الرئيسية » مقالات » ثورة الفن المعاصر و الفن المعاصر للثورة ( 2 )

ثورة الفن المعاصر و الفن المعاصر للثورة ( 2 )

تيموثي كلارك , كريستوفر غراي , دونالد نيكيلسون-سميث , مع تشارلز رادكليف و آخرون
( نص غير منشور , 1967 )

هذا النقد المتأثر بالموقفيين Situationist للفن المعاصر من قبل بعض الراديكاليين الانكليز في عام 1967 الذين كانوا يومها يشكلون الفرع البريطاني للأممية الموقفية .


تحويل الفقر و تحويل المشروع الثوري

أما من ذلك الوقت ( أي من سقوط السوريالية ) حتى الآن….لا شيء . لقرابة نصف قرن كرر الفن نفسه , كل تكرار كان أكثر ضعفا , و أكثر خواء من الذي سبقه . فقط اليوم , مع العلامات الأولى لثورة تتطور على نحو أعلى ضمن رأسمالية أعلى تطورا , يمكن للمشروع الراديكالي للفن المعاصر أن يستأنف من جديد و أن يتقدم على نحو أكثر إحكاما . لا يكفي للفن أن يسعى وراء تحققه في الممارسة , يجب على الممارسة أيضا أن تسعى وراء فنها . الفنانون البرجوازيون , و هم يتمردون على الحالة العادية المتوسطة لمجرد البقاء , الذي كان الشيء الوحيد الذي تستطيع طبقتهم أن تضمنه , كانوا دوما يمارسون لعبة المقاصد المتعارضة مع الحركة الثورية التقليدية . فيم كان الفنانون – من كيتز إلى الأخوة ماركس – يحاولون أن يخترعوا أكثر التجارب المحتملة غنى للحياة الغائبة للطبقة العاملة – على الأقل على مستوى نظريتهم وتنظيمهم الرسميين – التي كانت تناضل للبقاء ذاته الذي رفضه الفنانون . فقط الآن , مع دولة الرفاه , مع اقتراب كل البروليتاريا التدريجي من المقاييس “البرجوازية” حتى اليوم من الراحة و وقت الفراغ , أمكن للحركتين أن تتقاربا و أن تفقدا عدائهما التقليدي . كما في التعاقب الميكانيكي فقد حلت مصاعب البقاء المادي و كما أن الحياة , في تعاقب ميكانيكي مساوي , تصبح أكثر فأكثر قبحا , أصبحت أي ثورة بالضرورة هي ثورة ضد نوعية التجربة . يعرف المرء عددا قليلا جدا من الناس يموتون من الجوع . لكن كل منا يعرف أحدا ما يموت من الملل .
لكن الآن أصبح واضحا , بشكل مؤلم , لكل شخص – عدا اليسار الراديكالي الأحمق – أنه ليس هذا الجانب أو ذاك من الجوانب المعزولة للحضارة المعاصرة الذي يثير الرعب , بل حياتنا بمجملها , كما نحياها على مستوى كل يوم . إن الانهيار التام لليسار اليوم يكمن في عجزه عن ملاحظة , ناهيك عن فهم , تحول الفقر الذي هو السمة الأساسية للحياة في البلدان عالية التصنيع . ما زلنا نفهم الفقر بتعابير بروليتاريا القرن التاسع عشر – في الصراع القاسي للبقاء في مواجهة الحاجة و الجوع و المرض – أكثر منه بتعابير عدم القدرة على الحياة , و اللا مبالاة , الملل , العزلة , الألم و الإحساس باللا جدوى الكاملة التي تلتهمها كالسرطان طوال نظيره القرن العشرين . يقبل اليسار ببهجة كل ألغاز الاستهلاك المشهدي ( نسبة للمشهد spectacle ) . لا يستطيع أن يرى أن الاستهلاك ليس أكثر من نتيجة ملازمة للإنتاج المعاصر – يعمل