الرئيسية » الملف الشهري » مجزرة قصر الرحاب صورة للعراق عبر التاريخ(3)

مجزرة قصر الرحاب صورة للعراق عبر التاريخ(3)

قد يحار الباحث في أسباب البكاء والعويل الذي يتبناه القرداغى في نواحه على من لاقى حتفه من العائلة المالكة ،هل أن نواحه هذا يعيد من في القبور أم يرسم لهم صورة زاهية مكللة بالورود ،أن العامل في الحقل السياسي عليه أن يضع الموت والسجن نصب عينيه، وأن لا يترك خلفه نادبة تذرف الدموع،فتاريخ العالم جميعه زاخر بآلاف القضايا المشابهة لهذه القضية وربما أكثر منها مأساوية،فلماذا يبكي القرداغي مصير هذه العائلة ويتوجع لحياتها ويتناسى العوائل التي لاقت من عنت الحكم الملكي ما لاقت،هل لأن الملوك من طينة غير طينة البشر حتى نتباكى على مصائرهم فيما نتناسى مآسي الآخرين،لماذا لم يبك القرداغي على مجزرة سجن الكوت عندما قامت السلطة الملكية الباغية بقتل السجناء وإعدام من تبقى منهم،هل أن هؤلاء ارتكبوا جرائم تبيح لحكومة العهد الملكي إعدامهم،هل أن ديمقراطية عهدك الملكي لم تتسع لهؤلاء السياسيين فملأت بهم السجون والمعتقلات،أن الذي يلعب عليه أن يتوقع الربح والخسارة،والمقامر عليه أن يتوقع الغنى أو الإفلاس أما أن يأتي فلان أو علان لتجميل صورة هذا أو ذاك فليس العهد الملكي قابل للتزويق والتجميل وجرائمه الكثيرة تبيح للمنتصر اتخاذ ما يراه من أجراء لمحاسبة المجرمين ولعل من أخطاء ثوار تموز أبقائهم على رجالات العهد الملكي لينشروا السموم ويذيعوا الأراجيف ويتعاونون مع الأغراب لإسقاط الثورة والإجهاز عليها ،وكان على قادة الثورة لو كانوا ثوريين حقا،لقطفوا الكثير من الرؤوس العفنة التي حان قطافها حتى يمهدوا الأرض لبناء دولة عراقية وطنية،ولكن التراجع والتخاذل كان وراء أبقاء الرؤوس العفنة لتعاود الكرة من جديد وتقوم بانقلاباتها المتوالية ليكون مسلسل القتل والدمار باقيا إلى ما لا نهاية.

ويؤكد القرداغي على تحميل الثورة مسئولية قتل الثلاثة،وأن هناك أتفاق مسبق بين الضباط الأحرار على قتل هؤلاء مستندا في ذلك لأقوال بعض الضباط الذين يحاولون بيان معرفتهم للأحداث ومشاركتهم فيها رغم أن الكثير من هؤلاء لا يعلمون بموعد الثورة أو ساعة الصفر ،وأن العارفين بها بعض كبار الضباط ومن كان لهم شرف الإسهام والتحرك وإشعال فتيل الثورة،وكان البعض من الضباط قد سمعوا البيان الأول لينطلقوا إلى وحداتهم للمشاركة في الثورة لعدم معرفتهم بتوقيتها،وهؤلاء أصبحوا في غفلة من الزمان هم المخططين والمنفذين رغم أنهم لا يعلمون بما يجري بين كبار الضباط من مفاوضات بل يجهلون كثير من الخطط التفصيلية عنها،وعندما يعوزه الدليل يعزوا نقله إلى أحد المصادر(كما أكدت بعض المصادر بأن قاسم كلف حسين جميل في تموز1957 بالاتصال بعبد الناصر وإبلاغه بأن الثورة المقبلة في العراق ستتم بقتل الملك والوصي ونوري السعيد أو ما إصطلح على تسميتهم بالثلاثة الكبار وقد حضي قاسم بموقفه هذا بتأييد عارف الذي عَدّ تصفيتهم أساس نجاح الثورة والذي تشير جميع الروايات إلى أنه كان من أشد المتحمسين لقتل ليس فقط الثلاثة الكبار بل وجميع أفراد العائلة المالكة(وهذه زيادة من القرداغي) فقد ذكر رجب عبد المجيد أن عارف كان يدعوا لقتل الثلاثة الكبار ومما قاله بهذا الصدد ‘ نقطع رأس ونموت خبر ‘ ومما يؤكد ذلك قصة الحوار الذي جرى بينه وبين زوجته عند عودته إلى داره في اليوم الثاني للانقلاب والتي استقبلته قائلة ‘ لماذا قتلتم الملك؟ أما تخافون الله؟ ‘ فأجابها عبد السلام ‘ إذا لم تقطع الأفعى من رأسها فلن تموت ‘(ولم يذكر لنا مصدر الخبر وهل كان هو مع العائلة أم سمه من مصادره السرية) أما ناجي طالب فقد علق على مقتل العائلة المالكة بالقول ‘ حسناً فعلوا بأن قتلوهم بدل أن يعودوا ثانية كما في 1941 ‘ وهي كلها دلائل تشير وتؤكد بأن نية قتل العائلة المالكة كانت موجودة وبأن قرار قتلهم كان مُبيّتاً في نفوس الضباط الانقلابيين اللاأحرار قبل تنفيذ الهجوم على القصر وبأن الأوامر كانت قد صدرت من قبل قيادة الحركة لبعض الضباط المندفعين فيها ومن ضمنهم العبوسي بقتل العائلة المالكة وإبادتها عن بكرة أبيها وعدم السماح بخروج أي فرد منها حياً يرزق وبالتالي فمحاولة إظهارهم كحمامات سلام وطيور جنة وما يُشاع عن عدم نيتهم قتل العائلة المالكة وبأن ما حدث كان غير مُدبّر وغير مقصود هو كلام عار عن الصحة وباطل ألبس بحَق.)

