الرئيسية » مقالات » خمسون مضين ولازال الحب باقيا

خمسون مضين ولازال الحب باقيا

تمر الذكرى الخمسين لثورة الرابع عشرمن تموز ، ونحن لازلنا بعيدين عن تحقيق الاماني الغالية التي حلم بها الضباط الاحرار الوطنيين ، فوطننا قد فقد سيادته وتعرض للاحتلال بسبب تسلط الحكم الديكتاتوري الفردي الذي جاء بعد الانقلاب الدموي على ثورة تموز وقام بقتل القائد الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم ، أن الانقلابيين الذين اطفئوا شمس تموز ، ادخلوا وطننا في بحر من العذاب والأحزان والمصائب بقتلهم الاحرار والاخيار وتسليطهم للاشرار والفجار ، واجتمعت كل قوى الشر بكل الوانها من القوى والأحزاب الرجعية تساندها القوى الاستعمارية لإسقاط الثورة التي اخرجت العراق من حلف بغداد البغيض ، وجاء العفالقة وحلفائهم للسلطة راكبين القطار الأمريكي ليقدموا الخدمة الاكبر للاستعمار العالمي عبر ضربهم للقوى الثورية المناهضة للمشروع الغربي ، وتدمير الوحدة الوطنية ، وتحطيم امكاناتنا العسكرية باقحام جيشنا بحروب عبثية أتعبته وحطمت معنوياته ، وخلقت مأسي اجتماعية ، ومزقت النسيج الاجتماعي الطيب لشعبنا العراقي ، ودمرت المقدرات الاقتصادية للبلد ، وتعرض وطننا لأسوأ حكم فردي دموي وحشي عرفه التاريخ ، تسبب في إضعاف الحس الوطني ، حيث أراد شعبنا الخلاص من وحشية السلطة الصدامية الدموية ، فتجرع شعبنا مكرهاً سم الاحتلال الممزوج بعسل الحرية يحلم بالأنعتاق من الديكتاتورية الصدامية ، أن الصداميين الذين اخرجتهم من السلطة حماقاتهم وغرورهم وتمردهم على اسيادهم الأمريكان الذين دعموهم في كل حماقاتهم ، ادخلوا بلدنا من جديد في دوامة العنف بدعمهم عصابات الإرهاب الطائفية يحلمون بالعودة للحكم بأي ثمن ، حتى وان اغرقوا وطننا مرة اخرى ببحر الدماء ، عليهم قبل كل شيء تقييم تجربتهم وتصويب سياساتهم وادانة مرحلة الديكتاتورية الصدامية وجرائمها كي يستطيعوا الاقتراب لشعبنا والتيقن بان قوى الارهاب لن تخدم سوى الاحتلال ، أن النضال ضد الاحتلال لايكون بالضرورة عبر الوسائل العسكرية وحدها ، فليس الكفاح العسكري هو الطريق الوحيد المثمر في مقاومة المحتل ، ففي ظروف العراق الحالية وتعقيداتها التي سببتها الديكتاتورية الصدامية والمصالح الذاتية للدول المتدخلة والأحزاب والتنظيمات الطائفية ومليشياتها المجرمة ، وماتسببت من ضعف اللحمة الوطنية تجعل من الحكمة اللجوء للطريق السلمي في مقاومة المحتل في الوقت الحاضر ، وتحقيق الوحدة الوطنية قبل كل شيء ، واحترام كل الاجتهادات في مقاومة الاحتلال ، وفق منهج سياسي وطني يستند على احترام وتقدير لكل أطياف النسيج الوطني للحفاظ على الوحدة الوطنية التي مزقتها السياسات اللاوطنية لنظام صدام الذي حاول قتل الزعيم قاسم تحت دعاوي معاداة قاسم للوحدة القومية وإذا بالعفالقة يتسببوا بتفكيك عرى الوحدة الوطنية سياسياً واجتماعياً وخرج العراق اثر أربعة عقود من ليل حكمهم الدامي محطماً من الناحية الاقتصادية وجريحاً تنزف كل أطرافه .
