الرئيسية » مقالات » اين هم معارضو الاحتلال الامريكي؟

اين هم معارضو الاحتلال الامريكي؟

خمسُ سنواتٍ، ونحن نسمع زعيق معارضي الاحتلال الامريكي في العراق، وضجيج مقاوميه تلفزيونياً واذاعياً، حتى ظنّ بهم الكثير خيراً، واعتقد بأنهم هم المخلصون حقاً، وما دونهم في العملية السياسية، ليسوا سوى لصوصاً انتهازيين، اصحاب كراسي وسلطة، لا يهمّهم الوطن بمن فيه.

العراقيون معروفون بطيبتهم وحسن نيتهم وسرعة ايمانهم بالآخر، خصوصاً اذا كان هذا الآخر يملأ الفضائيات طولا ً وعرضاً، ويخرج عليهم يومياً اكثر حتى من (نانسي عجرم)، موهماً الناس بأنه ضد الاحتلال ويحاول ان ينتشل هذا الوطن المسكين المهضوم المظلوم المُحتل من واقع الاحتلال الامرو- صفوي، الذي هجّر 5 ملايين، وقتل 5 ملايين، ويتّم 5 ملايين، ورمّل 5 ملايين، فضلاً عن تعويق 5 ملايين، لتصبح النتيجة النهائية، لا احد سالم، وكل ذلك بفعل هذا الاحتلال البغيض.

فكان لسان حالهم يقول .. يا مواطني العراق اتحدوا لنُخرج المُحتل من ارضنا .. لنخرجهم بعزيمة الجيش الاسلامي، وكتائب ثورة العشرين، وانصار السنة، وميليشيات ابو زعبل .. فلنخرجهم جميعاً، ولنجعلهم شذر مذر، لا دار ولا مقر.
هذه الترنيمة خرمت اذن العراقيين للسنوات الخمس الماضية.

اما اليوم فكأن على رؤوسهم الطير، بدا وقد باض عليهم عدداً ما اثقل الرأس من حراك اليمين واليسار .. فليس ثمّة مُناصر يدعم المالكي في مطالبته (جلاء) القوات الامريكية من العراق.
بل ما كان فهو العكس، حيث صدم هذا الموقف كتلا ً وطوائف، كانت بالامس القريب تطالب بالجدولة واليوم منها الهرولة.

ها قد علم العالم اجمع حينما تأتي ساعة الجد ما يفعله (الخونة) من ابناء علي وفاطمة، الذين (باعوا) الوطن كما ادّعى موتورو البعث (الصامد)، واشتروا بثمنه كراسي زائلة انتفضت عليها العمائم السود في واقعة العشرين المشهورة. ليس منهم الاّ المُطالب بخروج المحتل من ارضه وشتان مابين هذه المطالبة الرزنة ومطالبة ناحري الرقاب ومفخخي الاطفال.

اليوم يقف ابناء (المتعة) وحدهم في الميدان، يطالبون المحتل ب(الجلاء) والخروج من ارضهم، بعد ان تخلّى عنهم (العضيد) وتركهم (الخصيم) في هذه المواجهة.. بينما يتفرّج الذي كان قد اقام الدنيا ولم يقعدها صراخاً وضجيجاً ضد نفس المحتل.

ترى ما الذي تغيّر، أليس هو ذات المُحتل الذي احتل العراق في عام 2003، ام ماذا!!
اوَ ليس الذي يريد المالكي (جلاءه)، امريكياً محتلا ً غاشماً كما كان يُسمّى من قبل من سكتوا اليوم!!

عنونت احدى المواقع الالكترونية البارزة احدى اخبارها بالعنوان التالي: “الاتفاقية الامنية وحرب شيعة العراق ضد امريكا” .. كان عنواناً صريحاً وواقعياً، لدرجة لم يستطع حجبها هذا الموقع، رغم انه من ابرز المواقع المعارضة للعملية السياسية العراقية، فالحرب اليوم هي بين الحكومة العراقية التي هي حكومة شيعية (حسب ما يصفها المعارضون) وبين الولايات المتحدة الامريكية حول موضوع توقيع الاتفاقية الامنية.

اشتدت هذه الحرب حينما اطلق المالكي تصريحه الخطير، وهو في دولة الامارت العربية المتحدة، بضرورة تضمين الاتفاقية الامنية القادمة موعداً لجلاء القوات الامريكية من العراق، ويكون متفقاً عليه من قبل المفاوضين انفسهم.
الامر الذي جعل الامريكان ومعهم الكثير من السياسيين العراقيين، سيما المطالبين منهم بجدولة الانسحاب الامريكي في السابق، غير مُصدّقين لما يحدث، بل مصدومين ممّا اسموه بانقلاب المالكي المفاجئ في مسألة خروج المحتل.

الاعتراض الكردي المتمثل بكتلة التحالف الكردستاني، ودهشة جبهة التوافق المُمثلة لسنة العراق على هذه المطالبة، اعطى انطباعاً لدى المراقبين السياسيين، بأن الشيعة وعبر حكومتهم المنتخبة اصبحوا اليوم وحدهم رأس الحربة في مطالبة الامريكان بالخروج من البلد في مقابل حسم الاكراد والسنة امرهم في الموافقة على الاتفاقية الامنية، او على الاقل، عدم الاصرار على تضمينها جدولة الانسحاب كما كانت تطالب من قبل.

وهنا يجب عليّ القول، بأن التوصيفات القومية والطائفية التي استخدمها ليست بالضرورة تعبّر عن الواقع الاجتماعي في العراق، بقدر ما اريد بيان السياسات التي انتهجها ممثلو الطوائف والقوميات، بمعنى آخر، هي توصيفات سياسية للحالة الطائفية التي يعيشها البلد اليوم، ولا تعنيني المسائل العقيدية والفقهية التي تؤمن بها هذه المكوّنات، لأني اتكلم من وجهة نظر سياسية غير طائفية.

عموماً ما اردت قوله، بأن من ادّعوا معارضة الاحتلال ومقاومته في السابق، وطالبوا بجدولة انسحابه في وقت من الاوقات، لم يدعموا اليوم رئيس وزرائهم المالكي في مطالبته القوات المتعددة الجنسيات بالجلاء والخروج من ارض الرافدين، بل قبلوا بالمعاهدة الامنية على ما فيها من شروط، دون ان تكون لهم وقفة صراخ واعتراض كما عوّدونا دائماً بمناسبة وغير مناسبة.
ربما لانهم لا يريدون اعطاء هذه الفضيلة للمالكي بعد ان اتسعت شعبيته مؤخراً.

لكن، هل يحق لنا ان نقول بانهم خونة غير وطنيين وغير محبّين لارضهم، بمجرّد انهم لم يقفوا مع المالكي ضد ابناء العم سام!

كلا والف كلا، بل هي السياسة والمصالح فقط .. وما تكون وطنية عند بعضهم، قد تكون خيانة في نظر آخرين.