الرئيسية » مقالات » مجزرة قصر الرحاب صورة للعراق عبر التاريخ (2)

مجزرة قصر الرحاب صورة للعراق عبر التاريخ (2)

ويبدوا أن السيد مصطفى القرداغي يجهل ما كان جاريا ويجري تلك الأيام عندما يقول أن لواء الحرس الملكي المرابط بالقرب من القصر حاول الدفاع إلا أن عبد الإله رفض ذلك رافضا إراقة الدماء،وقال ما نصه(.. بل إن بعض التحليلات تتهم الأمير بأنه لم يحسن حينها تقدير الموقف عندما رفض محاولات متكررة لضباط الحرس الملكي المقربين منه كالنقيب ثابت يونس مرافق الملك والعقيد طه البامرني آمر الحرس بالتصدي للقوة المهاجمة وسحقها وقد أصر حتى اللحظة الأخيرة التي سبقت استشهاده على عدم إصدار الأوامر للحرس الملكي بالرد على الرغم من تفوقه على القوة المهاجمة من حيث العدد والعدة إذ يشير الملازم فالح حنظل بأن لواء الحرس الملكي كان من أقوى ألوية الجيش العراقي ومجهزاً بأفضل الأسلحة وكان يرابط في ثكناته بقصر الزهور ولا يشك أحد في أنه لو تدخل ضد المهاجمين لتبدل مجرى الأحداث.) وهذا مما يضحك الثكلى فلو توفر لعبد الإله أقل بصيص من أمل في الخلاص والقدرة على المواجهة لفعلها غير عابئ بما يسيل من دماء لأن هذه الدماء ليست دمائه أو دماء والديه وإنما دماء العراقيين الذين يتمنى القرداغي التضحية بهم لأجل بقاء عائلته المالكة،والذين يعرفون الوصي جيدا يعلمون أنه لم يكن يعبأ بالدماء أو الأرواح لأجل البقاء في السلطة وهو الذي كان يتآمر حتى على أبن أخته فيصل لأزاحته كما تآمر سابقا على والده غازي وقتله بالتنسيق مع السفارة البريطانية ونوري السعيد،وأن الملك عقيم فليس موت بضعة آلاف من أجل البقاء بالأمر العسير،ولكن القرداغي يحاول أن يجمل الصورة الكالحة لعبد الإله على حساب العراقيين ليظهره بمظهر الحاكم الشريف المخلص للوطن الذي أجاره وأواه بعد أن طردت الأسرة الهاشمية من أراضيها في الحجاز وتفضل البريطانيون ومنحوها مستعمراتهم في العراق والأردن وسوريا..

ولإكمال الصورة الزاهية لوصيه المقبور يحاول إظهاره بمظهر الولي التقي الورع العابد الزاهد المتمسك بالدين وتعاليمه والمؤمن بقضاء الله وقدره( وتشير الكثير من المصادر إلى أن الأمير عبد الإله تلقى العديد من الرسائل التي كانت تحذره من المصير الذي آل إليه صبيحة 14 تموز 1958 ففي أوائل عام 1957 تلقى بلاغاً تهديدي مكتوباً كان على شكل بيتين من الشعر (أيها الخائف الحذر.. ماذا ينفعك الحذر.. يوم يأتيك القدر.. لا ينجو من المقدّر الحذر) فعلق عليه بخط يده بالآية الكريمة(قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) ثم أمر بخط البيتين على قطعة من الرخام بطول3 أمتار لتوضع على واجهة قصره الذي لم يكن قد أكتمل بناؤه بعد.. كما تلقى الأمير عدة بلاغات واضحة من الحكومتين الأردنية والإيرانية تحذره من وجود تحركات مريبة ضده داخل الجيش العراقي كان يرد عليها دائماً بمقولته المعهودة ‘ نحن أهل البيت مكتوب لنا الشهادة ولا نموت إلا قتلاً ‘.. وكلها دلائل تشير أن الأمير قد زهد بالحكم ولم تكن بنيته أو بنية أفراد أسرته المقاومة.) وأنا أطمئن القرداغي أن وصيه لم يكتب اللافتة المزعومة ولم تعلق في واجهة القصر،،بل أنه كان لا يعبأ بما يرده من تقرير لثقته المطلقة بأسياده الإنكليز لا أيمانه بالقضاء والقدر،أما الأقاويل التي تستدر بها العواطف وأنه قال (نحن آل البيت …الخ) فهذه من المسرحيات الهزيلة لآن البيت وآله أبرياء من عبد الإله وزمرته الخائنة التي باعت العراق و،يأبى الرسول الكريم أن يكون سليله بهذه الروح وقد تسربل بالخيانة وأرتكب الموبقات،وأمضى الليالي الحمراء الصاخبة التي يندى لها الجبين،ولا أعتقد أن بيت الرسالة ومعدن النبوة يتشرف بهذه النماذج التي يحاول القرداغي قسرا إلصاقها به، ولندع القداسة لأهلها فلسنا هنا في معرض الأحساب والأنساب ،وكل بما جنته يداه،فلا يعصم الإنسان عن الكبائر نسب أو جاه وإنما الأيمان والأخلاق التي يفتقر إليها هؤلاء القتلة السفاكين، فالحكم الملكي لم يكن حكما دينيا حتى يحاول القرداغي ألباسه ثوب الدين،وإنما حكم أوجده غير المسلمين،وقاده غير المتدينين فدع عنك تذكار ما قد نسي أيها القرداغي وإلا سنضطر لكشف تاريخ العائلة المالكة المملوء بكل ما يشين من الهروب مع الخدم إلى العلاقات مع الولدان.

