الرئيسية » مقالات » المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي بين العراق وتركيا

المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي بين العراق وتركيا

حددت ديباجة الإعلان السياسي المشترك لتأسيس المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي بين العراق وتركيا الذي أعلن عن انبثاقه في العاشر من تموز في بغداد، بأن البلدين يتقاسمان ذات الأفكار حول الأهداف الإقليمية للترويج للسلام والاستقرار والحرية والازدهار وتطوير آلية الحوار لزيادة التعاون والتنسيق الاقتصادي.

و بهذا التحديد وصف دقيق لما يحتاجه البلدان في الظروف الحالية العصيبة التي يمران بها مع عموم بلدان المنطقة، و يمتد هذا الوصف كذلك إلى حاجة البلدين بل وشعوب المنطقة في مرحلة الاستقرار التالية المنشودة. فالسلام وأجواؤه والاستقرار وانعكاساته هما المناخ الطبيعي الذي تتوفر في ظله عوامل الركون إلى حل المعضلات المتوارثة، والعراق بأمس الحاجة إلى توفير هذين السببين للنهوض بمهمة إعادة بناء دولة ديمقراطية حديثة ينعم شعبه بخيراته الوفيرة المتعددة. وحاجة تركيا إليهما ماسة أيضا بعدما استنزفها الصراع القومي الداخلي وأثقل اقتصادها. وإذا كان العراق قد وضع قدمه في الخطوة الأولى للسلام الأهلي وأنصف الشعب الكردي في نظام فيدرالي تعددي، فحري بتركيا الاستجابة إلى حقوق الشعب الكردي المشروعة، والتخلي عن أساليب القمع المسلح التي لم تجد سابقا في إطفاء نضال الشعب الكردي لديها، وسوف لن تجدي مستقبلا، بل كانت وستكون حاضنة للتطرف والإرهاب.. وتجربة كرستان العراق ماثلة وعلى بعد أمتار من حدودها الجنوبية.

أن الحرية والازدهار اللذين تصدرا الديباجة، يعنيان للعراقيين ولادة أخرى بعد عقود من الدكتاتورية والقمع المنفرد والحروب، تتوج معانيهما السياسية والاقتصادية بخروج القوات الأجنبية من أراضيه وفق معاهدة مشتركة مع الولايات المتحدة تصون كامل سيادته. أما لتركيا فأنهما شرطان تسعى لتلبيتهما ليس استحقاقا شعبيا مطلوبا فقط، بل هما من الشروط التي تضعها دول الاتحاد الأوربي أمام من يبغي الانضمام إليه، وهذا منال غال على تركيا تتطلع إلى الظفر به.

لقد سبق الإعلان عن هذا التعاون الاستراتيجي عدة تحضيرات ولقاءات عراقية وتركية، ولم يكن وليد تطور استثنائي طارئ في العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية بينهما، أو في المنطقة، لكن توقيت إعلانه، هو الذي حمل معاني ذات دلالة للعراق بعد التحسن الأمني الملحوظ والارتفاع الكبير في مداخليه النفطية والتقارب بين مكوناته السياسية المتصارعة على السلطة. إن قراءة تركيا للمستقبل العراقي تستند إلى تقييم موضوعي للتطورات الداخلية فيه، وهي ليست بعيدة عن العديد من مكوناته السياسية بل بعضها يتمتع بإسنادها ودعمها، ولكن إدراكها بان العراق لن يعود كما الماضي، وهناك تجربة ولدت فيه، والعراقيون وحدهم من يقرر مصائرهم، وهم كبقية الشعوب يرفضون أية وصاية أو إملاء عليهم.

إن هذا الإعلان جاء ليؤكد خيارات العراق البديلة عن تلك الخيارات التي تفرضها دول جواره الأخرى، التي لن يسعدها هذا الإعلان، فمنها من يصرح بدعمه للعملية السياسية ولكنه يحول العراق متراسا وساحة حرب لتصفية حساباته مع الولايات المتحدة، ومنها من يفرض أجندته الطائفية، وتوهم شعوبها بان هلالا شيعيا يحوم في منطقة الشرق الأوسط بدل قمرها السني غير القابل للأفول، بينما حقيقة الصراع بعيدة تماما عن هذا التوصيف المضلل، فهو ببساطة شديدة؛ صراع على النفوذ في المنطقة الغنية بخيراتها، ولملئ الفراغ فيها، والرعب من التحول الديمقراطي المؤمل تعزيزه في العراق، هذا البلد الواعد بشعبه وتراثه وخيراته.