الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل – القسم ال ثامن

حرب وسجن ورحيل – القسم ال ثامن

وأنا أتحدث عن الحرب العراقيه الأيرانيه وأهوالها ومآسيها لابد لي أن أرجع قليلا ألى الوراء قبل الحرب فقد أقدم صدام على ارتكاب جريمه كبرى وهي قتل المرجع والعلامه الكبير السيد محمد باقر الصدر قدس الله ثراه وأخته العلويه الطاهره بنت الهدى .ففي التاسع من نيسان عام 1980 أقدم صدام على ارتكاب تلك الجريمه النكراء التي تركت ندوبا وآلاما كبيره في قلوب كل المؤمنين والشرفاء من أبناء الشعب العراقي وترك ذلك العلم البارز آثارا فكريه كبرى أثرت العقيده الأسلاميه وأهمها السفرين الخالدين أقتصادنا وفلسفتنا ومن غريب الصدف أن يتم سقوط الصنم في التاسع من نيسان عام 2003 أي في نفس اليوم الذي أقدم فيه صدام على تلك الجريمه البشعه .وقد فكرت من ذلك اليوم أن أكتب قصيدة رثاء لهذا الشهيد العظيم وعندما لجأت ألى سوريا عام 1995 كتبت تلك القصيده ونشرتها في صحيفة الجماهير التي كانت تصدر في حلب ونشرتها عدة مواقع ألكترونيه وكان عنوانها ( يارائدا في فكره وجهاده ) وهي قصيده طويله أقول في بعض أبياتها :

أطلقت فجرا مشرقا مشهودا – ومنحت دفقا للجهاد جديدا

وجلوت عن وجه الأيم غمامة – ظل الضحى من روعها موؤودا

وبقيت كالجبل الأشم صلابة – وصعدت في برج الخلود صعودا

ورشفت من ألق الرسول سماحة – ونجابة وسكينة وسجودا

وورثت من نهج الحسين مبادءا – تأبى الخنوع وأن بقيت وحيدا

ياأيها الصدر العظيم تحية – أعلى الأله مقامك المحمودا

اكتفي بهذا القدر من الأبيات فالقصيده طويله وتتكون من خمسين بيتا

بعد هذا الحدث المأساوي أقدم النظام على أعدام الشيخ عارف البصري والسيد قاسم شبر وغيرهم من العلماء الربانيين الذين رفضوا الرضوخ للطاغيه ليصبحوا عبيدا له وهذه هي سمة علماء الدين الحقيقيين الذين يقدمون أنفسهم قرابين على مذبح الحريه لتمجدهم شعوبهم ويتربعوا على صهوات المجد والخلود على مر الدهور وهكذا كانوا وليس مما نراه اليوم من بعض العلماء المزيفين الذين يعتاشون على موائد الحكام والسلاطين ويصبحون أبواقا لهم يروجون لظلمهم وجبروتهم على حساب شعوبهم المنكوبه بهم .

لقد شن النظام حمله ارهابيه هوجاء في كل بقعه من أرض العراق بعد ارتكابه تلك الجريمه وأصدر مايسمى ب( مجلس قيادة الثوره ) حكم الأعدام على كل عضو في حزب الدعوه أو ممن تعاطف معه أو أخفى أنتماء أحد أقرباءه وحتى الدرجه السادسه ولم يخبر عنه السلطات الأمنيه .واضطر السيد محمد باقر الحكيم قدس الله ثراه ان يخرج من العراق قبل هذا التأريخ بعد أن تعرض للسجن والتنكيل وأحس بأن النظام يطلب رأسه بعد أعدام العديد من عائلته ومنهم السيد مهدي الحكيم الذي قتلته المخابرات العراقيه وهو يحضر مؤتمرا أسلاميا في الخرطوم .وتم تأسيس المجلس الأعلى للثوره الأسلاميه في العراق من المهجرين العراقيين والعسكريين الذين رفضوا الحرب مع أيران .