أما أشتراك العبوسي في محاولة سابقة لأغتال الوصي سنة 1947 في منطقة الحيدرخانة وفشله في المحاولة لأن الضباط منعوه من تنفيذها و بعدها أقسم عبد الستار بأنه لو كان يحمل سلاحاً ولو حتى سكيناً فإنه سيقوم بذبح عبد الإله أينما تسنح له الفرصة ،فهل القرداغي من حماة عبد الإله أم من أنصاره المقربين،أمن من ثقاة المؤرخين حتى يتباكى على مجرم يستحق الموت عشرات المرات لما اقترفته يداه من جرائم بحق العراقيين،وهل أن أنعام عبد الإله على القرداغي لا زال تأثيرها فاعلا حتى ليوم حتى ينبري للدفاع عنه بهذه الهمة التي يفتقر إليها في الدفاع عن ملايين الفقراء الذين هيمن عبد الإله وزمرته العفنة على مقدراتهم وسلب خيراتهم لتصرف في بيوت العهر والدعارة،كان أملي أن يكون القرداغي في صف الشعب لا قتلته ولكنه على ما يبدو لا يزال يعيش بعقلية الملوك أنصاف الإلهة،ولا يزال ينظر للحياة بمنظار لم يعد مستعملا حتى في مغاور أفريقيا،وهو يسبح ضد التيار ليثبت أن ملكيته المقبورة لا تزال تحتفظ بحيويتها بعد أن فاتها القطار وأصبحت نسيا منسيا في زوايا التاريخ.

ويستشهد بمقطع طويل نجتزئ منه هذا الجزء للتدليل على النوايا المبيتة لقادة الثورة بإنهاء الثلاثة الكبار خوفا من انتكاسة الثورة فيقول(بعدها بسنوات وفي يوم الجمعة11 تموز 1958عُقِد اجتماع بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد اللطيف الدراجي وحضره أيضاً رشيد مطلك وتقرر فيه قتل الثلاثة الكبار بما فيهم فيصل لضمان نجاح الثورة ولكي لا تتكرر مأساة عام 1941 عندما تم إعدام ضباط الجيش الذين قاموا بحركة مايس وهنالك من يقول بأن مصير الملك فيصل ظل مرهوناً باستشارة بعض السياسيين الذين أبدوا موافقتهم على قتل الملك ولذلك تقرر قتله مع عبد الإله ونوري السعيد ومن الشهادات المهمة بهذا الصدد ما ذكره نعمان ماهر الكنعاني نقلاً عن مجيد كريم الذي كان مقرباً من قاسم وعارف والدراجي ليلة التنفيذ أن هؤلاء الثلاثة أقسموا يومها على تصفية العائلة المالكة حتى لا يكون هنالك أمل بانتكاسة الانقلاب أو اتخاذهم ذريعة أو رمزاً لعودة الملكية للعراق)وهذا تناقض واضح بين ما أورده عن نية القادة بتصفية الثلاثة،وبين ما ذكره نعمان ماهر الكنعاني الذي يتبجح بأنه أحد الضباط الأحرار وكتب مذكراته المليئة بالمغالطات التي تخدم التوجهات الصدامية،وهو القومي الموتور الذي يناصب قاسم الكره لأسباب بعيدة عن السياسة،وقد حاول التآمر مع ثلة من الضباط القوميين وحكم عليه بالإعدام فلجأ إلى عرينهم في مصر ليعيش على المساعدات ويعود بعد 1963 ليتقلد مناصب مهمة في الأعلام حتى مجيء البعث عام 1968 حيث أصبح من شعراءه المعروفين،ومن المتغنين بصدام حسين في حربه القذرة ضد إيران ليستلم مقابل لذلك المكافآت والرواتب المجزية ويصبح منبوذا من أقرب المقربين إليه لمواقفه الانتهازية الضحلة،وانحداره المزري طبالا في الجوقة البعثية،ودواوينه التي طبعتها وزارة الأعلام تدعوا لقتل العراقيين وللقرداغي أن يراجعها ليجد السيف والراية التي يرفعها الكنعاني لذبح العراقيين باستثارة همم أبن العوجة،لذلك فأن شهادته ليست موضع ثقة لأنه من المتآمرين المرتبطين بجهات إقليمية مشبوهة،وله ارتباطات بعيدة الغور ليس من المجدي كشفها فقد ذهب إلى جوار ربه وسيلاقي نتيجة مواقفه المخزية يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ،وهم الوطنيون الذين أخلصوا لشعبهم ووطنهم وما هؤلاء منهم..

