الرئيسية » مقالات » الحريري في بغداد

الحريري في بغداد

سعد الحريري رئيس كتلة تيار المستقبل في برلمان لبنان في بغداد، وهو مؤشر آخر جديد على نجاح الدبلوماسية العراقية في خطواتها الاخيرة .. حيث جاءت اهمية هذه الزيارة، لا لانها من برلماني عربي يرأس كتلة كبيرة، بل لانها رسالة مهمة من دولة لبنان بعمقها السعودي المضاد لتيار التشيّع الآخذ بالاتساع والسيطرة على المشهد السياسي الدولي عموماً والعربي خصوصاً، الى النظام السياسي الجديد في العراق.

زيارة الحريري الى بغداد وبالاخص رؤيته السيد السيستاني في النجف الاشرف، تأتي حسب تصوّري في اطار التقرّب للقوى الدينية والسياسية الشيعية في العراق، وايصال رسائل مفادها بان تيار المستقبل في لبنان، لا يعادي التشيّع مفهوماً وعقيدة، بل هو صراع سياسي داخلي مع حزب الله والقوى الحليفة له، وان لبنان على ما فيها من تعثر سياسي، مُنفتحة على التجربة العراقية، وليست لديها عقدة من التغيير الذي حصل في العراق، كأغلب الدول العربية الاخرى.

الاهمية الثانية التي تكتنفها الزيارة، هو البعد الاقتصادي والدور الاستثماري الذي يمكن ان تلعبه لبنان في عمليات اعادة اعمار العراق، من خلال شركات لبنان الاستثمارية، بما فيها مجموعة الحريري للبناء والمقاولات، وهي احدى الشركات الاقليمية الضخمة التي لديها عقود تجارية في بعض البلدان العربية.
ولعل ما اعلنه امين بغداد مؤخراً من ان مجموعة شركات سعد الحريري دخلت حيّز المنافسة القوية مع ثلاث شركات اخرى، كندية وسعودية واماراتية، في الحصول على عقد بناء 64 الف وحدة سكنية، فضلاً عن مدينة رياضية واخرى طبية ضخمة، على اراضي معسكر الرشيد في بغداد، كانت هي الاخرى سبباً وجيهاً لتحفيز الحريري لزيارة بغداد، وبيان الاستحقاقية لنيل هذه العقود، كونها ستذهب لمن هو يدعم النظام السياسي الجديد، وسبق كل قادة العرب بزيارته بغداد.

الامر المهم الآخر الذي يمكن استخلاصه من هذه الزيارة، هو ان المحور السعودي ومن خلال الحريري، بدأ يغازل السياسي العراقي لكسب ودّه، وكسر الطوق السوري المفروض على كتلة المستقبل خارجياً، فالعلاقات العراقية السورية، ما زالت تترنّح بسبب جملة من القضايا المعلقة، يقف في مقدّمتها موضوع دعم المسلحين العرب الى داخل العراق، ومما لا شك فيه، ان تقوية العلاقات بين بغداد وكتلة الحريري ومن ورائها السعودية، سيكون عامل ضغط جديد على السياسة الخارجية السورية التي تمثل الطرف المعارض لجبهة (الاعتدال) العربي الداعمة لتيار المستقبل .. وهذا ما يمكن وصفه بالاداء السياسي الناجح للحكومة العراقية في كسب احد اكبر الدول العربية الداعمة للارهاب في العراق، وهي المملكة العربية السعودية والتي تمثل مع العربية السورية – رغم الخلافات الشاسعة بينهما – ابرز المناهضين لقيام دولة العراق الجديد وارساء نظامها الديمقراطي.

واياً كانت اسباب هذه الزيارة، التي اختلطت فيها السياسة مع التجارة، فهي بحق خطوة جريئة من سياسي شاب تغلّب على اقرانه، بالاخص مَن الغوا زيارتهم لبغداد مؤخراً خوفاً على حياتهم وامنهم، في اتخاذ المواقف الجريئة على صعيد العلاقات الخارجية مع العراق.