الرئيسية » مقالات » متى تعود كركوك الى اهلها؟

متى تعود كركوك الى اهلها؟

مدينة كركوك التي يدور على تحديد هويتها جدل محتدم يعود تاريخها الى اكثر من خمسة الاف سنة اذ يرجع تاريخ انشائها الى ما قبل الميلاد وقد بناها الكورد (الكوتيون) وكانت تسمى (ارنجا) وغالبية سكانها كانوا من الكورد وكانت عاصمة ولاية (شارزور) وقد حباها الله بالخير الوفير لخصوبة اراضيها الزراعية ووفرة مياهها وكثرة مراعيها وثرواتها الحيوانية فضلا عن كونها مصدرا مهما للثروة النفطية والمعدنية لذلك اصبحت مركز استقطاب الطامعين والمستعمرين لنهب خيراتها وقد تعرضت مرات عديدة لتغيير (ديموغرافيتها) اي تغيير طبيعة (البشر الساكنين فيها واحلال اخرين من غير الكورد محلهم).
فعندما احتل العثمانيون العراق جعلوا منها مركزا عسكريا وتجاريا واستوطنوا فيها الكثيرين من الاتراك وبدأوا يفرضون سياسة التتريك على كل سكانها وبعد سقوط الدولة العثمانية الحق جنوب كوردستان بالدولة العراقية الجديدة، وبسبب ثروتها النفطية بدأ البريطانيون يهتمون بها اهتماما بالغا، فتم عقد معاهدة سيفر عام 1920 والتي نصت بنودها الثلاثة (62-63-64) بتأسيس دولة كوردستان كبقية دول العالم الا ان الكماليين وبقيادة اتاتورك استطاعوا بجهود مكثفة عمل تحالفات سياسية مع دول الاحلاف وخصوصا عند انتصارهم في الحرب اليونانية فاستطاعوا بافشال معاهدة سيفر وابرام معاهدة جديدة وهي معاهدة لوزان التي احبطت امال الكورد تأسيس دولتهم كوردستان وفي الثلاثينيات من القرن الماضي وبعد انشاء مشروع الحويجة والتي اسكنوها من العرب من عشيرتي (الجبور والعبيد) وفي ظل النظام المباد تم التركيز على تعريب المنطقة بشكل مركز بجلب العوائل العربية واسكانهم في كركوك والعمل على ترحيل وتهجير سكانها من الكورد والتركمان والعمل الحثيث على تغيير ديموغرافيتها التي بلغت ذروتها عام 1977 فتم تقطيع اجزائها المهمة والحاقها بالمحافظات الاخرى مثل اقضية جمجمال وكلار اللتين الحقتا بمحافظة السليمانية والحاق قضاء كفري بمحافظة ديالى وقضاء طوز خورماتو بمحافظة صلاح الدين كما الحقت ناحيتا بردي وسركران بمحافظة اربيل اي ان كركوك اقتصرت فقط على قضاء المركز والحويجة وناحية قره هنجير وقد تم تغيير اسمها الى (التأميم) لمحو كل ماله صلة بماضيها المجيد، ووفق هذه السياسة الشوفينية جاءوا بالعرب من وسط وجنوب العراق واسكنوهم داخل مجمعات سكنية في ضواحي المدينة ومنحوهم الاراضي والمبالغ الكافية تشجيعا لبقائهم في المنطقة داخل المدينة كما دمروا ما يقرب من سبعمائة قرية كوردية ووزعوا اراضيهم للعرب الوافدين على المنطقة وفي حملات ما يسمى بالانفال السيئة الصيت عام 1988 اقتيدت عشرات العوائل الكوردية الى جنوب العراق وماتت غالبيتهما من الجوع والعطش في الصحراء الجنوبية ودفنوا في مقابر جماعية. وقد استمرت سياسة تعريب كركوك حتى سقوط النظام البائد عام 2003 فتقلصت مساحتها وتغيرت جغرافيتها الادارية والسياسية فبعد ان كانت مساحتها 20355كم2 موزعة على اربعة اقضية هي قضاء مركز كركوك ومساحته 6991كم2 وقضاء جمجمال ومساحته 2454كم2 وقضاء كفري ومساحته 5214كم2 وقضاء داقوق ومساحته 5696كم2 الا ان المساحة الاجمالية لمحافظة كركوك شهدت تغيرات ادارية واسعة للاعوام (1974-1976) اذ تم اجتزاء اكثر من نصف مساحتها المتمثلة في الاقضية (طوز خورماتو، وجمجمال، كفري كلار والبالغ مساحتها الاجمالية ما يزيد عن عشرة الاف كم (2).
