الرئيسية » مقالات » ثقافة الاستثمار..والمليارات البائرة؟!

ثقافة الاستثمار..والمليارات البائرة؟!

في زيارته للإمارات العربية المتحدة – كما عرضت جوانب منها قناة العراقية- التقى السيد نوري المالكي بعدد من رجال الأعمال في أبو ظبي..وقدم مع وزرائه ورئيس هيئة الاستثمار شرحا لقانون الاستثمار العراقي (الجديد)..
وبعد انتهاء كلمات الوفد..
طلب احد رجال الأعمال الإماراتيين الكلمة..
وبتهذيب وتواضع ..تحدث عن:
(بلاغة العراقيين التي لا تضاهى..) وعن الأسلوب الشعري الذي شرح فيه رئيس هيئة الاستثمار قانون الاستثمار (..لقد ألقى الدكتور احمد رضا قصيدة علينا..عند شرحه لقانون الاستثمار)..
واستدرك المتحدث:
نحن رجال الأعمال لا نحسن بلاغة الكلام..
لكننا نحسن لغة الأرقام..!
ثم أضاف:
نحن نسأل عن الضمانات التي تُقدم للمستثمر..
فالأنظمة العربية والمسؤولون العرب عودونا على – الوعود السخية- لكننا عندما نذهب إلى تلك البلدان نصطدم بواقع شائك ومريب، وإهمال شديد لنا – وتفضيل للأجنبي علينا – من قبل الإدارات والأجهزة الحكومية هناك!..
فأجابه السيد رئيس الوُزراء ومعه رئيس هيئة الاستثمار بان:
أبوابنا مفتوحة..وهذا وطنكم الثاني ..وستجدون جميع التسهيلات التي يضمنها (الدستور) و(قانون الاستثمار) و(تعهداتنا الشخصية)!..
ولم نسمع تعقيبا أو تعليقا من رجال الأعمال..
بل لا ذو بالصمت!
وهنا لا نريد أن نتساءل..
لان رجل الأعمال الإماراتي كان (بليغا) في تحديد احتياجاته كمستثمر..عندما أفصح عن مخاوف رجال الأعمال من – الوعود السخية !- وغير المحددة بإجراءات وهياكل وإدارات واضحة، ليس لأسباب أخلاقية واعتبارية ومعنوية،وإنما لأسباب إدارية تطبيقية وواقعية تكلف رجال الأعمال خسارة الملايين من الدولارات.
فرجل الأعمال الإماراتي..كان يعكس هواجس جميع رجال الأعمال ومخاوفهم..ليس من الأوضاع الأمنية غير المستقرة في العديد من المناطق.. فحسب – كما يعتقد البعض – بل من :
• غياب الإدارات الحكومية الكفوءة والنزيهة.
• غياب الإجراءات الموثقة والمبسطة والواضحة والشفافة والسريعة في الإدارات الحكومية ذات العلاقة.
• غياب المنهجيات المالية الدقيقة والواضحة والمبسطة والسريعة.
• التدخل المباشر من قبل أجهزة الدولة بنشاط الشركات المستثمرة.
• التعقيدات الأمنية الغامضة وغير المبررة التي تعيق انسيابية عمل الشركات والعاملين فيها.
ولم أكن بعيدا عن ذلك الاجتماع ورجال الأعمال الذين شاركوا فيه..
مما دفعني لمتابعة تلك الاستفهامات في الإعلام العراقي..
وخلال الأيام القليلة التي أعقبت ذلك الاجتماع..
شاهدنا لقاءات مع أعضاء من هيئات الاستثمار في عدد من المحافظات (البصرة.ميسان.ذي قار.النجف.بابل.القادسية..)..
وجميعهم كانوا حريصين على دعوة المستثمرين للقدوم والعمل في محافظاتهم..الحافية والعارية!
وكان الصحفيون المحليون..في كل مرة يسألون عن الاستثمار..
ورغم تعدد تلك الأسئلة وتنوعها..تكون الأجوبة:
أبوابنا مفتوحة..وانتم ستكونون بين أهلكم وذويكم..وقانون الاستثمار يضمن جميع حقوق المستثمر!..
لكن ..
لم نسمع من هؤلاء الإخوة المنتخبين كأعضاء في هيئات الاستثمار واحدا منهم يجيب على احد السؤالين الأساسيين اللذين يطرحان بإلحاح في مجالس المستثمرين ( العراقيين والعرب والأجانب):
• ما لذي نريده ( نحن المسؤولون العراقيون ) من المستثمر، من التزامات قانونية، وإدارية، ومالية، وأمنية، واقتصادية، وبيئية، وصحية..لكي يستكمل مشاريعه دون الإخلال بأي من تلك الالتزامات؟
• وما لذي يجب أن يتوفر للمستثمر لكي ينجح في الإيفاء بالتزاماته تجاه الغير (أي تجاه الحكومة والشعب العراقي)، ويجني – في نفس الوقت – ثمار استثماره؟
• ومن الذي يضمن له حماية أمواله من – الأعاصير – الداخلية والخارجية ,,في بلد ما زال القانون هَشّاً فيه!
