الرئيسية » مقالات » هل الادعاء العام لمحكمة الجناية الدولية على صواب بمذكرة اعتقال عمر البشير؟

هل الادعاء العام لمحكمة الجناية الدولية على صواب بمذكرة اعتقال عمر البشير؟

أصدر الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتاريخ 14/7/2008 أمراً باعتقال وتوقيف المشير عمر البشير , رئيس جمهورية السودان الحالي. وبهذا يكون ثالث رجل دولة يصدر بحقه مثل هذا الأمر بالاعتقال والتوقيف للتحقيق والإحالة على المحاكمة مدى ما تأكد للجنة التحقيقية صواب التهم الموجهة له. وسبب صدور مثل هذا الأمر ناشئ عن مسؤولية الرئيس السوداني , باعتباره رئيساً للدولة السودانية ورئيس وزرائها والقائد العام للقوات المسلحة , بما فيها المؤسسة العسكرية ومؤسسة الشرطة وأجهزة الأمن , عن تعرض شعب دار فور السوداني إلى القتل الجماعي وإبادة الجنس البشري وضد الإنسانية وجرائم حرب وتشريد الملايين من سكان إقليم دار فور وعدم تسليم متهمين بجرائم حرب وإبادة الجنس البشري. فقد جاء في مذكرة الاتهام ما يلي: “بعد مرور ثلاث سنوات على طلب مجلس الأمن بالتحقيق في دارفور، واستنادا إلى الأدلة الدامغة يرى المدعي العام أن هناك مبررات معقولة للاعتقاد بأن عمر حسن أحمد البشير يتحمل المسؤولية الجنائية فيما يخص التهم الموجهة بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. وتبين الأدلة التي قدمها المدعي العام أن البشير قد دبر ونفذ خطة لتدمير جزء كبير من مجموعات الفور، والمساليت والزغاوة، لأسباب إثنية”. [راجع: الأخبار العربية عن الجزيرة].
لو وجهت مثل هذه التهم من جانب قضاء السودان إلى عمر حسن أحمد البشير لكانت عقوبتها الإعدام لو ثبتت عليه تلك التهم. ألا أن عقوبة الإعدام سوف لن تشمله بسبب خلو عقوبات هذه المحكمة الجنائية الدولية منها , وبالتالي يمكن أن يحكم عليه بالحبس المؤبد , أو مدى العمر. ولكن السودان يخضع لحكم دكتاتوري يجمع النظام في يديه السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. ولو كان القضاء السوداني حراً ومستقلاً عن السلطتين الأولى والثانية لمارس حقه في إقامة الدعوى ضد الدكتاتور بسبب مجازر ومآسي شعب إقليم دار فور.
لا يمكن لأي ادعاء عام مستقل في العالم يحترم نفسه أن يصدر أمراً بالاعتقال والتوقيف ما لم تكن لديه أوليات مهمة ووثائق يمكنه بها أن يبرهن على صوب الاتهام. كما لا يمكن لأي محكمة مستقلة أن توافق على إصدار أمر بالاعتقال والتوقيف ما لم تكن متأكدة من جدية ما ورد في تقرير وطلب الادعاء العام. إلا أن احتمال ارتكاب الخطأ , رغم ضآلته في هذا الصدد , أمر ممكن. ولهذا نطرح السؤال التالي: هل كان الادعاء العام الدولي على صواب أم على خطأ؟
كل الدلائل المتوفرة على الصعيدين الدولي والإقليمي , دعْ عنك العربي الرسمي الذي لا يعرف غير الرفض , إذ أن العديد من الحكام العرب معرضون أيضاً لصدور مثل هذا الأمر باعتقالهم , تشير إلى أن الكثير من الأدلة متوفرة عن مسؤولية الرئيس السوداني الحالي , الذي اكتسب شرعية وجوده في السلطة عبر انقلاب عسكري قامت به الجبهة القومية الإسلامية (الأخوان المسلمون) , سواء أكانت في الجيش أم في القطاع المدني. فمنذ أكثر من ثلاث سنوات يصدر مجلس الأمن الدولي قرارات بشأن الوضع في دار فور وما تفعله عصابات الجنجويد بحق هؤلاء المواطنين والمواطنات من جرائم بشعة وأفعال عدوانية مُذلة ضد سكان دار فور. إلا أن رئيس الجمهورية وحكومته كانا ينكران وجود تلك الاعتداءات الغاشمة على شعب دار فور ويرفضان تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي لضمان الحماية لهؤلاء الناس الأبرياء الذين يتعرضون للموت والتشريد والاغتصاب , بل وإلى البيع والشراء من خاطفيهم في حالات تشير إليها الكثير من منظمات المجتمع المدني الدولية.
