الرئيسية » مقالات » مجزرة قصر الرحاب صورة للعراق عبر التاريخ(1)

مجزرة قصر الرحاب صورة للعراق عبر التاريخ(1)

للسيد مصطفى القرداغي آراء متطرفة عن ثورة 14 تموز 1968 أو الانقلاب المشئوم كما يسميه رجالات الحليفة بريطانيا والكارتل العالمي المعادي لتطلعات الشعوب،وهذا الأمر ليس غريبا على القرداغي أو من هم على شاكلته فالتغيير الجديد أفشل حسابات أسيادهم وأدى بها إلى الدمار وسأحاول في هذا الرد أن أكون موضوعيا رغم أن الموضوعية لا تصلح للحوار هذه الأيام ،وربما سيكون في أفكاري بعض التطرف الذي يصلح أن يكون طريقا للرد على القرداغي وأمثاله من الذين لا يزالون يحملون في قلوبهم وقر على كل ما هو جميل.

لقد نشر القرداغي قبل أيام مقالا عن الثورة كما سبق له أن نشر مقالات كثيرة عنها تنبئ عن حقد دفين لابد أن يكون له خلفيات كثيرة ،نحن في غنى عن الإشارة إليها في معرض الرد والتعقيب ،ووسم مقاله الأخير ب(مجزرة قصر الرحاب جريمة مع سبق الإصرار والترصد) . حشاه بالكثير من الأكاذيب والتخرصات التي لا يوجد لها أثر إلا في خياله المجنح ونفسه الرافضة لكل القيم الوطنية السليمة، محاولا تصوير الأمر وكأنه شاهد عيان لأحداث الثورة ومجرياتها معتمدا على ما أورده سدنة العهد الملكي وأعداء العراق الذين صوروا الأشياء وفق توجهاتهم المريضة وقلبوا الحقائق في محاولتهم لإجهاض الثورة وهو ما تحقق لهم بسبب المواقف غير الحازمة لرجالها والواقفين ورائها ،وعدم استعمالهم الأساليب اللائقة مع الذين حاربوها بمختلف الأسلحة والطرق، واعتماد قاسم على مبدأ (عفا الله عما سلف) الذي جلب الخراب والدمار للعراق والعراقيين وجعل القرداغي ومن لف لفه يعبرون عن تصوراتهم وأفكارهم بهذه الطريقة البعيدة عن الموضوعية والأنصاف.

يقول القرداغي في المنظر الأول من مسرحيته(الحدث : مجموعة من ضباط الجيش العراقي تابعة لتنظيم سري يدعى بالضباط الأحرار تقوم بمهاجمة قصر الرحاب الذي تسكنه العائلة المالكة العراقية وتدكه بالهاونات لتجبر هذه العائلة على الخروج لباحة القصر بملابس النوم ثم يقوم أحد أفراد هذه المجموعة بإطلاق النار على أفراد العائلة وهم كل من الملك فيصل الثاني وخالته الأميرة عابدية وخاله الأمير عبد الإله وزوجة الأمير السيدة هيام الحبيب والملكة نفيسة جدة الملك ووالدة الأمير التي كانت تحمل القرآن الكريم وتضعه على رأس حفيدها بالإضافة إلى عدد من أفراد الحرس الملكي والمرافقين والعاملين في القصر. )

أن الحرب يا سيد قرداغي هي كر وفر وربح وخسارة،وهجوم وتراجع ولها أسلحتها الخاصة وطرقها المعروف،فماذا يفعل الثوار غير دك القصر بالهاونات والأسلحة لإلقاء القبض على المجرم الذي أستباح أرواح العراقيين وأعراضهم عبد الإله، والذي شنق خيرة ضباط الجيش العراقي،هل يهجم العسكر بالورود والرياحين لإخراج الفئران من جحورها،وإذا كان وصيك بطلا هاشميا لماذا لم يدافع عن عرضه وأهله ،بدلا من خروجه رافعا يديه وعلمه الأبيض مستسلما كفأر وقع في المصيدة ثم يلجأ للنساء(أن صحت المسرحية) لتضع المصحف الشريف على رأس طفل من أطفالها، ناسيا السيد القرداغي أن ها المصحف هو ذاته الذي رفعه عمرو أبن العاص في معركة صفين وكانت نتائجه تسلط الأمويين على رقاب الفقراء مئات السنين،فهل يريد أن نخدع مرة ثانية بلعبة رفع المصاحف.