إن السبب الجوهري لـ، – ركاكة – أجوبتنا على المستثمرين هو سبب فكري وإداري وتاريخي!..
ويمكن اختصاره بـ:
غياب ” ثقافة الاستثمار” في الإدارة العراقية..الموروثة والقائمة!..
فالمستثمر في ثقافة “الإدارة الحكومية الشمولية”:
لص يستهدف نهب ثرواتنا!
وفي ثقافة “إدارة دولة المحاصصة والطوائف والأعراق”:
غنيمة لا حول لها ولا قوة..ينهشها المرتشون واللصوص من كل جانب!..
ولهذا..
فان “الاستثمار” لا ينبت إلا في ارض خالية من الشوائب والألغام..وهذه الأرض لن تكون إلا في ( دولة القانون )..دولة الوطن والمواطن..
فالاستثمار في اللغة :
استخراج الثمار..
والثمار الغنية لا تستخرج إلا بتوفر:
1. قوة العمل المؤهلة.
2. والرأسمال النظيف.
3. والتقنيات الحديثة.
4. والإدارة الكفوءة والنزيهة.
ولكي لا نذهب بعيدا في التوصيف والتحليل..ونعود إلى المعالجة.. من اجل إقامة ( بنية أساسية ) لتحقيق سياسة استثمارية تستجيب لاحتياجات الوطن والمواطن..وتوفر بيئة جاذبة للمستثمرين .. نقترح ما يلي:
• تشكيل فريق عمل حكومي تنفيذي ( إدارة حكومية ) يضم ممثلين مختصين عن جميع الوزارات والإدارات الحكومية التي تقدم خدماتها للمستثمرين،باسم (إدارة خدمات المستثمرين).
• يكون موظفو” إدارة خدمات المستثمرين ” مرتبطين مباشرة باللجنة الاقتصادية لمجلس الوزراء وهيئة الاستثمار الوطنية.
• تشكيل ” إدارات لخدمات المستثمرين ” مماثلة في جميع المحافظات..وتكون مرتبطة بالمجالس المحلية وبإشراف مباشر من اللجنة الاقتصادية بمجلس الوزراء وهيئة الاستثمار الوطنية.
• أن يدرك موظفو” إدارة خدمات المستثمرين ” ومن فوقهم أو دونهم ..بان معيار نجاحهم يحدده (رضا المستثمرين عن أدائهم) وليس أي معيار آخر.
• تقدم ” إدارة خدمات المستثمرين ” خدماتها في مبنى مستقل واحد متكامل الخدمات..تحت اسم (إدارة خدمات المستثمرين) في العاصمة ، وله فرع في كل محافظة (إدارة خدمات المستثمرين في محافظة……) على أن يحتوي ذلك المبنى على:
1. فندق لإقامة المستثمرين وضيوفهم وممثليهم .
2. (إدارة خدمات المستثمرين) الإدارة الحكومية.
3. مركز للخدمات الالكترونية لرجال الإعمال.
4. قاعة للاجتماعات ولعروض المشاريع، والمؤتمرات والمعارض التجارية والاقتصادية.
5. مركز للخدمات المصرفية.
6. مركز لخدمات الاتصالات الدولية.
يمكن إجراء مسابقة عالمية ومناقصة – في اقرب وقت -( بين شركات المقاولات والاستشاريين العراقيين والعرب والدوليين) لتصميم وتنفيذ هذا المبنى (إدارة خدمات المستثمرين) في جميع المحافظات ، كنقطة انطلاق لعملية استثمار منهجية طويلة الأمد ، ويمكن إخضاعها – من خلال ذلك – للسيطرة والرقابة التي تؤمن لها النزاهة والكفاءة وجودة النتائج.
• يجري اختيار موظفي ” إدارة خدمات المستثمرين ” من المختصين وذوو الكفاءة ، والنزاهة، والصلاحيات الكفيلة بعدم تأخير الإجراءات أو إعاقتها، أو – إحالتها إلى الجهات المختصة – إلى اجل غير مسمى!!.
• إطلاق ” موقع الكتروني لخدمات المستثمرين ” يتضمن:
1. نظام الكتروني ، لتلك الخدمات ، بحيث يكون بإمكان المستثمر البدء بمعاملته ومتابعتها – الكترونيا – من أي مكان في العالم ، مع بيان الإجراءات والخطوات الشفافة ، وحسب توقيتاتها المحددة في نظام الإجراءات الالكتروني ، على أن يحصل المستثمر على الأجوبة مباشرة عبر بريده الالكتروني على كافة الاستفسارات، بما فيها مواعيد المقابلات ، والاجتماع ، وفض العقود ، ونتائج فض العقود..وغيرها.