وكل المعلومات المدققة والمتوفرة تشير إلى ما يلي:
** هناك ثلاثة ملايين إنسان من سكان دار فور المشردين , سواء أكان منهم من عبر الحدود أم من يعيش في مخيمات قذرة ومهلهلة في الصحراء السودانية لا تحمي الإنسان من برد أو حر أو مطر , يعانون من الحرمان والجوع والإصابة بمختلف الأمراض ومعرضون لشتى الأعمال اللاإنسانية.
** ترك الملايين من البشر ليس بدون حماية الحكومة حسب , بل وبدون طعام وشراب بشكل خاص , أي تنفيذ عملية تجويع متعمدة قادت إلى موت الكثير من سكان دار فور.
** يقدر عدد القتلى من سكان دار فور بمئات الألوف من الناس الأبرياء الذين قتل الغالية العظمى منهم على أيدي قوات وعصابات الجنجويد غير الرسمية , وعلى أيدي القوات الحكومية.
** وأن هناك عمليات اغتصاب جنسية لعدد كبير من النساء , إضافة إلى عمليات اختطاف وتغييب النساء والأطفال تؤكدها الكثير من الشهادات الحية التي عاشها هؤلاء الناس.
** وتؤكد المعلومات إلى موت عدد كبير من البشر بسبب تفشي الأمراض المعدية أو السارية وغياب الرعاية الصحية أو توفير الأدوية وسوء التغذية , التي أودت بحياة الكثير من هؤلاء البؤساء من البشر.
فهي مأساة إنسانية كبيرة وكارثة ألمت بجميع سكان دار فور يصعب قبول سكوت الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي عن الجرائم التي ارتكبت وترتكب يومياً هناك ولا عن مرتكبيها.
أمام هذه الحقائق الثابتة , التي لم يعد ممكناً إنكارها حتى من حكومة البيادق التي يلعب بها المشير عمر البشير كما يشاء , يطرح السؤال التالي نفسه علينا جميعاً: من المسؤول عن كل ما جرى ويجري في دار فور في بلد فيه رئيس جمهورية ورئيس حكومة مركزية ورئيس مجلس نواب ووزراء ونواب؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال نود أن نعيد إلى الذاكرة بأن المشير عمر البشير قد استولى على السلطة عبر انقلاب عسكري ضارباً الحياة الديمقراطية عرض الحائط ومنصباً من نفسه رئيساً لـ “مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني” ابتداءً من 30 يونيو 1989 إلى 16 أكتوبر 1993 م , إذ بعدها نظم مسرحية الانتخابات العامة حيث فاز فيها كما فاز قبله غالبية المستبدين في الأرض , وهي لم تختلف كثيراً عن مضمون انقلابه العسكري لينتخب رئيساً للجمهورية , تماماً كما كان ينتخب صدام حسين مدى الحياة من سكان العراق المضطهدين. ووفقا للدستور السوداني يكون رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء أيضا , إضافة إلى كونه القائد العام للقوات المسلحة.