لقد قضت الديكتاتورية السوداء التي اجهضت ثورة تموز على كل أحلام الثورة وعلى امال وتطلعات شعبنا في بناء نظام وطني ديمقراطي تقدمي ، يحقق التطور الاقتصادي والاجتماعي ، وتسبب الانقلابيون في تعريض وطننا للاحتلال واعادة عقارب الزمن لعشرات السنين ، وهذه معجزتهم الوحيدة ، إذ تراجع الواقع الاجتماعي والاقتصادي إلى سنوات ماقبل الحضارة الحديثة .
وتسبب سياسة العفالقة المتسمة بالتعصب القومي والمذهبي وقمع المشاعر الدينية والقومية لبعض أطياف المجتمع العراقي ، إلى خلق ردة فعل اجتماعية سلبية خدمت أهداف القوى والاحزاب الطائفية المرتبطة بجهات خارجية ، أن عسكرة المجتمع وشيوع الفقر ومحاربة القوى الديمقراطية أدى إلى انحسار الثقافة والتعليم وخلق المناخ السياسي والاجتماعي الذي ساعد في وصول قوى سياسية للحكم في العراق ماكان لها أن تحكم العراق لولا الاشكاليات والتعقيدات والمعادلات السياسية اللاوطنية التي تسببوا بها ، والتي خلقتها ايضاً ظروف الاحتلال ومصالح المحتل والدول المتدخلة التي دعمت قوى سياسية لا يتقبلها الشعب العراقي المعروف بتاييده للقوى السياسية الوطنية .
أن شعبنا العراقي إذ يتذكر بحب ممزوج بحزن وألم عميق ثورة تموز وزعيمها الوطني الخالد عبد الكريم قاسم الذي انحاز للفقراء ، وكان قائداً وطنياً حقاً ، سيقى عنواناً للوحدة الوطنية وللشرف والنزاهة ، وسيقى زعيماً شعبياً يعيش في قلوب وضمائر الناس لعقود طويلة ولقد أثبتت الأيام أن اعداء ثورة تموز كانوا اعداء الشعب العراقي ودمروا تجربته الوطنية التي كانت ستجعل العراق في مقدمة الدول المزدهرة والسعيدة .
سلام لكل القوى الديمقراطية والوطنية ، يجب أن لا ننسى أهم أهداف ثورة 14 تموز الخالدة وهي تحرير العراق من الهيمنة الاستعمارية ، والقضاء على الظلم التي تعرضت له الطبقات المحرومة في الريف والمدينة وتحسين ظروف حياتها ، والقضاء على الظلم التي تتعرض له المرأة ، حيث اصدرت ثورة 14 تموز قانون الاحوال الشخصية الذي يعتبر منجزاً تقدمياً لرفع الظلم والجور والاحتقار الذي تعانيه المرأة ، أن الحكم الديكتاتوري الصدامي تسبب في تمزيق الرباط الأسروي واضعاف القيم الاجتماعية النبيلة ، حين أراد أن يحول المرأة إلى بضاعة استهلاكية رخيصة في سوق ملذات ومتع أقطاب حكمه البغيض ، أن الفكر الاشتراكي الذي يحمله ورثة ثورة تموز الأوفياء ، لم يكن هدفه نشر الفقر بل محاربة الفقر ونشر الغنى والاكتفاء والسعادة ، وفي قضية المرأة كان هدفهم إنصاف المرأة واعطائها حقها في حياة انسانية كريمة ، ومنحها الحق في التعليم والعمل واختيار الزوج والحفاظ على الاسرة والأبناء ، وعدم السماح للرجل باستغلال المرأة وتحويلها لبضاعة استهلاكية تخضع لقانون العرض والطلب ، الناجم عن موروث اجتماعي متخلف تسانده القوى الرجعية والطبقات والفئات المنتفعة التي حاولت أن تستخدم الدين كغطاء يبرر الظلم التي تعانيه المرأة وبدعوى أن الآخرين يريدون افسادها ، أن الذي يريد افساد المرأة وتحويلها إلى كأس للماء لايحترم انسانيتها ولايحمل فكراً انسانياً عادلاً ، أن هذه القوى استخدمت الدين كغطاء لتعطيل الكثير من منجزات تموز ولاجهاضها ولتبرير الظلم بحق الطبقات والفئات المضطهدة.
