الرئيسية » مقالات » من الماركسية إلى الفوضوية….

من الماركسية إلى الفوضوية….

كان سقوط الاتحاد السوفيتي صدمة لم يكن من الممكن توقعها , صدمة أكبر من طاقتنا على الاحتمال , كان انهيارا لأحلامنا و موتا , و لو مؤقتا لقيم العدالة و المساواة , لقد فاجأنا سقوط الاتحاد السوفيتي على حين غرة و أصاب قناعاتنا و عالمنا بأسره بما يشبه الزلزال..رد الفعل الأولي هو أن تحاول فهم ما يجري , أن تشكل بسرعة نظريتك الخاصة , رؤيتك الخاصة عن الانهيار ثم تعود بالضرورة إلى الماضي لتقرأ كل شيء مرة أخرى بعين غاضبة ثم متفحصة , متفحصة بمعنى أنها تريد إشباع عدة رغبات , بعضها متناقض , بعضها دفاعي يتمحور حول الذات , ذواتنا نحن و حول الإيديولوجيا , و الآخر اتهامي يتمحور أيضا حول الذات و الإيديولوجيا , مثلا أن تثبت ربما أننا كنا على صواب , أن تتكيف مع الواقع الجديد المفروض في نهاية الأمر , تصبح الحقيقة , كما سنكتشف أنها كانت كذلك على الدوام و خاصة في الماضي , ثانوية في المحصلة الأخيرة..قرر البعض من شدة الألم و الإحباط الناتج عن الانهيار التحول بشكل ميكانيكي إلى الجهة المقابلة , الليبرالية في أغلب الحالات , و الأصولية الدينية أحيانا أقل , لم يكن الواقع هو المرجع في هذا التحول , في الحقيقة كان الواقع قد فقد أهميته أمام هول الصدمة , القضية كانت باختصار أن الليبرالية بدت منتصرة , و أن الرأسمالية كانت تتربع الآن على عرش السلطة المطلقة في العالم , أن السوق بدت قادرة على مواجهة أزماتها , و ربما كانت أيضا تحمل موقفا “إنسانيا تنويريا” و حتى “ديمقراطيا” , لقد كانت الديمقراطية بالضرورة الاكتشاف الأول بعد السقوط , كان من الواضح أن البيروقراطية قد سحقت الحرية الفردية و الجماعية على حد سواء لدرجة أصبح فيها الحديث عن بنية شمولية , أو بونابرتية بالمصطلح الماركسي , للسلطة حقيقة لا مجال للجدال فيها , إلا من رحم ربك و أنعم عليه بحالة من العمى الفعلي أو البلادة التي يجب علينا فهمها هي أيضا , فهم دوافعها و إدانتها في نفس الوقت لأنها ستعني شيئا واحدا : الاستمرار في مواجهة الواقع بمنطق النعامة أو حتى منطق قلب الواقع لصالح العقائد الجامدة و البيروقراطية الحزبية على حساب كل شيء , خاصة الجماهير..كان على نقد الماضي ألا يهرب إلى الأمام , ألا يدعي أنه قادر على الانتقال إلى الحقيقة التالية ببساطة بنقد أو إهالة التراب على ما أصبح ميتا بالفعل و واضح الخطأ..لقد كنا , معظمنا, هناك نهلل للبيروقراطية و لكبت الحريات و لقتل إرادة الجماهير , ليست القضية في أن نبرر لأنفسنا ما فعلناه أو إعلان التوبة و التبرؤ مما فعلناه , يجب أن تكون إعادة الكرة للبحث عن حريتنا و عن العدالة و عن حلم القضاء على استغلال الإنسان للإنسان مرة أخرى…كانت التروتسكية محطة ضرورية , لكنها كانت قصيرة بالنسبة لي , كان التحليل التروتسكي للستالينية رائعا , كان يأتي من شخص جاء من قلب النظام , من قلب النخبة , كان دقيقا و صحيحا دون شك , لكن الهراطقة التروتسكيين هم الملامون في الطلاق السريع بيني و بين تروتسكي , سرعان ما اكتشفت توني كليف و كورنيليوس كاستورياديس و غيرهم ممن رفضوا توصيف تروتسكي للاتحاد السوفييتي على أنه دولة اشتراكية تعاني من انحراف بيروقراطي , بدا لي أن البيروقراطية الحزبية بقيت عزيزة على تروتسكي حتى مع صدامه المباشر مع قوتها و قمعها , ذهب هؤلاء إلى أن الاتحاد السوفيتي لم يكن إلا رأسمالية الدولة البيروقراطية , كان واضحا بالنسبة لي أن الحكم البيروقراطي الشمولي أكثر عداءا للإنسانية و للحرية من أن يكون مجرد انحراف عن الطريق الصحيح..