الرئيسية » مقالات » العراق: من الحرب على الإرهاب إلى الحرب على الفساد

العراق: من الحرب على الإرهاب إلى الحرب على الفساد

-1-

أصبح الفساد ظاهرة عالمية، لا تخلو منها أية أمة من الأمم، ولا أية دولة من الدول. ولكن المهم أن لا نغمض أعيننا عن الفساد والمفسدين، وأن تكون هناك رقابة صارمة على الفساد، وأدوات وآليات تحدُّ من هذا الفساد وتفضحه إلى أبعد ممكن، حتى لا يطيح بالدولة وينخرها كما ينخر (السوس) ساق الشجرة، ويطيح بها أرضاً. وتلك هي مهمة الدولة العراقية في محاربة الفساد، بعد انتهائها من محاربة الإرهاب قريباً. ومحاربة الفساد الذي ورثه العراق الجديد عن عصور الاستبداد والديكتاتورية هو الخطوة الأولى والعريضة، نحو بناء الدولة العراقية الجديدة.

-2-

وبالأمس، كشف الكاتب الأمريكي وليام آدمز عن زاوية جديدة من زوايا الفساد في الإدارة الأمريكية الحالية، تتعلق بالعراق – وهذا سر اهتمامنا به – في مقال له بعنوان “ثقافة الخداع لتسويق حرب العراق”، فضح فيه عجز البنتاجون عن مراقبة مصروفاته وعقوده في العراق، واستشراء الفساد في هذه المصروفات والعقود. ومن جملة ما قاله وليام آدامز، أن ميزانية البنتاجون تضاعفت منذ عام 2000 في حين بقي عدد المدققين لهذه الميزانية على حاله دون زيادة. وحسب ما ذكر المفتش العام في البنتاجون، فقد أنفق البنتاغون في العام الماضي 316 بليون دولار على شراء أسلحة متطورة، وحصلت نصف العقود فقط على عملية تدقيق كافية. وفي الجانب العراقي، كشف آدامز عن أن الأموال التي تُصرف على حرب العراق فلكية وخرافية في نفس الوقت، وضرب المثال التالي على الأمور التي تُدفع للعمال العاديين هناك، فلقد تمَّ منح عقد بقيمة 321 مليون دولار لشركة مقابل تقديم خدمات ساهم ألف عامل فقط في عملها. وهذا يعني من الناحية النظرية أن كل عامل من هؤلاء حصل على اجر قدره 320 ألف دولار. كذلك تم إصدار شيك بقيمة 560 مليون دولار من وزارة المالية، إلى إحدى الشركات العراقية، التي تتاجر بالعربات في بغداد. وتم دفع المبلغ دون تحديد نوع الخدمات التي قدمت. كذلك تم إنفاق 134 مليون دولار دون أن يتم توفر أية سندات لعمليات الصرف التي قدمت لحلفاء في بريطانيا وبولندا وكوريا الجنوبية. ويبدو أن ائتلاف الإرادات ينتفع البعض منه من حرب أميركا في العراق.

ويختتم آدامز مقاله بقوله:

“مما تقدم نجد أن هناك عمليات غش وخداع ونصب تتم، وهناك تبذير لأموال دافعي الضرائب الأميركيين. الصورة الكاملة لعمليات التبذير والغش تبقى شيئاً غامضاً، ولكن هناك جهات تقدمت بمقترحات عاجلة لمعالجة هذه الصورة القاتمة، ويا ليت الكونغرس يقرُّ مقترحات لوقف عمليات النهب التي تتم. كذلك لا بُدَّ من توفير حماية أفضل لكل من يتقدم للكشف عن أية عمليات سرقة، أو نصب تمَّت. وعدم ترك هؤلاء ليقفوا وحدهم في مواجهة شركات علاقة تمتلك الكثير من النفوذ والنقود.”



-3-

وفي العام الماضي 2007، كنتُ أقرع نواقيس خطر الفساد في العراق الجديد، بعد أن تيقنت من أن مليشيات الإرهاب في العراق، بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتوقعت أنه مع نهاية عام 2008 سوف يصبح العراق خالياً من الإرهاب الخارجي والداخلي إلى حد كبير. وهذا ما نشاهده الآن على أرض الواقع والحمد لله. وستبدأ الدولة العراقية بعد ذلك في دخول معركة جديدة وصعبة، وهي معركة محاربة الفساد.

ومن النواقيس التي قرعتها في عام 2007 بهذا الخصوص ما قلت ملخصه، من أنه منذ عام 2003، وبعد سقوط النظام الديكتاتوري السابق إلى الآن، ونحن نسمع ونقرأ عن فضائح السرقات المالية التي تتم بين وقت وآخر في العراق الجديد، من قبل بعض المسئولين العراقيين الكبار، الذين يتوهمون بأن نظام الطغيان ما زال قائماً. وكان آخرها ما أكده رئيس “هيئة النزاهة العامة في العراق”، القاضي راضي حمزة الراضي.

