الرئيسية » مقالات » القوش ما أحلى الرجـوع اليـكِ

القوش ما أحلى الرجـوع اليـكِ

كان السائق الشاب الكردي الذي نقلني بسيارته من جسر ابراهيم الخليل في زاخو الى القوش يسرع بسيارته الجديدة وهي تلتهم الطريق ، وهو ( السائق ) لا يدري ان قلبي يخفق بتسارع اكثر من سرعته حيث سأظفر قريباً برؤية حبيبة عزيزة الى قلبي وقد قطعت الاف الأميال للقاء معشوقتي ( القوش ) ، كانت شمس الغروب تسكب انوارها مودعة يوماً يصبح من عداد الماضي ، واعدةً بأن نورها سيسكب من جديد لبناء يوماً جديداً في سجل الزمن السرمدي .
لقد كانت مشاعر الشوق والحنين يزداد خفقانها حينما عكف السائق الشاب يسمعني الأغاني الشجية القديمة لمحمد عارف جزراوي .
كان منظراً مهيباً وانا اقترب من القوش فينتصب جبلها الرائع بشموخ يعانق اعنان السماء ويحتضن حبيبته القوش كما تحتضن الأم الرؤوم طفلها الوحيد . إجل ايها الجبل كم انت رائع كم انت وفيّ لألقوش ، لقد كنت ايها الجبل ملجاً امينا وفياً لابناء القوش اليوم والأمس ومنذ آلاف السنين .
كات دهشتي لاول وهلة من التوسع العمراني الذي امتد على جوانب القوش فتبدو البلدة وكأنها نسر عظيم ماداً جناحيه نحو الافاق عاكفاً على الأنطلاق نحو السماء ، فكانت لحظة مؤثرة جمعت بين قلبي وبين حبيبتي الغالية القوش . كان لقاءً رائعاً وعزيزاً لا يعرف طعمه ولا يمس اوتار قلبه ويداعب وجدانه إلا من ترك الوطن واكتوى بنار النوى والبعد عن الحبيبة الغالية ، ومع دمعة ساخنة انحدرت من مقلتي ّ رددت مع نفسي ما احلى الرجوع اليكِ .
كل شئ في مكانه منذ ان تركت القوش من سنين وعقود وربما منذ الآلاف السنين جبلها هوائها النقي حقولها المترامية سمائها الصافية الزرقاء المرصعة بآلاف اللألئ ولياليها القمراء الملهمة لانسياب الخيال والمشاعر وانطلاق مكامن الابداعات الفنية والأدبية . أجل ان لوحة السماء في ليالي القوش تعتبر من اللوحات الأزلية لابداعات الطبيعة لهذه المدينة التاريخية .
اليست القوش مدينة مار ميخا النوهدري ؟ والذي تعتبر مدرسته في القوش من المدارس الأولى التي أنشأت في بلاد ما بين النهرين ؟ ووقتئذٍ كانت البلدات والمدن العراقية غارقة في لجة الجهل فيما القوش تتبارى مدرستها في ميدان العلوم واللغة والاداب .. أليست القوش منذ القرن السادس الميلادي هدفاً وملجأً للربان هرمز الذي قصدها وأنشأ ديره العتيد في جبلها الشامخ ؟ وهذا الدير يعتبر ضرباً من ضروب المعالم التاريخية الأثرية العراقية والذي قل مثيله حتى على النطاق العالمي .
وسنعود بالزمن قبل ميلاد السيد المسيح بقرون عديدة ليستقر في هذه الأرض النبي ناحوم الذي ينسب الى القوش في الكتاب المقدس ( ناحوم الألقوشي ) . وبعد ذلك او قبل ذلك هذه كهوفها وآثارها الباقية تشير الى ان هذه الأرض المعطاء كان مسكناً ومستوطناً بشرياً يتأثل الى حقب تاريخية موغلة في القدم . وبعد ذلك اليس من حقي ان اعشق هذه الدرة الثمينة وأحملها في قلبي وضميري ووجداني اين ما احط الرحال في ارض الله الواسعة ؟ اليس من حقي ومن حق الألاقشة المغتربين ان تنبض قلوبنا دوماً بمحبة القوش الحبيبة ؟
إن القوش تتجمل ويشمخ اسمها بما يحققه ابناؤها من اخلاص وشجاعة وتفاني ونجاح في مضامير الحياة . لقد فقدت كثير من الأصدقاء الأحبة ولكن التقيت بأصدقاء طيبين مخلصين آخرين اكثرهم اصغر مني عمراً لا بل ان بعضهم بعمر اولادي فكانت سعادتي كبيرة بان التقي بهكذا شباب مثقفين طموحين نحو العمل والمثابرة لاستكمال ما بدأه الآباء والأجداد على أديم هذه الأرض الطيبة .