فاصبحت مساحة كركوك عام 1987 ما يقارب (10282)كم2 موزعة على اقضية المركز، وقضاء دوبز الذي يسمى (دبس) وقضاء الحويجة كما تم الحاق ناحية الزاب ذات الاغلبية العربية بالمحافظة وفي عام1997 بلغت مساحة المحافظة قرابة 9679كم2 كما تم استحداث ناحية الربيع والحقت بقضاء المركز اما بالنسبة لسكان المحافظة فقد زادت نسبة سكان الحضر على نسبة سكان الريف بعد عملية الترحيل والتهجير وتدمير القرى والارياف فاصبحت نسبة سكان الريف تمثل 25% ونسبة سكان الحضر تمثل 75% عام 1987.
وحسب الاحصاءات الرسمية استنادا الى احصاء عام 1957 التي سجلت ان نسبة الكورد بلغ 48.35% من مجموع السكان وهي اكثر بكثير من القوميتين العربية والتركمانية الا ان هذه النسبة تناقصت للاسباب الانفة الذكر فاصبحت عام 1977 تمثل قرابة 37.6% بينما ازدادت نسبة العرب فبلغت 44% بعد ان كانت 28% عام 1957 وكذلك انخفضت نسبة التركمان من 21% الى 16% بين عامي 1957-1977، وقد اشار الكثير من الباحثين الى نسب القوميات المتوزعة في محافظة كركوك، اذ ذكر ادمونز في كتابه (كورد، ترك، عرب) ان نسبة الكورد في كركوك بلغت 53% وذكر الكاتب المشهور العلامة محمد امين زكي ان نسبة الكورد في كركوك تمثل 51% والتركمان 22% بينما لا تزيد نسبة العرب على 20% وقد ذكر السيد حنا بطاطو في كتابه (الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق) (1978) مطبعة جامعة برينستون في نيوجيرسي الامريكية جدولا مفصلا يوضح التكوين الديني والاثني (العرقي) لسكان العراق في سنة 1947 استنادا الى وزارة الشؤون الاجتماعية احصاء 1947 بان نفوس الكورد بلغ ما يقارب (900) الف نسمة من اجمالي نفوس العراق البالغ تعدادهم قرابة (4.5) مليون وان تعداد سكان العرب بلغ قرابة (3.244) مليون نسمة وعدد التركمان قرابة (100) الف نسمة والبقية من غير المسلمين فمن هذا السرد الموجز يمكن ان نستنتج حلا مثاليا في تطبيق المادة (140) يرضي جميع الاطراف وهي اولا القيام بعملية التطبيع اعتمادا على احصاء عام 1957 واعتباره كسنة اساس واعادة كافة الاقضية والنواحي والوحدات الادارية الى كركوك كما كانت سابقا واعادة كافة المهجرين والمرحلين كوردا وتركمانا وغيرهم واعادة الحياة الى القرى المدمرة والمهجورة -ثانيا- القيام بعملية الاستفتاء واخيرا تنفيذ المادة (140) وبهذا نكون قد انتهينا من حل اعقد مشكلة تجابهنا في عراقنا الفدرالي الجديد لتحديد هوية كركوك، وهذه المسألة تعتمد على اختيار لجنة من المختصين في الديموغرافيا والجيوبولتك (الجغرافيا السياسية) والطوبوغرافيا واعضاء من وزارتي التخطيط والداخلية وغيرهما. وبدون الاجراءات الانفة الذكر لا يمكن التوصل الى الحل الملائم لمشكلة كركوك الجريحة كما ان كثرة التأجيلات لتنفيذ المادة (140) لا تجدي نفعا وقد تؤدي الى تهميش او اضعاف بعض اساسيات وجوهر المادة 140.

التآخي