ويظهر لنا من هذا النص الطويل أن هناك أتفاق بين الضباط الأحرار على إعدام الثلاثة وليس العائلة المالكة كما يحاول أن يصوره القرداغي،ولكن لماذا قتل بعض أفرادها،هل كان هناك تخطيط مسبق لم نجد في كل ما أورده القرداغي ما يشير إلى وجود رأي على النية المسبقة لقتل العائلة بل كل الأمور تشير إلى العزم على قتل نوري والوصي لأسباب كثيرة في مقدمتها أن بقاء هذين أحياء يعني فشل الثورة لأن الغرب لا يتخلى عن ولائه وربما تعاد مأساة مايس مرة ثانية،والسبب الثاني قيام هذين بقتل الضباط وإعدامهم،مما يعني أن القاتل عليه أن يدفع ثمن جريمته،وهذا أقل شيء يقره القانون،وإذا كان السيد القرداغي يعطي للسعيد وعبد الإله الحق بإعدام الآخرين عليه الإقرار بأحقية الطرف الثاني في أداء ذات الممارسة،وإذا كان يتحجج بشرعية النظام الملكي فالشرعية يمنحها الشعب لا القوات المحتلة والنظام الملكي لم ينتخب من قبل العراقيين ويفتقر لأبسط الممارسات الديمقراطية وبذلك فقد قتلوا بالسيوف التي صنعوها بأنفسهم وبشر الظالمين.

وعلى عادته في أيراد الروايات دون التعويل على مصدر يأتي لنا برواية طويلة عريضة تصلح أن تكون قصة بوليسية لما فيها من حبكة (هنالك روايات وشهادات عديدة أخرى تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك وجود نية مبيتة كانت لدى الانقلابيين لتصفية العائلة المالكة كما تدل وتؤكد في نفس الوقت بأن العائلة المالكة كانت قد قررت يومها الاستسلام ولم يكن بنيتها المقاومة إطلاقاً.. منها على سبيل المثال ما ذكره عبد الستار العبوسي نفسه من أنه قد أطلق النار على العائلة المالكة بعد أن تذكر أحداث حركة مايس1941 وما لاقاه الضباط حينها من إعدام وتنكيل فأراد أن لا تتكرر المأساة مرة أخرى ويعود عبد الإله لشنق ضباط الثورة.. كما ذكر بعض شهود العيان الذين شهدوا المجزرة أن عبد الستار العبوسي فور وصوله إلى المكان أطلق ثلاث قنابل بازوكا من المدفع عيار 106 ملم الذي جلبه معه باتجاه القصر وقد تصاعد الدخان بالطابق العلوي للقصر واهتزت المنطقة لقوة الانفجار وتصاعدت ألسن النيران من النوافذ التي تحطم زجاجها ومن الشرفة المطلة على الحديقة الأمامية بعدها قام العبوسي بالاتصال بعارف في دار الإذاعة حيث تلقى منه تعليمات لتنفيذ مهمة خاصة ليس من المستبعد أنها كانت مهمة تصفية العائلة المالكة بدليل أن العبوسي توجه بعد تنفيذ جريمته النكراء إلى دار الإذاعة ودخل على عارف مسرعاً وهو يقول له ‘ قتلتهم قتلتهم كلهم ‘.. فيما وصف النقيب سامي مجيد مصرع عبد الإله قائلاً ‘ ما إن اجتزنا نهاية حافة الحديقة ومشينا خطواتنا الأولى إلا وصوت صليه يشق ستار الصمت فالتفت نحو مصدرها فوجدتها صادرة من غدارة النقيب عبد الستار العبوسي الموجهة للمجموعة حيث عبد الإله وإذا بالصف الأمامي يتهاوي على الأرض وجسد الأمير يتقلص أثناء سقوطه المتباطئ علي ظهره وهو يصدر صيحة ألم طويلة وما إن فرغ مخزن غدارة العبوسي الذي يحوي 30 طلقة حتى ملأها بمخزن جديد ووجهها نحو جسد الأمير الساقط على الأرض ورشه بالمخزن الثاني صليه واحدة’.. كما تشير روايات أخرى الى إن الملك فيصل الثاني وعند خروجه من القصر سرعان ما رفع يده بالتحية العسكرية للضباط الموجودين أمامه مع ابتسامة رقيقة تعلو شفتيه وبأنه عندما كان يرقد بالمستشفى جريحاً بعد نقله إليها زاره كل من قاسم وعارف حيث قال لعبد الكريم قاسم ‘ كرومي ماذا فعلت لك لتفعل بي وبعائلتي هكذا؟ ‘ وقبل أن يغادر الاثنان رجع عارف إلى حيث يرقد الملك على فراش الموت وأطلق عليه النار وأرداه قتيلاً..).

