصطفى البارزاني حيا كان أو ميتا , في حربه وسلمه مع سلطات بغداد المركزية , وننتقل للقضية الأخرى التي عنوانها اتساع التنظيمات الشيعية وبداية تبلور (رمز) السيد محمد باقر الصدر , ونشر آراءه ضمن كتابي , فلسفتنا , واقتصادنا , بشكل رئيسي , وتجمع أعداد كبيرة من المريدين من حوله , مما اثارانتباه وتحفز السلطات وأجهزتها لما اعتبرته خروجا من الجامع إلى الشارع , تحديا لنفوذها وسطوتها , وتلك قضية لنا عودة إليها .

– ماتبقى من حديث الرموز الشيوعية , يتحول بنا نحو الحزن والإحباط , فبدأ من الانقسام التنظيمي والانشقاق في صيف 1967 وظهور تيار القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي كمنافس وبديل للجنة المركزية للحزب , ومحاولة كل طرف إبراز عيوب الطرف الآخر ثم بزوغ نجم السيد عزيز الحاج ك (رمز) لتنظيم المواجهة والتحدي والكفاح المسلح , ربما غطت سمعته ولا زالت على (الرمز) الموعود للمد الغيفاري العراقي الشهيد خالد احمد زكي , وأسطورته الأقرب إلى الخيال والرومانسية الثورية التي تستحق الخلود والتقديس إن كان للشيوعيين (مقدس) لولا التعمية والإنكار وتغير الظروف , فعودته للعراق من لندن , وتركه مهنة الهندسة , ومجاورته كمستشار للبروفسور البريطاني برتراند رسل , وقناعته التامة بان التغيير يبدأ بالسلاح ومن أفقر وأكثر المناطق تخلفا داخل وطنه العراق , ويدفع حياته مبكرا ثمن معتقد أمن به ومات كشيوعي واقفا و(رمز ) مستحيل لازال وهاجا , ولكن ضمن أجواء المثقفين لا الجماهير الواسعة .

– النكسة أو النكبة الحقيقية جاءت بعد سنة تقريبا , اثر استلام حزب البعث السلطة مجددا في 17 تموز 1968 ليجد التحدي الاكبرعلى مستوى الشارع من كوادر القيادة المركزية , وتبدأ الاعتقالات والتصفيات وتطال (الرمز) المتبقي أي عزيز الحاج , فما الذي حصل وسبب أول انتكاسة أو هزيمة حقيقية للحركة الشيوعية في العراق , هل هو منهج القتل والاعتقالات التي تعود على التعامل معها الشيوعيون , أم الفضيحة التلفزيونية التي بطلها السيد عزيز الحاج , وظهوره مبديا الندم وإدلائه باعترافات وأحاديث , مثلما أرادها ومكيجها محمد سعيد الصحاف مدير تلفزيون بغداد آنذاك , مع انهيار كامل للحاج , ثم تعاون مخزي مع السيناريو الذي نصبه حزب البعث لشيوعي متساقط ذليل , يمكن أن يبرجز حياته ويدخل دنيا السعادة والامتيازات , وهكذا شاهدنا (رمز ) جديد , لندم الشيوعي الذي لم يتفهم تقدمية البعث , ومشروعه الثوري لبناء العراق الجديد !!, وهو دور لعبه السيد الحاج سنوات (كعبرة لمن اعتبر) , من باريس كممثل العراق لدى اليونسكو , رغم مايبدو علية اليوم من تخلص من الكابوس واسترداده لوعيه , ولكن (رمزه) السيئ ظل يتفاعل سلبا في نفوس الجماهير المتعاطفة بالفطرة مع الشيوعيين وتضحياتهم , فرمزهم اليوم تغير و ودمر الجزء الاكبرمن فاعلية تنظيم القيادة المركزية , بأضعاف مافعله القتل والاعتقال والتعذيب , رغم استمرار التنظيم لكن إلى ضعف وانكماش جماهيري , ربما لأول مرة في تاريخ حزب شيوعي عراقي , استقوت بما حصل الضفة الأخرى , ومن دون تخطيط أو قصد مسبق , والمعني هنا اللجنة المركزية للحزب , حيث عاد أليها الكثير ممن غادروا , كما ركزت أدبياتها على نجاح سياستها المهادنة تجاه العهد الجديد للبعث , فالمسألة علمية طبقية لا انتقامات متبادلة , وأكدت فشل تجربة العنف الثوري والكفاح المسلح , وفعلا فقد تحقق لسياستها الجديدة الكثير , واستعاد التنظيم , وكلمة شيوعي , جزئا كبيرا من الثقة المفقودة , ويتواصل مع جماهيره , ويسترجع التوازن المفقود ولكن إلى حين! , وندخل المتاهة الكبرى للانكماش ,كيف و لماذا ؟,ضياع شعبية اليسار والحركة الشيوعية بين أوساط الأجيال الفتية والشباب ! , خصوصا فترة نهاية العقد السبعيني وما تلاه , هل هو حزب البعث ونجاح ماخطط ونفذ ؟ أم قدرة الحركات والتنظيمات الدينية السنية والشيعية في الظهور كبديل ؟, الإجابات متعددة .

