الرئيسية » مقالات » الثقافه وهيمنة الدكتاتو ر – القسم الثاني

الثقافه وهيمنة الدكتاتو ر – القسم الثاني

تحت هيمنة الدكتاتور وأزلامه تتكاثر الخطوط الحمراء كالأميبا في المياه الآسنه . فالدكتاتور الذي تسيطر على عقليته النرجسيه هواجس وهواجس لاحصر لها ويتصور دائما أنه يعيش مرحلة الخطر ويتوجس خيفة من كل كلمة حره تنطلق من هنا أو هناك أو يتفوه بها أحد من الناس فتذهب حياته ثمنا لتلك الكلمه وقد ذهب العشرات من الذين كنت أعرفهم نتيجة وشايه نفلت ألى دوائر الأمن التي غطت كل مساحة عراقنا العزيز وهذه حقيقه يقر بها كل منصف في العراق .

الدكتاتور لايهمه تقدم البلد ويحاول عزل الشعب في سجنه الكبير المحاط بالأسوار العاليه ويحاول منع شعبه عن السير في ركب الحضاره والتقدم فهو دائما يكثر من العسس والأذناب والطحالب البشريه التي تحصي أنفاس الناس وتراقب تحركاتهم في كل مساحه من مساحات الوطن .

لقد كان العراق في زمن الدكتاتور أشبه بسجن كبير معزول عن العالم فالستلايت وجهاز الموبايل ممنوعان والأستماع ألى الأذاعات الأجنبيه ممنوع وكل من يشتبه في اقتناءه بعض الكتب ككتاب فلسفتنا أو اقتصادنا للشهيد محمد باقر الصدر يعدم فورا .

وهناك قصص أغرب من الخيال حدثت لي شخصيا في زمن الدكتاتور وسأذكر بعضها لأذكر هؤلاء الذين يتغنون اليوم بذلك العهد الأسود ولا يقبلون ذكر مساوئه بحجة أن الأمن كان سائدا في ذلك الزمن وأنا وغيري من المنصفين يقولون لقد كان الرعب سائدا في ذلك الزمن وعندما حدث التغيير وانهارت جمهورية الرعب أنطلق الشعب من القمقم. والأحتلال البغيض الذي ترك حدود العراق مفتوحه لكل من هب ودب يتحمل الكثير من وزر الجرائم التي قام بها أعداء العراق نتيجة القتل العشوائي للمجرمين التكفيريين ومن يدعمهم من خارج العراق وألى يومنا هذا نرى العديد من الأنتحاريات يقدمن على قتل الأطفال والنساء في الأماكن العامه بعد أن أفلست هذه القوى وخسرت المعركه التي شنتها على العراقيين ولكن الذين يحرفون الحقيقه ويتجنون لايذكرون هذه الأمور التي لايمكن أنكارها لأنهم ملتصقون بذلك النظام وتربوا في أحضانه عشرات السنين وبلغوا حد التخمه في سلب ونهب أموال الشعب لذا تراهم يدافعون عن ذلك العهد الدكتاتوري بمناسبه وغير مناسبه .

لقد كنت جالسا في أحد الأيام مع صديق لي في نقابة المعلمين في مدينة الكوت وتحدثنا عن انعدام محصول الطماطم في تلك الفتره فقلت لصاحبي ربما سيأتي اليوم الذي ننسى فيه الطماطم في بلاد الرافدين وكان أحد جلاوزة النظام يتنصت لما نقوله ولن ننتبه له فاتجه نحونا مسرعا وقد انتفخت أوداجه وقال بالحرف الواحد ( لماذا تسبون الرئيس ؟ )فقلت له أي رئيس فأجاب السيد الرئيس صدام حسين وهل يوجد غيره ؟ فقلت له نحن كنا نتكلم عن شحة محصول الطماطم فما علاقتها بالرئيس ؟ فأجاب أنا أعرف ذلك فعندما تتحدث في هذا الموضوع فأنك تحرض على التمرد والعصيان والتذمر والمس بأمن الدوله ومادام السيد الئيس على رأس الدوله فأنت تذم الرئيس بصوره غير مباشره وتخلصت وصاحبي من ذلك الموقف الرهيب بعد لأي والذي قال لي هذا الكلام مايزال حي يرزق ولا أريد ذكر أسمه .

والقصه الثانيه تم ألقاء القبض علي وعلى زوجتي في العاشر من آب عام 1986 بحجة هروب أبني من معسكر لتدريب طلاب الكليات ألى ماسموه بلد معاد وهو سوريا وكان عمر أبني 19 عاما ولم نعلم به مطلقا عندما هرب وعندما تم استجوابنا قلت لضابط الأمن المدعو ( جمال السعدون ) أنا لاأعلم بقضية هروب أبني ألى سوريا وعمره 19 عاما وأذا كنتم تعتبروني مذنبا فما ذنب زوجتي لتسجن وقد قال الله في محكم كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ( ولا تزروا وازرة وزر أخرى ) فأجابني على الفور( أنتما مذنبان وفق قانون السيد الرئيس ونحن لانعترف بما قلته وأذا كررت ذلك سأقطع لسانك . وعندما دخلت السجن تعرفت على الكثير من المدرسين والمعلمين والمثقفين ومن اليافعين الذين لم تتجاوز أعمارهم العشرين عاما تهمتهم ( سب الرئيس ) نتيجة لتقارير أمنيه وهؤلاء كانوا يساقون ألى ساحات الأعدام في المحافظه وفي مكان كان معسكرا للتدريب العسكري وسط زغاريد عضوات اتحاد النساء الصدامي اللواتي كن يذهبن بكامل زينتهن ألى ذلك المكان بسيارات الحزب والأمن حيث يرقصن على أصوات الطلقات الناريه التي كانت تخترق تلك الأجساد الغضه البريئه وهي تشكو ألى خالقها وكان يطلق على ذلك اليوم ب( يوم الملحمه ) وقد كانت تلك الأوامر تصدر مباشرة من الدكتاتور صدام حسين وتسلم تلك الجثث البريئه ألى ذويها ويطلب منهم تسليم 30 ألف دينار ثمنا للأطلاقات الناريه ويطلب منهم دفنهم بدون أي صراخ أو بكاء والأ سيكون مصير العائله الموت أذا لم تتقيد بالتعليمات وهنا أسأل كل دعاة حقوق الأنسان في العالم هل قرأوا أو سمعوا امتهانا لكرامة الأنسان بهذه الصوره المتوحشه والرهيبه . كل هذا كان يحدث في العراق لكي يبقى الدكتاتور متربعا على جماجم الناس لأطول فتره ممكنه .