أرجع ألى المكان الذي كنا نتواجد فيه على الحدود العراقيه الأيرانيه . لقد مرت ثلاثة أشهر بكل رتابتها وقساوتها حيث كان كاظم غفله يستفزنا دائما ويعتبرنا باننا لسنا بالمستوى المطلوب الذي تنتظره منا القياده السياسيه على حد زعمه ومما كان ينغص حياتنا دائما هي المستويات الثقافيه المختلفه حيث كنا خليطا من الأميين ومن متوسطي الثقافه ومن مستويات ثقافيه أعلى وكانت كل المقاييس تقاس على تملق الشخص لكاظم غفله ونقل كل مايحدث له أولا بأول هؤلاء كانت لهم حظوه عند كاظم غفله فقط وجلهم كانوا من الأميين .

لم أر أية عمليات عسكريه في تلك المنطقه التي مكثنا فيها ستة أشهر سوى صوت المدفعيه من بعيد عدا عدة أيام أقترب فيها صوت المدفعيه بشكل ملفت للنظر ووضعنا تحت الأنذار وقد كنت في أحد الأيام أحمل الأرزاق ألى جماعتي المتواجدين على الربيه وكانت المسافه حوالي كيلو متر بين سيارة الأرزاق والربيه وأذا بعدة قذائف تسقط بمسافة 30 مترا مني وكان أحد الكلاب يسير بمحاذاتي بعد أن ألفتنا تلك الكلاب المتواجده في المنطقه لأننا كنا نرمي لها بعض الطعام فاتخذت وضع الأنبطاح وأذا بالكلب المسكين بتبطح بالقرب مني وهو يرمقني بعينيه وأشفقت على ذلك الحيوان المسكين الذي أحس بالخطر فاتخذ وضع الأنبطاح فرميت اليه بقطعه من اللحم من الأرزاق التي كنت أحملها مكافئة له على ذكاءه لقد كانت الأرزاق التي توزع علنا كثيره وهذه حقيقه لابد من ذكرها وكانت اللحوم التركيه والأيرلنديه وغيرها تأتينا بكميات كبيره حيث كنا نرمي الكثير منها للكلاب التي لم ترغب بالأبتعاد عنا .

بعد أن توقف القصف تابعت سيري فنهض الكلب وسار معي وصار هذا الكلب يقترب مني أكثر فأكثر ويجلس قريبا مني أثناء خفارتي وفي أحد الأيام حصلت على أجازه فنزلت من الربيه الساعه الرابعه صباحا متجها ألى الشارع العام لأوقف أول سياره عسكريه تنقلني ألى مدينة بدره فوجدت الكلب وهو يسير معي وعندما وصلت ألى الشارع العام وتوقفت توقف هو أيضا وما أن حضرت سيارة أيفا عسكريه وركبت فيها قفل الكلب راجعا ألى الربيه بعد أن رمقني بنظره لها معنى لقد قرأت الكثير عن وفاء الكلب وعشت مع هذا الوفاء أشهرا في هذه المنطقه .

لم يتغير شيئ خلال المده التي قاربت الستة أشهر وكان معنا العديد من المرضى وكبار السن وهم يشكون من الحاله التي كانوا فيها لكن كاظم غفله لم يعر أي اهتمام لشكاواهم المستمره وقد كان يكرر دائما ( نحن هنا مقاتلون ولسنا مرضى ) وبعد مرور عدة أيام أنتهت تلك المهمه ولم يصب أحد منا بأي أذى عدا بعض المرضى الذين تحملوا أمراضهم على مضض بعد أن لمسوا عدم استجابة أحد لوضعهم .