النقطة الأخرى الأساسية في عملية المراجعة تمثلت في الدولة , في النظرة الماركسية اللينينية لها , هنا لعب النظام السوري دورا دافعا باتجاه مراجعة أعمق لدى الكثير من اليساريين السوريين كما أزعم و أنا بينهم , على التوازي مع انهيار الاتحاد السوفييتي كانت ورقة التوت أيضا تسقط عن عورة النظام , أمامنا نحن على الأقل , أولئك الذين عشنا في الحزب الشيوعي السوري ذا الوجه الأممي الذي كان , على خلاف الشيوعيين في المكتب السياسي و حزب العمل , “حلفاءا” للنظام..اكتشفنا الوجه الحقيقي للدولة التي كنا نعتبرها حتى وقت قصير “دولة التقدم و الاشتراكية” , سقطت مبررات الخضوع للقهر و الاضطهاد السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي الذي كان النظام يمارسه و لم تعد الحرية ضحية ضرورية لا بد منها للانتصار على العدو , ليس فقط أن هذا العدو قد انتصر و أن أنظمة الاستبداد و القهر هي أنظمة الهزائم , بل أن هذا العدو قد أصبح وراء الباب و يد النظام تمتد إليه و تطلب وده رغم كل المناشدات بأن يغير مقاربته الإقصائية تجاه الجماهير أو فقط أن يخفف قبضته من حول رقاب العباد أو يخفف من غلواء فساد أجهزته..كان هذا كافيا بالنسبة للبعض ليعلنوا أنهم ليبراليون أكثر من الليبراليين أنفسهم , متبرجزين أكثر من البرجوازية نفسها و أن يتحدثوا عن طاقات هذه البرجوازية أكبر بكثير مما كانت تملكه, محليا و عالميا..يجب هنا أن أعترف بأنني و أنا أحاول تفكيك حالة الانهيار و ما قبله لم أكن مشدودا نحو الحقيقة المطلقة , لقد اقتنعت بما ذهب إليه نيتشه من أن الحقيقة تلعب دورا وجوديا بالنسبة لنا أكثر من أن تكون حقيقة مطلقة تتجاوز الراهن إلى ما فوق الراهن , لم يعد همي البحث عن حقيقة مطلقة صحيحة بل على العكس التقاط الحقيقة في تطورها الدائم و حالتها النسبية التي تعبر بصدق أكبر عن الواقع و الإنسان كفرد و كمحور للعلاقات الاجتماعية , كاستورياديس في قراءة لاحقة سيصعد هذا الموقف إلى مستوى أعلى عندما يتهم الماركسية بخيانة الديالكتيك بإدعائها القداسة و الإطلاق , إذا انتهيت إلى رفض الأصولية أو التبعية للماضي أو عبادة فكر ما أو اعتبار أي نسق فكري سياسي هو نهاية الفكر أو التاريخ أو التطور , لا شك أن الفوضوية البعيدة كل البعد عن تقديس الواقع أو عن تقديس نفسها أو إلغاء التطور ستبدو , ربما وحيدة , مرشحة لتلبية هذا الغرض , و أن الأصولية , أية أصولية , دينية كانت أو وضعية , ماركسية أو ليبرالية أو دينية , تشكل , كما بدا بشكل واضح بالنسبة لي يومها , أساس الاستبداد السياسي و الإرهاب الفكري و حتى الاستغلال الاجتماعي , كنت في بحثي عن الحقيقة أبتعد عن الأصولية , ربما كانت هذه هي الخطوة الأهم نحو الفوضوية…لم تقنعني تلك المحاولات لاعتبار الدولة كائنا فوق تاريخي , فوق طبقي , الصفات التي نسبها إليها مثلا فالح عبد الجبار في تأملاته من أنها قد انفصلت عن البنية التحتية و أصبحت ضرورة للاجتماع الإنساني , حتى كريم مروة في مراجعاته كان لا يستطيع تصور مجتمع من دون دولة كما كان يقول رغم أنه بقي متخبطا بين دولة على النمط المركزي الشمولي و بين الدولة الليبرالية التي تراقب السوق و هو يعيد إنتاج فضل القيمة مرة تلو أخرى لتتدخل فقط إذا وصل التوتر الاجتماعي إلى حدود تتجاوز حد السلامة الاجتماعي المطلوب لاستمرار النظام , في الحقيقة إن هذا التخبط و عجز النموذج الرأسمالي أو الستاليني عن تلبية حاجات الإنسان أو عن تحقيق الحرية و العدالة الفعلية , الشيء الذي خلق هذا التخبط بين هذين النموذجين , هو ما كشف لي ضرورة البحث عن صيغة مختلفة للسلطة السياسية أو آلية اتخاذ القرارات في المجتمع البشري , لم تكن الدولة التي أعيش في ظلها فوق طبقية , و كذلك لم تكن الدولة الأمريكية و لا الدول الأوروبية تخدم كل أفرادها , وصل بوش