وأريد أن أذكر حادثه أخرى مرت بي فلقد تأخر ترفيعي الوظيفي لمدة ثلاثة أشهر دون أي سسب فذهبت ألى مجلس الخدمه العامه آنذاك لأن الترفيعات كانت تصدر من هناك وقابلت مدير الدائره القانونيه في المجلس وشرحت له الأمر وكان ترفيع الموظف مهما في حياة الشخص في السبعينات فأوعز هذا المدير ألى أحد الأشخاص لأحضار أضبارتي وبعد ساعه حضر ذلك الشخص ومعه أضبارتي وقال لمدير الدائره القانونيه لقد وجدنا أضبارته مرميه تحت أوراق كثيره . فقال لي المدير سيصدر أمر ترفيعك أعتبارا من هذا اليوم فأجبته والأشهر الثلاثه الماضيه ؟ فضحك وقال ( أنت زعلان على الأشهر الثلاثه وناس راحت للأعدام وهي لاتدري لماذا يمعود أخذ ترفيعك وروح أشكر ربك ) فما معنى هذا ؟ معناه أن الرجل قال لي بصوره مباشره مادمت تتنفس الهواء تحت هيمنة الدكتاتور فأنت بخير لأن حياة الناس مرهونه برضا الدكتاتور ورفضه ومتى ماأراد مصادرة حياة الأنسان فأنه سيفعل ذلك دون أن يرمش جفنه .

ومن المفارقات الغريبه أن يذكر الشاعر الراحل نزار قباني موضوع الطماطم الذي كاد ينهي حياتي ويربطه بموضوع الدكتاتور في أحدى قصائد والمعنونه ب ( أحمر أحمر أحمر ) وهو يقصد الخطوط الحمراء التي يكثر منها الدكتاتور وجلاوزته حيث يقول نزار في أحدى مقاطع هذه القصيده التي سأتناول الكثير من مقاطعها في الحلقه الثالثه والأخيره

أنت لو حاولت أن تقرأ يوما

نشرة الطقس وأسماء الوفيات وأخبار الجرائم

لوجدت الضوء أحمر

أنت لو حاولت أن تسأل عن سعر دواء الربو

أو أحذية الأطفال أو سعر الطماطم

لوجدت الضوء أحمر

ومن المؤلم حقا في هذا الوطن العربي المنكوب بهذه الدكتاتوريات الدمويه أن تبدل هيئة تحرير لجريده بكاملها وتزج في السجن لظهور خطأ مطبعي في تلك الجريده غير أسم الرئيس الى ( اللحيس ) وقد شهدت ذلك بنفسي في أحدى الدول العربيه المجاوره للعراق لأنني كنت أكتب في تلك الجريده لسوء حظي ولم أر رئيس التحرير وجماعته منذ ذلك اليوم الذي ظهر فيه الخطأ المطبعي .

ولقد وقف دكتاتور صغير وهو أبن لدكتاتور يحكم منذ 40 عاما شعبه بالنار والحديد حيث قال في مؤتمر صحفي ( المس بالرئيس خط أحمر ) أذن الأنسان العربي اليوم يعيش في زمن الخطوط الحمراء التي لاتنتهي عند حد وقد قال الله في محكم كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون الا بأنفسهم وما يشعرون ) الآيه 123 – سورة الأنعام هذا هو حال الشعوب تحت هيمنة الدكتاتور .

وأذكر حاله أخرى كانت سائده في عراقنا الجريح في زمن الدكتاتور حيث كان لي العديد من الأصدقاء يحملون شهادات عليا كالماجستير والدكتوراه في مختلف الأختصاصات العلميه والأنسانيه ولكن النظام نقم عليهم وعينهم كتابا وموظفين من الدرجه السادسه في دوائر هامشيه لينال من معنوياتهم ذنبهم الوحيد أن أحد أقربائهم من الدرجه السادسه كان منتميا ألى حزب الدعوه ولكي يطبق عليهم ويدمر حياتهم تماما فقد وضعهم في القائمه السوداء ومنعهم من السفر ليموتوا كمدا. وأخيرا أريد أن أقول كم من المثقفين والعلماء والمفكرين سحقتهم طاحونة الدكتاتوريه وقضت عليم لأنهم رفضوا حياة الذل والعبوديه تحت سياط الجلادين ؟ وكم من الأميين والجهله والفاسدين كانوا في الصف الأول يتحكمون برقاب تلك العناصر النقيه المثقفه . فالقيم والمبادئ العاليه والدرجات العلميه تصبح كلها العدو الأول للدكتاتور مادامت ترفض الذل والهوان تحت هيمنته . وسأتناول صفحة أخرى من هذا الموضوع في القسم الثالث أن شاء الله .