الرئيسية » مقالات » الحاج سعود المشهد…المضيف والراية الشيوعية

الحاج سعود المشهد…المضيف والراية الشيوعية

قرن من الزمان ..عاشها بين الفلاحين، مزارعا ،ونقابيا ووجها اجتماعيا له مضيفه العامر وسمعته المجلجلة في أوساط الفرات،في ثورة العشرين عاصر الأحداث وهو في العاشرة صبيا حركا يندفع دون أن يعرف لماذا ليهيأ لوالده فرسه،أو يعد لها العليق لينطلق بها حاملا بندقيته لتنفيذ مهمة قد يدفع حياته ثمنا لها تلبية لداعي الضمير ونداء الوطن،فالاحتلال الإنكليزي لم يترك له صديق بعد ممارساته الجائرة مع العراقيين ومحاولاته اللئيمة لنهب خيراتهم والاستحواذ على ثرواتهم،وكان يطربه المهوال بأهزوجته ،والمرأة بصيحتها المشجعة الدافعة لخوض معامع الحروب،ولا زالت ذاكرته تختزن الكثير من الأهازيج التي رددها الثوار في ثورتهم المجيدة،وما فتيي يداعب مخيلته ذلك الحماس الممزوج بالرجولة الذي كان عليه الناس عندما هبوا لتلبية النداء في طرد المحتلين.

الحاج سعود المشهد من مواليد 1910،وكان عمره عشرة سنوات آنذاك،ولكنه يتذكر الفعاليات التي قام بها الثوار،ويحدد مناطق المواجهات جغرافيا وبدقة تامة لما يتمتع به من ذاكرة مدهشة تختزن دقائق الأشياء،ويروي الكثير من محطات الثورة،وعوامل قوتها وضعفها،فقد عاصر رجالاتها وأستمع لأخبارها ووقائعها،وسمع عن ايجابياتها وسلبياتها،لقربه من الشيخ فرحان ألدبي رئيس قبائل الجبور (وجد شهيدي حزبنا الشيوعي الرفيق البطل عبد الحسن هادي فرحان ألدبي وجبار هادي )الذي كان يكن له التقدير والإعجاب لما يتمتع به من جرأة وأقدام وشجاعة،فقد سمع منه كثيرا عن ثورة العشرين بوصفه أحد قادتها والمشاركين فيها،وأسهم الشيخ المذكور في تحقيق السلم الأهلي وإطفاء الفتن التي حاول المحتل الترويج لها وأشاعتها بين العراقيين لإفشال الثورة والقضاء عليها بزرع الفرقة بين الثوار،وقد أعتقل الشيخ المذكور من قبل سلطات الاحتلال،وإلزامه بتسليم المحتل(300) بندقية،فأضطر أبن أخيه عبود كريم ألدبي إلى استلام رئاسة العشيرة،وتنحية الشيخ عنها لمواقفه المناوئة للاحتلال،وعندما توفي شقيق الشيخ فرحان أبان الثورة أوعز الإنكليز بدفنه دون أقامة أي مظهر من مظاهر الحزن على عادة الأعراب في أقامة العراضة ومشاركة الآلاف في التشيع فكان أمر السلطة آنذاك أن يقوم شقيقه عبود بدفنه بشكل سري وان لا يصطحب معه أكثر من ثلاثة أشخاص،وهو ما مارسته السلطة الصدامية عند إعدام المعارضين لها.

كان والد الحاج سعود على شيء من السعة والبسطة في الرزق،وكان أبناءه من المتعلمين فأوعز إلى نجله الأكبر الحاج عبد مشهد بتعليم شقيقه مبادئ القراءة والكتابة،وحقق نجاحا مذهلا في التعليم وتفوق على أخيه بحسن الخط وسرعة التعلم،مما دفع والده للعناية به ،فكان موضع رعايته و أكثر المقربين إليه فكان يحدثه بأحداث الثورة وملابساتها،حيث كلف ذات يوم مع مجموعة من الثوار بتدمير سكة القطار وإعطابها لمنع القوات البريطانية من إيصال المؤن والعتاد والدعم لقواتها المشتبكة مع الثوار،فنفذت المهمة وتمكن الثوار من قلع سكة القطار وتعطيلها ،مما دفع القوات الغازية إلى استعمال الطائرات والطرق البرية في نقل المؤن والعتاد،وكان القناصة الثائرين لهم بالمرصاد يقطعون عليهم الطرق ويواجهونهم مواجهات حامية كبدوهم من خلالها كثير من القتلى والجرحى،وكان ذلك سببا في إقالة الشيخ فرحان من رئاسة العشيرة ،ومنحها لآخرين كانوا على علاقات طيبة مع الإنكليز.