ويرى القرداغي أن صورته (لا تحتاج لتوضيح أو تعليق سمع بها وقرأ عنها بل وعاصرها الكثيرون ولكن للأسف لا يزال البعض يحاول تضليلها وتزويرها وتزويقها لتبدوا كما يتوهم ويحاول أن يوهم الآخرين كصورة لحدث بطولي تخلله (هفوات عابرة) في حين أنها في حقيقتها صورة لمجزرة دموية بشعة سيظل التأريخ يذكرها كوصمة عار في جبين من خطط لها ونفذها وساهم فيها بأي شكل من الأشكال خصوصاً وأنها قد وقعت في حديقة قصر الرحاب أمام عشرات الشهود الذين رووا ووثّقوا ما حدث في ذلك اليوم في الكثير من الكتب التي تحدثت عن الحادثة والتي بحثنا بالكثير منها لنقدم للقارئ صورة عما حدث ونترك الحكم في النهاية لضميره الحي…)نعم أيها القرداغي لقد كان عملا بطوليا عندما هاجم ثلة من الجنود القصر الملكي المحصن بقوات تعادل فوج أو أكثر ومدربة تدريبا خاصا ومزودة بمختلف أنواع الأسلحة،ولكن لم يحاولوا الدفاع عن سادتهم لأنهم كانوا غارقين في اللهو والشرب في الليلة الماضية،وكانت مقاومتهم هزيلة بائسة بسبب الحياة الخاصة التي يعيشها بطانة الحكام والتي تختلف كثيرا عن حياة أبناء الشعب المكتوين بنار الملكية البائدة،لقد أخرج الثوار العائلة المالكة على أمل اعتقالها ،ولكن قيام بعض المقربين من حراسهم بإطلاق النار على المهاجمين جعلهم يردون بالمثل ،وفي المعارك التي يبدو أن القرداغي لم يشارك فيها يحدث الكثير من الرمي غير الموجه فيصيب هذا أو ذاك ولو أجرينا تشريحا على جثث القتلى لعرفنا من مواقع الأطلاقات أن كانوا مدبرين أو مهاجمين،وللسيد القرداغي العمل في هذا المجال وأجراء التشريح اللازم ليرى بطولة عائلته المالكة وكيف استقبلت الرصاص بصدرها.

ويحاول القرداغي الإجابة عن السوأل المحير حول القرار بإبادة العائلة المالكة ،هل كان قد أقر مسبقا أم أنه تصرف آني،ولإكمال أحداث المسرحية على طريقته في لي الحقائق ،يبدأ بالتشكيك بالرأي المخالف لتصوره وقناعته فيقول(بدئاً لنحاول الإجابة على السؤال الذي يثار بين الحين والآخر لخلط الأوراق والتعتيم على ما جرى في ذلك اليوم بل ومحاولة تزوير الوقائع التي رافقت ذلك الحدث وهو هل كان قرار تصفية العائلة المالكة قراراً ارتجاليا أتخذه بعض الضباط الذين كُلِفوا بمهاجمة قصر الرحاب نتيجة للانفعالات التي رافقت تلك اللحظات والعواطف التي سيطرت على المنفذين والظروف التي أحاطت بهم؟ أم كان قراراً مدروساً دُبِّر له بليل وأتخذه عن سبق إصرار وترصّد وقناعة كاملة مخططو الانقلاب ومن سار بركبهم من الإمعات كجزء من خطة تنفيذ الانقلاب؟ )