أستمرت الحرب واشتد أوارها واستولى االجيش العراقي على أجزاء كبيره من المدن الحدوديه منها مدينة المحمره ومدينة مهران والبسيتين وضواحي عبادان وديزفول ومناطق أخرى وصرح طه ياسين رمضان بأن نفط عبادان أصبح ملكا للعراق بعد أن دمرت المصافي الضخمه فيها وبدأت الصواريخ التي أطلق عليها صدام بصواريخ ( الحسين ) و ( العباس ) و ( العابد ) وغيرها تدك المدن الأيرانيه وغالبا ماكانت تطلق في منتصف الليل وكنا نسمع دويها أثناء انطلاقها من المطار العسكري في مدينة الكوت وكانت ايران ترد ببعض الصواريخ القليله التي كانت تمتلكها وأغلبها كانت عشوائيه وتقع على أهداف مدنيه من الطرفين .

لقد أخذت المستودعات تعج بجثث الجنود في أماكن متعدده من العراق وكل جندي يتأخر في أجازته تبدأعائلته برحلة البحث عنه في هذه المستودعات المتراميه وكانت رحله شاقه ورهيبه وقد شهدت البعض منها عندما كنا نبحث عن أقرباء لنا وكنت أتمنى في رحلات البحث تلك أن يأتي صدام والخميني ويريا بأعينهما تلك الجثث المكدسه بالثلاجات والتي كانت تعد بالآلاف وكانت تتحدث عن مجازر بشريه بكل معنى الكلمه . لقد كانت معاناة الناس الذين يبحثون عن ابنهم المفقود معاناة رهيبه فوق طاقة النفس البشريه خاصة أن الجثث كانت مشوهه ومعالمها غير واضحه . وكان الكثير من الناس الذين يبحثون عن قتلاهم يتقيأون ويبكون وهم في حالة انهيار تام .تحت أشراف الحراس الذين كانوا غير آبهين بمشاعراولئك الناس المساكين ويطلبون منهم المغادره والبحث في مكان آخر .

كان المتهور المقبور عدي ابن الطاغيه في تلك الأثناء يقيم الأعراس الجماعيه في مدينة البصره في حركه مسرحيه هزيله لأعطاء انطباع عكسي عن الحرب خارج العراق يساعده في ذلك الأعلام العربي الذي كان يخفي ويعتم على تلك المأساة الأنسانيه الكبرى وفي تحد واضح لمشاعر الناس الذين كانوا يفقدون أبناءهم .وقد صورت وسائل الأعلام العراقيه فلما مصورا لعدي وهو يقود طائرة هليكوبتر حربيه ويقصف المواقع الأيرانيه باعتباره قدوة الشباب العراقي كما صوروه وما على شباب العراق الا أن يحذوا حذوه وقد ظهر فلم آخر يظهر فيه صدام مع مجموعه من كبار الموظفين من درجة وكيل وزير ومدير عام حيث طلب منهم الأشتراك في قادسيته وسألهم الذي لايمكنه الأشتراك يرفع يده ويقف على الجانب الآخر والذي يبغي الأشتراك يقف في الصف الآخر المحاذي لذلك الصف وبدأ يسأل الذين لم يرغبوا بالأشتراك في الحرب ويستجوبهم فردا فردا ماذا كنت تملك قبل الثوره ؟ وأي وظيفه كنت تشغل ؟ وما هي درجتك الحزبيه ؟ وماهي ممتلكاتك الآن ؟ وما السبب الذي دعاك لعدم الأشتراك في هذه القادسيه ؟ وبعد تقديم الأهانه الجماعيه لهم أمرهم أن يخرجوا من القاعه وعندما حاول البعض منهم بالهتاف بحياته وطلبهم العفو صرخ في وجوههم ( اللي مايطلع اطرو أربع وصل ) وطلب من حمايته أخراجهم بالقوه ..