إلى سدة الحكم و معه وصفة متكاملة لتركيع العالم و الأمريكان قبل غيرهم باسم الإرهاب , هكذا كان الواقع يثبت تماما عكس ما ذهب إليه فوكوياما في نهاية التاريخ أما التجربة الأوروبية الشرقية قبل و بعد الانهيار حيث استبدل بكل بساطة الشكل الشمولي لسلطة البيروقراطية بشكل تمثيلي دون أي تغير جدي في حالة الجماهير و لا في وضعية السلطة نفسها , فقد أكدت أن الديمقراطية التمثيلية يمكنها أن تحقق مصلحة الطبقات السائدة أولا دون أي معنى بالنسبة لحالة الناس و خاصة حريتهم السياسية و الاقتصادية , بدت محاولة الرأسمالية إيقاف التاريخ عندها أشبه بمحاولة محاكم التفتيش إيقاف الأرض عن الدوران , و لكنها كانت تدور !!..لكن ما هو إذا الخطأ الذي طرأ في الثورة الروسية فأنتج وحشا مثل ستالين و بيريا ؟ هل كانت الصدفة المحضة هي التي أبعدت لينين أو تروتسكي عن مركز المشهد في اللحظة الحاسمة و جاءت بستالين , أم أن الخطأ كان في مكان ما آخر ؟..تعرفت عندها تدريجيا على باكونين , تلك الروح المضطرمة بعشق لا ينطفئ للحرية , ذلك التوق الدائم إلى فضاءات لا تعرف القيود , كنت قد تجاوزت سن الرومانسية الثورية لكن كتابات هذا الرجل و هو في الستين كانت تستطيع أن تنقل عدوى التوق للحرية إلي..كان باكونين و كروبوتكين الفوضوي الروسي الآخر أشبه بشياطين يستحقون التكفير و التحريم بالنسبة للماركسية السوفيتية , تماما كما يتحدث ابن تيمية مثلا عن ابن عربي أو فرق الغلاة..لكن النقلة الأخيرة نحو الفوضوية لم تكن بفضل باكونين أو كروبوتكين بل بفضل لينين نفسه , في كتابه الدولة و الثورة يرسم لينين مقاربته الخاصة التي يفترض أنها تتكئ على مقاربة ماركس نفسه..حدد لينين مقاربته للدولة وفق النظرة الماركسية التي ترى فيها دولة طبقية و هذا صحيح من دون شك , و أنها ترتبط بوجود الطبقات , و هذا صحيح أيضا كما أرى , و أنها ستزول بزوال الانقسام الطبقي..و لذا دعا لتحطيم جهاز الدولة القديم و وضع كل السلطة بيد السوفيتيات , تلك المجالس التمثيلية التي اخترعتها الطبقة العاملة و الفلاحين و الجنود لتشكل بديلا عن السلطة السابقة , لم يكن بوسعي إلا الموافقة على هذا الاستنتاج اللينيني تماما , أما نقطة الافتراق مع المقاربة اللينينية فهي مع النتيجة التي انتهى إليها لينين , أراد لينين أن يبقي على الدولة و أن يستخدمها في بناء الاشتراكية , كان من الواضح أن هذا الاستنتاج لم يكن متناقضا فقط مع إعطاء كل السلطة للسوفيتيات عندما أصر لينين على خلق سلطة موازية بل و متقدمة و فوقية على هذه السوفييتات , بل أنه كما أثبتت التجربة اللاحقة جاءت تأكيدا لنبوءة باكونين من أن السلطة ستتحول بيد الثوريين السلطويين إلى أسوأ أنواع الأنظمة المستبدة , كان موقف لينين من الدولة , كاستمرار لموقف ماركس , هو كما أزعم مصدر هذا الخطأ ( إذا اعتبرنا أنه مجرد خطأ ) الذي أدى إلى هذا الانهيار , ليست القضية إذا في استيلاء حزب ما باسم الكادحين و المستغلين على السلطة , بل في أن يقوم هؤلاء ببناء مؤسساتهم التي تقوم على الحرية الطوعية و على جمعنة وسائل الإنتاج , ليست هذه نهاية التاريخ , على العكس , إنها بداية لإشباع أقصى للإنسان , الفرد و المنتمي إلى جماعة المنتجين الأحرار المتساوين , لن يحقق الإنسان حريته على الفور و سيحتاج لفترة من الوقت لتجاوز الهوة في المعرفة و التطور الروحي الداخلي و المهاري بين البشر , كما أن التغلب على العقد التي عملت السلطات المختلفة , التي جوهرها هو القمع , على تكريسها داخل البشر خاصة داخل ضحاياها , سيتطلب وقتا , لكن هذا هو الطريق الحقيقي نحو الحرية , نحو الأناركية الشيوعية , نحو الفوضوية الشيوعية , نحو تحقق حقيقي و كامل للبشر دون أي قيود…..