ولا يفرق القرداغي بين تصفية العائلة المالكة أو الثلاثة منهم ويمزج بين الاثنين ناسيا أو متناسيا أن أثنين من هؤلاء الثلاثة يستحقون الإعدام والحرق مئات المرات لمواقفهم الخيانية،فهل دفاعه عن النساء والأطفال أم الثلاثة المجرمين،فإذا كان عن الثلاثة فله البحث عن قبورهم ونصب المناحات عليهم فأن عودتهم إلى الحياة مستحيلة وإذا كان يبكي العائلة ،فكم قتل من العائلة حتى يتخذها القرداغي قميص عثمان ،الم تقتل آلاف العائلات من قبل الزمر الصدامية وتشرد الملايين فلماذا لم نجد من القرداغي اعتراضا على تلك الجرائم ويبكي كل عام على بضعة أنفار لا يزيدون أو ينقصون شيئا في التاريخ أمام مأساة شعب كامل قتل وشرد منه الملايين،وإذا كان شفيقا على هذه العائلة مخلصا لها فلماذا لم ينتفض حينها ويقف إلى جانبهم ليلقى ذات المصير،أم أنه يحاول من خلال هذه البكائيات السنوية الترويج لأمور أخرى أو التنفيس عن عقد في نفسه فلعله من المتضررين من التغير الذي جاءت به الثورة وسلبت أمواله أو أموال أبيه حتى يكون له هذا الاندفاع السنوي في الدفاع عن الملك والملكية والتنديد بالجمهورية وقادتها،فأن ما وراء مقالاته التي تجاوزت العشرات عن هذا الموضوع التي يكتبها بين حين وآخر أسباب غير معلومة لدينا لأننا للأسف الشديد نجهل من هو القرداغي بين ملايين العراقيين،ولماذا يشدد النكير ويدافع هذا الدفاع عن أناس لفظهم الشعب ولا زال يرفض وجودهم رغم تغير العهود والأزمان.

أن الحقد المميت الذي يكنه القرداغي لابد أن تكون وراءه أمور أخرى فالمتضررين من الثورة هم أقل الأقلية لا يزيدون على المئات من الأشخاص الذين كانوا من المتنفذين في العهد الملكي ،وأن تضرر هؤلاء لا يساوي الضرر الذي أحاق بالملايين من العراقيين،بل أن أبنائهم عادوا هذه الأيام يمتلكون ملايين الدولارات وهيمنوا من جديد على أعنة السلطة في العراق،ولكن لم يسفروا عن وجههم السابق كما يسفر بعض المفلسين هذه الأيام وبدئوا يستعيدون مجدهم التليد و أقطاعاتهم التي استولت عليها الثورة،وحققوا من المكاسب الجديدة ما يغني إلى أبد الآبدين ولا أعتقد أن السيد القرداغي لم يحصل على ما يعيد له بعض من ماضي مضاع بدليل أدفاعاته السنوية كل عام للبكاء على الأطلال،والنحيب على الدوارس من أثار الحكم الملكي المقبور.