إنها حالة رائعة ان يشعر المرء بأن ثمة شباب اوفياء مخلصون يتطلعون ويتفانون ويتعهدون بأن يحملوا راية الثقافة والأبداع وخدمة القوش وخدمة الوطن العراقي العزيز . إنه مبعث للتفاؤل بان الحياة مستمرة وتتقدم نحو الأمام مع هذا الجيل من الشباب المحب للعمل والتضحية في شتى مجالات الحياة ولا احبذ الأشارة الى الأسماء لأنه ربما يفوتني اسم فأكون قد الحقت الغبن باسم ذلك الشخص الطيب .
في العقود الماضية كنت ازور القوش باستمرار ، وجميع الألاقشة يتذكرون بمرارة ايام كان العسكر يضعون نقطة تفتيش في مدخل المدينة ، فكانت الأغلال تكبل هذه المدينة التاريخية ، وكان التعسف والأهانات والظلم يطال ابناء هذه المدينة ، وفوق ذلك كان الحصار الأقتصادي ، فالصعوبات المعيشية كانت تزيد من وطئتها تلك الأجراءات التعسفية الظالمة ، وكان الألقوشي الذي يوفر مبلغاً من المال لشراء بعض المواد الغذائية لعائلته إن كان من اللحوم او من الفواكه والخضر كانت هذه السيطرة تستكثر ذلك الغذاء على الألاقشة الأوفياء فتصادر تلك المواد او تتلفها ، وبهذه العملية اللاأخلاقية واللاإنسانية كانت السلطات تحاول ان تحتقر وتسئ الى هذه المدينة العراقية الأصيلة والتي عرفت بمواقفها الوطنية المشهودة الثابتة ، فكانت مواقفها المشرفة من الحركة الوطنية العراقية عموماً وموقفها الثابت المؤيد لثورة الشعب الكردي الذي كان يخوض معركة تقرير المصير مع الحكومات المتعاقبة على العراق عبر عقود من الزمن .
من الأحبة الذين التقيت معهم كان الصديق نوئيل عوديش ومن بين ما حدثني كان تفاؤله وسعادته بما يحققه الشباب الألاقشة من تقدم ملحوظ في شتى الميادين منها الثقافية والرياضية والفنية ، إن كان في مجال الرسم او الموسيقى او التمثيل وفي كل المجالات . أنها الحرية ، نعم الحرية ، وهل هناك اثمن من الحرية ؟ أنه الهواء النقي لانطلاق الأبداع والمشاعر الوجدانية ، انهم يتنفسون الهواء الطلق دون سموم ودون ضغوط ودون اجبارهم على محاباة لشخص او جهة ، وهكذا كانت الخطوات الأولى في دنيا الأبداع والتقدم الفكري والفني .. .
التقيت بأناس من محبي العمل في المجلس القومي الكلداني وحضرت اجتماعاً لهذا المجلس وكان يحضره الأستاذ ضياء بطرس وكانت قرأءتي لهذا المجلس انه ينطلق من جديد بتصميم وبروح وثّابة ، ثم كانت زيارتي لجمعية الثقافة الكلدانية في القوش ومع الصديقين العزيزين نوئيل عوديش وداود جاورو ، قمنا بزيارة الجمعية الثقافية والأجتماعية في القوش ومقر الحركة الديمقراطية الآشورية وزرت مقر نادي القوش العائلي ، كما زرت الأستاذ مدير ناحية القوش الذي يرى كل السعادة في خدمة مدينته الحبيبة القوش ، وسنزور مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني ، كما ان جمعية الثقافة الكلدانية بالأشتراك مع المجلي القومي الكلداني سينظمان لي لقاء ندوة حول نزيف الهجرة . وسأكتب تفاصيل اخرى عن هذه السفرة الى الوطن ، وبصراحة فإن الوطن عندي يتبلور في في ضميري في بؤرة صغيرة هي الحبيبة القوش ، نعم انها القوش انها الوطن وما احلى الرجوع اليها .
حبيب تومي / القوش