أن القرار يا سيد قرداغي كان إلقاء القبض على عبد الإله ونوري السعيد وكبار رجال الحكم وتقديمهم لمحكمة الشعب لينالوا جزائهم العادل،ولكن الأمور جاءت على غير ما خطط قادة الثورة،فالمقاومة التي أبداها حرس القصر بعد أخراج العائلة لتسفيرها،جعلت من جاء لنجدة الثورة من الضباط والمراتب المجاورين للقصر الملكي يردون بالطريقة العشوائية وكان ما كان،ولنفرض جدلا أن القرار بتصفية رؤوس الخيانة والغدر من أزلام النظام البائد قد صدر من قادة الثورة،فما الضير في ذلك ،هل هي ثورة أو(لعب جعاب) وإذا قيض للثورة الفشل فهل يقدم عبد الإله ونوري السعيد وزبانيتهم الورود للثوار ،أم يعلقونهم في ساحات بغداد كما حدث لمن سبقهم من الثوار،ثم لماذا البكاء على عائلة استلبت حكم العراقيين وهي وافدة من وراء الحدود وجاءت بقوة الدبابات البريطانية،وعدم البكاء على العراقيين الشرفاء الذين أعدمتهم الطغمة الحاكمة،أن قطرة دم من فهد ورفاقه لا تعادلها جميع دماء العائلة المالكة الغريبة عن العراق والعراقيين،ولا يمكن للعراقيين أن يحكمهم غير أبنائهم ،لذلك فأن ما أصاب العائلة المالكة هو ثمرة حكمها لبلد ليس بلدها وشعب ليس شعبها وهذه هي نهاية المغتصبين.

ولا أدري لماذا علينا أن نصدق ما يقوله القرداغي البعيد عن الحدث ورجاله ولا نصدق ما يقوله من شارك بأحداثها والروايات التي لدينا تشير إلى قيام حماية العائلة بإطلاق النار بعد ان حاول الثوار تكبيل الوصي،والرواية التي يذكرها العبوسي لا تتفق ومنهج القرداغي في أخراج مسرحيته،يقول((قبل توجه آمر الحرس الملكي حاملاً طلبات المهاجمين للحديث مع ولي العهد فُتِحت النار من شرفة القصر التي فيها الملك وعبد الإله ورداً على هذه النار التي يرجح أنها فُتِحت بأمر من عبد الإله أعطِيَت الأوامر بفتح النار على القصر).فيقول القرداغي محاولا تزويق قصته وفبركتها لتنطلي على البسطاء والسذج(وهي فِرية واضحة ومفضوحة مردود عليها بعشرات القرائن والأدلة إذ إن جميع الشهود ومنهم بعض الجنود والضباط الانقلابيين أنفسهم أكدوا بأن الأمير عبد الإله فضّل التفاوض منذ البداية حقناً للدماء وأتخذ بالتشاور مع باقي العائلة قرار التسليم وتنازُل الملك عن العرش وأمر المقدم محمد الشيخ لطيف والنقيب ثابت يونس أن يُبلِغا القرار للمهاجمين لكي يكفوا عن إطلاق النار كما أكد ذلك بنفسه أمام ضابطين من القوة المهاجمة حيث خاطبهما قائلاً ‘ إن كنتم طلاب حق وشهامة فإن هؤلاء الموجودين أمامكم أمانة بأعناقكم وقد قرر الملك التنازل عن العرش وسنغادر العراق إذا سمحتم لنا بذلك وأنا أعطي عهداً بأن لا أعود إليه) وهذه الرواية القرداغية علينا تصدقيها لأنه لا ينطق عن الهوى وأن كلامه من الصكوك التي لا تقبل النقض والرفض، .ويقول وقد قيل أنه أثناء هذه المفاوضات أقترح بعض ضباط الحرس الملكي على الأمير التسلل لخارج القصر أو على الأقل تهريب الملك وكان أكثرهم إلحاحاً النقيب ثابت يونس والملازم ثامر الحمدان وكانا يلحان عليه بعدم الاستسلام وبضرورة القيام بهجوم معاكس لطرد القوة المهاجمة لمسافة عن القصر إلى أن يتدبر الأمر فألتفت إليهم وقال ‘ لا أريد قتالاً حقناً للدماء.. أريد مغادرة البلاد ‘)وهذه الرواية الهزيلة لا تصمد أمام المنطق وغطرسة عبد الإله فالمعروف أن عبد الإله أجرى اتصالات مع قادة الجيش ألا أن أولئك القادة لم يستطيعوا تحريك قواتهم لسيطرة صغار الضباط على الوحدات والحشود التي ملئت الشوارع والساحات،ورفض البعض التحرك لأنهم من المشاركين بالثورة،ولو تهيأ لعبد الإله طريقا للهروب لهرب وترك عائلته لمصيرها،وعمل ما عمله في حركة مايس عندما التجأ لأسياده مع صنوه نوري السعيد وكان ما كان من فشل المعركة،ولعل القرداغي يضحك على عقول الناس بإيراد هذه الروايات التي لا تصمد أمام المنطق ولا تعبر عن الواقع بشيء.