فقد أكد رئيس “هيئة النزاهة العامة في العراق”، أن مجموع المبالغ التي تُحقق فيها الهيئة ضمن قضايا هدر المال العام، يبلغ 8 مليارات دولار، مشيراً إلى أن هناك 8 وزراء و40 مديراً عاماً محالون إلى القضاء في قضايا الفساد. وقال الراضي، إن الفساد موجود في كل دول العالم، ولكن بنسب مختلفة، وفي العراق يبلغ الفساد الإداري نسباً عالية، ملقياً اللوم على الأوضاع الأمنية السيئة في العراق.
وتساءل الراضي: أين الأمن؟ إذا بعثنا اليوم بمبلغ إلى البنك لا نستطيع ضمان وصوله. وأوضح الراضي أن هناك 8 وزراء و40 مديراً عاماً محالون إلى القضاء في قضايا الفساد الإداري، وكلهم هربوا إلى خارج العراق ومطلوبون.
-4-

إن ما يحصل في العراق من فساد وسرقة ونهب للمال العام، من خلال حوادث كثيرة خلال الأعوام الأربعة الماضية، وكان آخرها ما أشار إليه رئيس “هيئة النزاهة العامة” في العراق، القاضي الراضي، يُحرج الكثيرين من أصدقاء العراق في العالم العربي، ومنهم الليبراليون الذين يقفون إلى جانب العراق الجديد بقوة وشجاعة متناهية، وكذلك الرأي العام الأمريكي والرأي العام الغربي الذي وقف إلى جانب ضرورة تحرير العراق من الطغيان. وهؤلاء جميعاً يقولون بصوت واحد، يكفي العراق ما له من أعداء إرهابيين قتلة ومعارضين للعراق الجديد. يكفي العراق نكباته اليومية في هذه الأعداد من الضحايا التي تذهب مجاناً كل يوم. فلا يجوز للسياسيين العراقيين ورجال الدولة العراقيين أن يزيدوا من نكبات هذا الشعب بسرقة أمواله. وما يفعله الفاسدون في الإدارة الأمريكية تتحمل وزره الإدارة الأمريكية ويتم فضحه بسهولة وشفافية، كما قرأنا في مقال وليام آدمز قبل قليل. والشركات الأمريكية ذات السمعة السيئة، التي سرقت أو حاولت السرقة عن طريق رشوة كبار رجال الدول لتمرير مشاريعها ومقاولاتها، تم كشفها ومعاقبتها بصرامة وشدة كما هو الحال داخل أمريكا نفسها، ونظامها الصارم في مكافحة الفساد وسرقة المال العام.



-5-

تحدث سرقات المال العام في كل دول العالم تقريباً كما سبق وقلنا، ولكن بنسب متفاوتة. إلا أن ما يحدَُّ من سرقة المال العام هو الديمقراطية، التي تقود حتماً إلى الشفافية.

فلا شفافية حقيقية وفاعلة دون ديمقراطية صادقة ومطبقة تطبيقاً كاملاً.
فمن أين يمكن للشفافية أن تتحقق، وأفواه الناس مغلقة؟
ومن أين يمكن للصحافة أن تفضح سرقات المال العام، والصحافة مؤممة، أو مملوكة بنسبتها الكبرى للدولة، راعية الفساد وسرقة المال العام؟
ومن أين للمعارضة أن تشير إلى السارقين والناهبين، والمعارضة مقموعة، فنصفها في السجون، والنصف الآخر مشرّد في منافي العالم؟
ومن أين للقضاء أن يلاحق لصوص المال العام، والقضاء غير مستقل، والهيئة القضائية تحت سيطرة الحاكم، وهي في إصبعه كخاتم الماس، متى شاء خلعها ومن شاء ثبّتها. وأن القاضي لدى الحاكم الديكتاتوري هو عبارة عن خاتم الأحكام، في حين أن القاضي الفعلي هو الحاكم نفسه؟
لذا، نجد أن المجتمع الغربي لا يخلو من سارقي المال العام، ولكن بفضل الديمقراطية والشفافية، لا يلبث هؤلاء اللصوص أن يُكتشفوا، ويتمَّ القبض عليهم, وتتم محاكمتهم, واسترجاع الأموال المسروقة منهم. ولعل البيان الذي أذاعه القاضي راضي حمزة الراضي، هو مظهر من مظاهر هذه الشفافية التي بدأ العراق الجديد يأخذ بها، نتيجة لتطبيق الاستحقاق الديمقراطي الذي أخذ طريقه إلى العراق منذ فجر التاسع من نيسان 2003.
علينا أن نتقي الله في العراق الجديد.