عاصر الحاج سعود المشهد حكومات العهد الملكي والجمهوري،وعاش معانات شريحته من الفلاحين،وكان قريبا منهم لصيقا بهم يشعر بهمومهم ويعاني لمعاناتهم،وله بينهم المكان المرموق لتبنيه مشاكلهم ومحاولاته لمساعدتهم بما يستطيعه تلك الأيام،بما ورثه عن والده من ثروة كانت معين له على أعمال الخير،التي كان يندفع إليها بإحساس حقيقي بعيدا عن التكلف والرياء.

وله ذكرياته عن حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941 ومشاركة عشيرته فيها بقيادة الشيخ عبود كريم ألدبي،وكان دافعهم الوطني هو الأساس للمشاركة في الثورة والإقصاء والتهميش الذي تعرضوا له من قبل البلاط والإنكليز،وكان فشل الحركة وهرب قادتها وإعدام العقداء الأربعة بسبب المؤامرات الداخلية والخارجية وإفلات الوصي ونوري السعيد الذين استعانوا بالانكليز لمحق الحركة والقضاء عليها،وكانت العشائر المناوئة لهم والمحسوبة على الإنكليز قد هللت لفشل الحركة وإعدام قادتها لتوطيد مكانتهم وإدامة وجودهم،وأدى ذلك الى التعامل مع الشيخ عبود بحقد لمعرفتهم بمعاداته لهم،ومن الأهازيج التي راجت بعد فشل الحركة وهرب رشيد عالي الكيلاني الى ألمانيا ( حبلها وذبها الكيلاني) أي أشعل نارها وهرب تاركا ألناس لمصيرهم مكتفيا بخلاصه من الموت.

ونتيجة المعانات التي يعانيها الفلاح العراقي،والتسلط الإقطاعي وهيمنة الملاكين والمرابين،كان الناس يعيشون تحت خط الفقر،ولا يحصلون على شيء جراء ما يقدمون من أعمال ،فالفلاح العراقي يزرع ويحصد لتتحول جهوده الى أموال لطغمة من الملاكين لا هم لهم إلا قضاء الليالي الحمراء في العاصمة بغداد،ومص دماء الفقراء والمساكين،وكما يقول شاعر العرب الأكبر:

وأن من حكمة أن يجتني الرطبا فرد بجهد ألوف تعلك الكربا

لذلك كان الفلاح العراقي مهيئا لقبول الفكر الجديد ،الذي بدء يمتد ويتنامى في الريف بسعي من الأفندية الذين بدئوا يتحركون في الأرياف من معلمين وصحيين،وكان لبعض رجال الدين المتنورين دورهم الكبير في هذا المجال،فكانوا ينشرون الفكر الوطني في صفوف الفلاحين من خلال المنبر الحسيني ،وإيراد المواعظ الداعية للجهاد ورفض الظلم،والانقلاب على الواقع وتبصير الفلاحين بما يلحقهم من الظلم والإجحاف،وترديد الحكايات التاريخية والوقائع التي كان عليها بعض زعماء المسلمين في الثورة ومحاولتهم لتغيير الواقع بما يخدم الطبقات الشعبية،وكانت ثورة الحسين مثلا للثوار في كل زمان ومكان،لذلك أخذ الوعي يتنامى،

وللعلاقات المتينة التي تربطه بالشهيد كاظم الجاسم بحكم المجاورة والأمور العشائرية فقد بدء يتأثر بأفكار الشهيد الذي كان له تأثيره على عموم المنطقة بحكم علاقاته الواسعة، فما أسرع ما أخذ الفكر الشيوعي طريقه الى تفكير الحاج سعود،وبدء يعي ما يعني الاستعمار والرجعية وما الى ذلك من كلمات لم تكن مألوفة في المجتمع،وكانت مشاركة الجماهير ألفلاحيه في وثبة كانون 1956 التجربة الأولى التي إلف من بعدها الناس المشاركة في المظاهرات،ولذلك ما أن أزف اليوم الموعود وانطلقت جحافل المجد لدك أوكار الخيانة في قصر الرحاب ونجاح الثورة الخالدة حتى أخذ الحاج سعود دوره في الأحداث وأصبح في طلائع المدافعين عن الثورة وأهدافها،وكان من أوائل من لبوا نداء الثورة فقاد الجموع ألفلاحيه في مظاهراتها لتأييد الثورة والاستبسال في الدفاع عنها،ولمعرفة الفلاحين بأخلاقه ونزاهته وعفته ونخوته فقد أنتخب لقيادة الجمعيات ألفلاحيه، وكان في مقدمة الناشطين في هذا المجال،وخير معبر عن تطلعات الفلاحين في مواجهة المؤامرات التي كان ورائها عملاء النظام الملكي والمتضررين من الثورة الجديدة،وبعد صدور قانون الأصلاح الزراعي كان الحاج ضمن اللجان التي أشرفت على تطبيقه ومن أهازيجه في القانون المكور:

اليوم ويه الأكطاعي خوش لاح صواب

بكثر ما جان يظلم بعد ما ينهاب

طلعت مرته تفله وخوش نده حساب

“توطن والله توطن لأمر القائد والفلاح”

للحديث بقية.

***********