اشتدت الحرب أكثر فأكثر وبدأ الأيرانيون يقومون بهجمات دمويه وبأعداد كثيفه باختراقهم لحقول الألغام ووصولهم الى قلب القطعات العراقيه وقد كنت حاضرا في المستشفى العسكري في الكوت حيث كنت احاول الحصول على اجازه مرضيه لوني في الجيش الشعبي وحدث في ذلك الوقت هجوم ايراني على جبهة زرباطيه فرأيت أكواما من البشر تأتي بهم سيارات الأيفا العسكريه وبعضهم في الرمق الأخير والبعض منهم تقطعت بعض أطرافهم وأرجلهم وامتلأت الغرف وباحة المستشفى بالجنود والضباط وكانت أيضا أحدى المجازر البشريه التي رأيتها بأم عيني ولم تمض الا بضعة دقائق حيث تم أخراج جميع المراجعين للمستشفى واقتصر البقاء على ضحايا الهجوم والعاملين في المستشفى .

في عام 1982 سرت شائعات بأن رئيس النظام صدام حسين قد تعرض لمحاولة اغتيال في منطقة الدجيل التابعه لبلد وتأكد فيما بعد أن رئيس النظام قام بعملية انتقام شديده من أهالي البلده حيث أعدم حوالي 188 شخصا وتم تجريف كافة البساتين التي انطلقت منها الأطلاقات الناريه وهذه الحادثه عرضتها المحكمه الجنائيه العليا برئاسة القاضي رؤوف عبد الرحمن وأعدم على أثرها رئيس النظام وبرزان التكريتي رئيس المخابرات وطه ياسين رمضان نائب صدام وخضير رعد البندر الذي كان رئيسا للمحكمه الصوريه التي حاكمت المتهمين آنذاك وبعد تلك الحادثه اشتدت قبضة النظام أكثر فأكثر ووصل القمع ألى أوجه واختفى العديد من الناس الذين كنت أعرفهم وابتلعتهم سجون النظام ولم يعثر لهم على أثر .

صدرت لنا الأوامر نحن المعلمين أن نباشر دوامنا في المدارس ونكون على أهبة الأستعداد للذهاب الى جبهات القتال في أي وقت وكان مدير التربيه ( كصاد فضل ) وهو قروي وعضو شعبه في حزب البعث وحصل على شهادة الدكتوراه من الجامعه المستنصريه بقدرة قادر ولم يكن الا مدرسا فاشلا في المدارس التي كان فيها ولم يمارس مهنة التدريس بعد أن صعد نجمه في حزب البعث الفاشي طلب هذا الشخص أن يرتدي كل معلم ومدرس في المحافظه الملابس العسكريه أثناء الدوام في المدارس ووضع باج لصورة صدام على صدره والتعريف بقادسية صدام في الدقائق الخمس الأولى من الدرس الأول وربط موضوع الدرس بتلك القادسيه حتى ولو كان الدرس فيزياء أو كيمياءأو رياضيات

وكنا في الأصطفاف الصباحي نكرر آخر أقوال الرئيس عن الحرب حيث كان صدام يظهرفي كل ليله تقريبا على شاشة التلفزيون ليقلد الضباط والجنود النياشين وانواط الشجاعه والتي كانت تبدو وكأنها بلا نهايه وكل من هؤلاء الضباط كان يتحدث عن بطولاته في الجبهه ويتلقى كلمات عافرم وعفيه من الرئيس بين الفينة والفينه كل هذا يجب أن نتحدث به في الأصطفاف الصباحي حسب التعليمات التي كانت توجه ألينا من مديرية التربيه . وأصبحت رواية( الأيام الطويله) التي ألفها عبد الأمير معله و( مؤامرات اغتيال الرئيس صدام حسين ) لبرزان التكريتي ومجلة ألف باء تباع علينا في مدارسنا حيث يجلبها أحد جلاوزة السلطه والذي لايشتري يعتبر معاديا للحزب والثوره في زمن الحرب ومصيره معروف سلفا .و أتحدى كل صدامي أنكار هذا الأمر وألى اللقاء في القسم التاسع الذي ساتناول فيه فصلا آخر من مأساة العراق الكبرى على يد صدام حسين وجلاوزته البعثيين القتله .