حاولت ثورة تموز أن تحقق السعادة لكل أفراد المجتمع وخاصة الفقراء بتوفير السكن والعمل لهم ، بينما حول اعداء تموز الاغنياء إلى فقراء فاتسعت دائرة الفقر ، قدمت ثورة تموز البيوت للفقراء بينما حطم اعداء ثورة تموز حتى بيوت الاغنياء ، فحولوا العراق إلى خرابة كبيرة بشوارع متهالكة ومزابل تفترش الحارات والطرقات ، كان قائد ثورة تموز الزعيم عبد الكريم عنواناً للنزاهة ، فلارصيد نقدي ولادار مميزة ، بينما نهب اعداؤه ثروة الوطن لصالح ارصدة نقدية لهم في بنوك دولية وبنوا القصور وملكوا البواخر واليخوت ، لم يحقق قائد ثورة تموز عبد الكريم قاسم غرضاً شخصياً له ولاقربائه فبقي شقيقه نائب ضابط ، في حين حول اعداء تموز أقاربهم أشباه الاميين إلى قادة عسكريين كبار ، ومنحوا الآخرين مناصب وزارية ، حيث وزعت المناصب والوظائف الكبيرة بدافع القرابة والولاء الحزبي والانتماء العشائري والمذهبي ، وحرم المواطن خارج هذه الاطر الضيقة من الحصول على حقوقه ، وساهمت سياسة القمع وتكميم الافواه وقطع الالسن إلى انتشار الفساد والخراب وضاعت الأموال والحقوق العامة ، وشاعت فكرة التحزب والانتماء كوسيلة من وسائل تحقيق المكاسب الشخصية .
سلاما لك أيها الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم ، أن مافعله بك اعداؤك من محاكمة همجية دامت بضعة دقائق يدل على طبعهم الاجرامي فلم يسمحوا بدفن جثمانك فهم لايسمحوا حتى بقبرٍ لضحاياهم ربما بدافع الحقد أو إخفاء معالم الجريمة ، لايضرك ذلك فانت تنام في قلوب الناس الشرفاء .
تمر هذه الذكرى ولازال بعض من قتلوك طلقاء ولم تجري محاكمتهم على جرائمهم بحقك وبحق إخوتك من الضباط الوطنيين والمناضلين الشيوعيين أنصار ثورة تموز ، تمر الذكرى والوطن محتلاً ، ولازال انصارك مهمشين فهم اعداء الاحتلال والهيمنة الاجنبية كيف لا وهم الوطنيون الغيارى وهم حملة شعار وطن حر وشعب سعيد ، لايمكن أن يكون شعبنا سعيداً في ظل الاحتلال الذي ضحى الزعيم قاسم بحياته لتخليص العراق من حكم اعوانه .
سلاماً لأبناء ثورة تموز، واشجع انصارها وسانديها ، الشيوعيين البواسل الذين هيئوا الارضية السياسية التي قامت عليها ثورة تموز ، الذين بقوا أوفياء لثورة تموز وقاوموا الانقلابيين وبذلوا حياتهم للدفاع عنها ، وقدموا الآلاف الضحايا ، من اشرف أبناء شعبنا الغيارى ، واكثرهم اخلاصاً للوطن والناس ، سلاما لشهداء ثورة تموز عبد الكريم قاسم وفاضل المهداوي ، ووصفي طاهر وماجد محمد امين وسلام عادل وغيرهم من شهداء الشعب العراقي .