كاستقرار اقتصادي له و كتبريره الإيديولوجي أيضا – و أن أحد هذين المجالين هو مغترب تماما مثل المجال الآخر . لا يمكنه أن يرى أن كل التنوع المزيف لوقت الفراغ يخفي الخبرة الوحيدة : اختزال كل فرد إلى دور المتفرج السلبي و المعزول , المكره على التنازل عن رغباته الفردية الخاصة و أن يقبل بالبديل الوهمي تماما و الذي تنتجه الجماهير . من هذا المنظور , أصبح اليسار مجرد طليعة للنزعة الإصلاحية الدائمة التي تدينها الرأسمالية الجديدة . تتطلب الثورة , على العكس من ذلك , تغييرا كاملا , و اليوم يمكن لهذا فقط أن يعني إلغاء النظام الحالي للعمل و الراحة بالكامل .
يمكن للمشروع الثوري , كما حلم به في المصانع الكالحة الشيطانية لمجتمع المستهلك , يمكنه فقط أن يكون خلق لإطلاق جديد للحياة ككل بإخضاع القوى المنتجة لهذا الهدف . يجب أن تصبح الحياة اللعبة التي تلعبها الرغبة مع نفسها . لكن إعادة اكتشاف و تحقق الرغبات الإنسانية مستحيل من دون نقد الشكل الخيالي الذي وجدت فيه الرغبات دوما تحققها الوهمي الأمر الذي سمح لكبتها الحقيقي بالاستمرار . يعني هذا اليوم أن “الفن” – الوهم الذي تحول إلى ثقافة منظومية – قد أصبح عدو الشعب رقم واحد . إنه يعني أيضا أن المادية التقليدية لليسار لم تعد مجرد ارتباك طارئ . لقد أصبحت مميتة . من الآن فصاعدا , تتوقف إمكانية القيام بنقد ثوري جديد للمجتمع على إمكانية نقد ثوري للجنس في الثقافة و بالعكس . إنها ليست قضية إخضاع الفن للسياسة أو السياسة للفن . المسألة هي في إحلال كلاهما بقدر ما هما نوعان منفصلان .
لا يوجد أي مشروع , مهما كان وهميا , يمكن أن ينبذ على أنه “طوباوي” بعد اليوم . لقد نمت قوة الإنتاجية الصناعية بشكل غير محدود أسرع مما تنبأ به أي من ثوريي القرن التاسع عشر . السرعة التي تطورت بها الأتمتة و تم تطبيقها تبشر بإمكانية الإلغاء الكامل للعمل الإلزامي – الشرط المسبق المطلق للانعتاق الإنساني الحقيقي – و في نفس الوقت خلق لنمط جديد مرح من النشاط الحر , الذي يتطلب تحقيقه نقدا لاغتراب النشاط “الحر” في عمل الفن . يجب أن يقصر الفن من دائرته . يجب أن توضع مجمل القوة المتراكمة للقوى المنتجة مباشرة في خدمة مخيلة الإنسان و إرادته بالحياة . في خدمة الأحلام التي لا تحصى , و الرغبات جزئية التشكيل التي تشكل هاجسنا العام و جوهرنا , و التي نستسلم لها جميعا بصمت في تبادل مع هذا البديل أو ذاك الذي لا قيمة له . إن أكثر خيالاتنا غرابة هي أكثر العناصر غنى في واقعنا . يجب أن تمنح قوى حقيقية و ليس مجردة . الديناميت , القلاع الإقطاعية , الغابات , المشروبات الروحية , المروحيات , المختبرات … كل شيء و أكثر يجب أن ينضموا إلى خدمتها . “لقد حمل العالم طويلا حلما عن شيء ما . اليوم إذا أمكن له أن يعيه , فيمكنه أن يمتلكه حقا ” ( ماركس , رسالة إلى روغه , سبتمبر ايلول 1843 ) .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن //libcom.org/tags/art