– ربما تكمن الفائدة في بعض الشرح لما حصل للتنظيم الشيوعي قيادة وقواعد , خلال سنوات أواخر سبعينات القرن الماضي بعد تهدم واضمحلال الجبهة الوطنية العتيدة المكونة أساسا من حزبا البعث والشيوعي , وقيام الأجهزة الأمنية بمحاصرة واستهداف (الشيوعي ) من الأطراف نحو المركز , ثم الصمت المطبق للقيادة في بغداد لما يدور في المحافظات , بعدها انتقال حملة الاعتقالات والقمع صوب بغداد , صاحبها (هجرة )متلاحقة للقيادات نحو الشمال , تاركة الكوادر المتوسطة والأنصار تواجه مصيرها ! دون أدنى صرخات نجدة و استغاثة أو اعتراض ؟!, سلم الرأس , واستوطن كردستان العراق والمنافي الأوربية , وشاهدت الجماهير الجسم الشيوعي تقطع أوصاله , ويتقافز الأعضاء والكوادر , كل بطريقته للخلاص من سيف لايرحم , وتوقيف وتحقيقات متتالية , وتوالى القمع والاختفاء والهرب , وصولا إلى الإعدامات بالجملة , وتفرغ الساحة العراقية , لأول مرة من تواجد فعلي لحزب فهد وسلام عادل , بعد (اعترافات ) عزيز الحاج , وهروب الجملة لقيادات اللجنة المركزية .

– خلت الساحة للآخرين , ليملؤا الفراغ , ويجري بعدها احتواء الأجيال الجديدة , الرافضة لعنف وسياسات حزب البعث السلطوية , ويبزغ نجم أبطال الحركات الدينية , ليصبحوا (الرموز) الجديدة , للجماهير الفقيرة والكادحة , وخاصة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي , فمن لحظة إعدام السيد محمد باقر الصدر في العام 1980 وهو النجم و(الرمز) في سماء المستضعفين , لأنه كان معهم ومات بينهم ,ولم يغادر, ثم تتحول الراية للمرحوم آية الله محمد صادق الصدر واغتياله المأساوي مع ولديه في العام 1999 , وما تلا ذلك من حوادث شغب وتقتيل , بزغ بعدها النجم و(الرمز) الجديد , الذي لم يغادر أيضا ولم ( يعترف ) أو يصمت أو يهادن , ومات بين مريديه وأنصاره , .

– شكلت هذه الحوادث مجتمعة , مع عناصر عديدة أخرى لا مجال لذكرها هنا , ضعفا تاريخيا وانتكاسة لقواعد الشيوعية واليسار بين الجماهير لمصلحة التيارات الدينية والقومية والطائفية , وتختفي رموز وتتوهج رموز أخرى , ولكن اليسار حاجة , اجتماعية متجددة , وليست موضة وتنتهي في حينها , فهل سيتدارس الأقطاب , أسباب التراجع ؟ , التي من بينها حتما ضمور أي رمز حالي يثير حماسة الجماهير , ويستعيد الثقة الشعبية التاريخية الضائعة ؟ , وقد يتساءل البعض عن سبب انقطاع الصلة إلا فيما ندر بالرموز القديمة , ومحاولة إعادة هيبتها للساحة ! , وشرح أمجادها للأجيال الجديدة , كما يفعل الآخرون , بواسطة الملصق والصورة والسي دي , وإحياء ذكرى الولادة أو الوفاة , هل من الصعوبة أن تطبع وتوزع وتلصق الآلاف من صور فهد وسلام عادل , لتذكير من نسى أو لايعلم بمآثر شهداء الحرية والعدالة الاجتماعية , مادامت هذه الوصفة تنجح وتؤتي ثمارها , كما نشاهد تكرار الطبع لملايين الصور ل(رموز) التيار الديني , من قبل جميع تنظيمات الإسلام السياسي , حتى تداخلت الخنادق بينهم في درجة القرب من هذا الرمز أو ذاك , ولكنهم يدركون ولا شك مقدار تأثيرها الشعبي , كبديل ناجح على مايبدو , لطرح البرامج الاقتصادية والاجتماعية التي برع فيها اليسار , وحتى اليمين في الدول التي ينتظر فيها الناخب البرنامج لا الشخص , وتعتمد الاختلافات في طرح المشاكل ومعالجاتها , لا تسطير النعرات الطائفية والمذهبية والقومية كوسائل لاجتذاب الناخبين .

– أخيرا , هل يحتاج اليسار لاستعمال لغة الرموز ؟ تقربا من سيكولوجية الجماهير , أم ستخلق رموز في حينها تضاف للقديمة متى ما اقترب اليسار نفسه من النبض الشعبي واحتوى تطلعاته , ليخرج من التهميش الحالي , ويسترجع دوره ومكانته كقوة لم تغادر , وقادرة على الفعل الطبقي لاسترجاع وعي الكادحين والفئات الدنيا المشتت حاليا والمنقسم إلى درجة الاحتراب , انطلاقا من مقولة تحقيق العدالة الاجتماعية ورفع المستوى المعيشي للكثرة الغالبة من أبناء المجتمع .