ويصر على اعتبار الأمر جريمة متناسيا أن الثورات الشعبية تحدث فيها الكثير من القضايا الآنية التي ربما لم تكن من تخطيط الثوار،أو أهدافهم ،فأن نهب المنزل الملكي من ذات القوات التي كانت معدة لحماية الأسرة المالكة،وان القائمين بالنهب هم تربية الأسرة المالكة ونتاج غرسها،ولكنه يرمي بكل الأمور على عاتق الثوار الذين لم يكن في حسبانهم الكثير مما حدث،بل أن أصابع أيتام العهد الملكي كانت وراء الكثير من الممارسات السلبية وهذا الأمر يعرفه من أوتي شيئا بالعقلية الاستعمارية التي تحاول تشويه الثورات الوطنية بافتعال النهب والسلب والقتل والدليل الواضح ما قامت به قوات الاحتلال الأمريكي عندما سمحت للناس بحرق وسرقة أملاك الدولة ومؤسساتها،وهذا الأمر لا يجهله القرداغي ولكنه يحاول ما وسعه الجهد إلصاق كل شيء بأسم الثورة للإساءة إليها وتشويه صورتها مر لا يعلمه سوى القرداغي الذي يخدم من خلال أطروحاته جهات أخرى تحاول النيل من كل ما هو وطني شريف،وإلا كيف له أن يقف هذا الموقف المعادي لتطلعات شعبه فقد وقف الشعب بقضه وقضيضه إلى جانب الثورة ولم يقف إلى جانبها إلا أحادا أضر بهم التغيير الجديد وضربت مصالحهم في الصميم ،أما التبرير لما جرى صبيحة الثورة أو الدفاع عنها فليس للسيد قرداغي أن يمنع الناس التعبير عن أرائهم ،فالحق إلي يمتلكه بالتهجم على الثوار للثوار أن يردوا عليه بأسلوبه ذاته،ولهم أن يصفوا هذا العمل بالبطولي في الوقت الذي يجعل من هزيمته ملكيته عملا بطوليا خالدا في التاريخ، ويتساءل السيد قرداغي(وهل قتل أناس عُزّل أبرياء بطولة وتدمير لمرتكزات النظام الملكي؟) متناسيا أن نظامه الملكي الشرير أرتكب المجازر الكثيرة وكان وراء إبادة الأرمن والأكراد والفلاحين الذين ثاروا في الوسط والجنوب ضد تعنته وغروره،فهل يباح للملكيين ما لا يباح للجمهوريين،و أحيل هؤلاء لمحكمة فهل يتصور القرداغي أنهم سيمنحون العفو،لقد قتلوا جراء جرائمهم الكثيرة وهذا جزاء وفاقا لكل الخونة الذين باعوا وطنهم للأجانب،وكبلوه بالاتفاقيات الجائرة،وأن زمن الملوك قد ولى وهذا زمن الشعوب ولكن القرداغي ومن لف لفه لا زالوا يعيشون بالأوهام والأحلام ولن توقظهم التغييرات التي حصلت في العالم ويحاولون أعادة عقارب الساعة إلى الوراء وأني لهم ذلك فالقدرات الشعبية ستقف عائقا بوجه المخططين لإعادة الأنظمة البائدة التي لفظها التاريخ.