إن الجواب عن سؤال من المسؤول عما جرى ويجري في السودان , على وفق الشرعية الدولية , يتلخص في كون هؤلاء جميعاً مسؤولون : إنهم رئيس الجمهورية ونائبه ورئيس الوزراء ونوابه ووزرائه ورئيس مجلس النواب والنواب ولجانه…الخ , وكذلك الأجهزة المكلفة بمهمات خاصة في إطار عملية تفكيك وتفليش القوى المناهضة للنظام. إنها القوى المصدرة للأوامر وتلك المنفذة لها , سواء أكانت عسكرية أم مدنية , ومنهم عصابات الجنجويد. لماذا ؟ الجواب:
1. إن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هو المسؤول الأول عن حماية الدستور ودولة القانون وعدم تعريض المجتمع إلى الأذى أو إلحاق الأذى والضرر بهم مهما كانت الأسباب وراء ذلك. ويفترض فيه أن يتخذ القرارات ويصدر التعليمات والإجراءات لإيقاف ما تتعرض له جماعة ما من أذى أو ضرر يمكن أن يلحق بها.
2. إن رئيس الدولة ورئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة مطلع بحكم موقعه والوظائف التي يديرها على ما كان ولا زال يجري في المنطقة ضد سكان دار فور وفق تقارير دورية تصله عن حالة سكان دار فور وإمكانيات التحرك لإيقاف المجازر.
3. ولا يمكن لأي مسؤول بوزنه في الدولة أن يدعي بأنه لم يكن يعرف شيئاً عن طبيعة وتشكيلات عصابات الجنجويد والدور الذي تؤديه والقتلى الذين سقطوا من جراء نشاط هذه العصابات. وإذا كان كذلك فهو مقصر في واجبه ويتحمل وزر التقصير الذي يقارب في طبيعته وعواقبه وزر التهم الموجهة إليه.
4. إن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن رئيس الدولة كان يعرف تمام المعرفة بما كان يجري وكان لا يريد تقليم أظافر سكان دار فور فحسب , بل وإبادة أكبر عدد ممكن منهم وإضعاف قدراتهم على المطالبة بحقوقهم المشروعة وإخضاعهم لإرادته.
5. أعاق رئيس الجمهورية عملياً تقديم عناصر الجنجويد المتهمة بارتكاب المجازر إلى المحاكمة لإنزال العقاب الذي يستحقونه بهم.
6. رفض البشير وحكومته حتى الآن تسليم متهمين سودانيين بجرائم الحرب والإبادة الجماعية ضد سكان دار فور إلى محكمة الجناية الدولية لمحاكمتهما والتعاون مع المحكمة في سبيل الوصول إلى حقيقة التهم الموجهة لهما , وهما أحمد هارون وعلي محمد عبد الرحمن المعروف بـ “علي كوشيب”. ولا شك في أن هذين المتهمين لديهما الكثير من المعلومات عن الجرائم المرتكبة وعن الشخص والهيئة التي أصدرت القرارات لتنفيذ تلك المجازر. ولم ينفذ الوعد الذي قطعه على نفسه حين أكد أن القضاء السوداني قادر على محاكمة هذين المتهمين ,وللعلم نشير إلى أنه لم يقدمهما إلى المحاكمة حتى الآن.
7. رغم تشكيله رئيس الجمهورية لجنة لتقصي الحقائق ما كان وما يزال يجري في دار فور برئاسة مولانا القانوني السوداني الضليع دفع الله الحاج يوسف , والتي أثبتت في تقريرها وجود انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في دار فور. إن المشير عمر البشير لم يعر هذا التقرير أي اهتمام ولم ينفذ ما جاء فيه رغم كونه هو الذي شكل هذه اللجنة التحقيقية.
8. أعاق أيضاً تأمين استعادة سكان دار فور لحقوقهم المشروعة وتأمين مستقبل أفضل لهم ولعائلاتهم.