2. تعلن نتائج إرساء العقود على المستثمرين مع بيان الأسباب التي توفرت لكسب هذا المستثمر أو ذاك للعقد، على الموقع الالكتروني.
3. توفير خدمات الدفع والتوقيع الالكتروني للمستثمرين.
• إعادة هندسة الإجراءات الخاصة بمعاملات المستثمرين وفق تجارب الدول المتقدمة التي تضمن (الدقة والسرعة وتقليل التكاليف والجهود وتحقيق أفضل النتائج).
إن هدف المستثمرين عند تشغيل اموالهم في مشاريع داخل بلدانهم او خارجها ..هو:
تحقيق نتائج لاستثماراتهم تتمثل في..
• تحقيق الإرباح المجزية.
• انجاز المشاريع الناجحة التي تكسبهم عقودا لمشاريع جديدة.
وليس كما هي حال (مليارات الدولارات البائرة) التي تخصص للميزانية العراقية كل عام..
• وتعود أدراجها إلى الخزينة.
• أو تتبدد بين يد الفاسدين والمفسدين..
• أو تذهب إلى تجار الحروب كتعويضات
• أو تستنزف لابتزاز الإرهاب والميليشيات
• أو لتقوية اقتصاديات الدول المجاورة بشراء المنتجات التي يمكن ان تنتج وطنيا..
وسيتهمنا البعض بالجحود..لأننا لم نكتشف الانجازات الكبيرة التي تحققت وتتحقق في ميادين كثيرة!
لكننا..
لدينا البصيرة بما يكفي لرؤية الجهود الخيرة التي تبذل في شتى الميادين..ونعتز بالقائمين بها..
ولكن..
بحساب الاستثمار..فان العائد من توظيف الأموال يجب أن يكون أعلى من تلك الأموال المستثمرة..
وبهذا سنكتشف كم هي ملياراتنا الحكومية بائرة..إذا وضعنا تلك المليارات التي صرفت أو استنزفت خلال السنوات الخمس الماضية ..
ولا نريد أن نفتح جرح الوطن الذي امتد لأكثر من ثلاثة عقود وخلف لنا:
• 830 مليار دولار من الديون..
• منها 450 مليار خسائر الحرب العراقية الإيرانية ..
• و230 خسائر غزو الكويت..
• 150 دولار خسائر عائدات النفط غير المتحققة بسبب العقوبات الاقتصادية والحصار على العراق)..
وبعد توفر عائدات النفط بمئات مليارات الدولارات بعد الغزو وسقوط الدكتاتورية..
وتخصيص الميزانيات الكبيرة بعشرات المليارات..
وإطفاء (ديون بمليارات الدولارات)..خلال السنوات الخمس الأخيرة مازلنا نعاني من:
• تفشي البطالة في عموم الوطن.
• نقص الخدمات الصحية بكل فروعها واختصاصاتها.
• نقص الكهرباء بشكل مروع وانعدامها في أجزاء واسعة من العراق.
• نقص المياه الصالحة للشرب في المدن الكبيرة وانعدامها في المدن الصغيرة والقرى والأرياف.
• نقص الخدمات التعليمية حتى في العاصمة في وقت كانت فيه المؤسسات التعليمية في العراق – نموذجا يحتذى به – في شموليته ومناهجه ومجانيته وحداثته في الشرق الأوسط والبلدان العربية.
• نقص المساكن إلى الحد الذي جعل معالجة هذه الأزمة من قبل الدولة أمرا مستحيلا..إذا لم تجرِ الاستعانة بالقطاع الخاص والفردي للخروج من هذه الأزمة المتفاقمة.
• ضعف شبكة طرق المواصلات البرية والبحرية والجوية..وانهيار بنيتها الأساسية وآلياتها.
• تدني القطاع الصناعي، تقنيا وإنتاجيا وخدميا وعلميا.
• تدني القطاع الزراعي والحيواني، وانهيار بنيته الميكانيكية وانخفاض إنتاجيته وتردي نوعية الإنتاج.
• انهيار شبكة الري والمبازل واتساع الرقعة المالحة على حساب الأراضي الخصبة.
• تردي القطاع التجاري وهامشيته أمام تعاظم الشركات التجارية الإقليمية والدولية التي استحوذت على الأسواق المحلية..
• وغيرها..
إننا حقا بحاجة إلى “ثقافة الاستثمار” ليس من اجل جذب المستثمرين العراقيين والعرب والأجانب للعمل في بلادنا فحسب..
بل..
وقبل كل شيء ..
لكي نتعلم كيف نستثمر المليارات (البائرة) التي تخصص في الميزانية ( المتزايدة) كل عام..
ونجنبها الفساد والضياع والركود..
كي نرفع جزءا من الحيف والعسف التاريخي الذي لحق بالعراقيين وأفقرهم وجعلهم كما يقول الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتله الضما
والماء فوق ظهورها محمول!!

19/7/2008