9. كما أعاق التحقيق الذي كان ولا يزال يفترض أن يكشف التحقيق الذي لا بد من إجرائه : من كان السبب وراء سقوط مجموعة من موظفي ومستخدمي الأمم المتحدة أو من منظمات المجتمع المدني الدولية الذين اختطفوا أو غيبوا وهم يؤدون مهماتهم الإنسانية في السودان؟
لكل هذه الأسباب وغيرها أرى بأن قرار الادعاء العام الدولي كان صائباً وعادلاً وليس فيه أي خلل سوى التأخير في إصداره من أجل وضع حد للمجازر المستمرة ضد سكان دار فور.
والسؤال هو: كيف سينفذ أمر الاعتقال والتوقيف؟ ليس سهلاً تنفيذ مثل هذا القرار حالياً , ولكن صدوره يعني جملة من المسائل المهمة , منها ما يلي:
** إن المجتمع الدولي والرأي العام العالمي يرفض ممارسات المستبدين ضد شعوبهم ويطالب بوضع حدٍ لها.
** وأن صدور مثل هذا القرار لا يفضح على الصعيد العالمي تلك الممارسات حسب , بل وربما يفسح في المجال أن يعود الرجل إلى صوابه ويتخذ إجراءات أخرى بحيث تخفف عن ذنوبه في ممارساته السابقة.
** وأن هذا الإجراء القضائي الدولي يمكن أن يشكل درساً ثميناً لكل الحكام الذين يماثلونه في السلوك إزاء شعوبهم. وإذا كان هذا الإجراء قد اتخذ بحق صدام حسين حين مارس عمليات الأنفال في كُردستان العراق , وحين مارس تهجير الكُرد الفيلية أو تهجير عرب الوسط والجنوب وقتل الآلاف منهم , أو بعد أن غزا الكويت , لربما كان قد تعقل المشير عمر البشير قليلا. ولا شك في أن من واجب محكمة الجناية الدولية أن تدرس إمكانية وضرورة تقديم موغابي في زمبابوي إلى المحاكمة الذي يمارس شتى الأفعال التي تقع في باب التجاوز على حقوق الإنسان وعلى الشرعية الدستورية.
إن من واجب جميع الدول أن تتعاون في ما بينها من أجل تقديم المتهم بتلك التهم الكبيرة لينال العقاب المناسب , أن ثَبُتَ ارتكابه لها فعلاً. ولا يمكن التأثير على قرار محكمة الجناية الدولية من خلال قرارات الجامعة العربية أو الاتحاد الأفريقي أو مجموعة دول عدم الانحياز التي ترى في ذلك إجحافاً بحق السودان ولا تحاول أن ترى ماذا حصل ويحصل لشعب دار فور من مآسي إنسانية يندى لها جبين الإنسانية , فهي محكمة مستقلة عن حكومات الدول. إن علينا ,نحن في الدول العربية , أن نتذكر أبيات الشعر التي تسخر ممن يحاسب قاتل واحد , رغم صواب المحاسبة , ولكنه لا يحاسب من يقتل شعباً كاملاً كشعب دار فور:
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر
وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر
ولا شك في أن البشير سيحاول أن يلعب جميع الأوراق التي في يديه ويبدأ بمساومة القوى السياسية في السودان وابتزازهم , وفي مقدمتهم الصادق المهدي , بأمل أن يجد لديه حلاً للأزمة الجديدة التي دخل فيها النظام نتيجة سياساته الدموية. وأملي أن تنتبه القوى السياسية السودانية إلى اللعبة الخطيرة التي يريد أن يلعبها ويتجاوز بها صدور قرار الاعتقال والتوقيف وتسليمه إلى المحكمة لمحاكمته. إنها الفرصة للخلاص من الحكم العسكري وإقامة حكومة وطنية تعمل على توفير مستلزمات بناء المجتمع المدني الديمقراطي , ومنها المهمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية , وتحل مشكلات السودان بالطرق السلمية وبآليات ديمقراطية .
17/7/2008 كاظم حبيب