الرئيسية » مقالات » البؤس المزمن للسجال العراقي– العراقي..

البؤس المزمن للسجال العراقي– العراقي..

سبق لي لأن نشرت مقالات عديدة، في المواقع، وقبل ذلك في صحيفة (الحياة) البيروتية، تحت عنوان “بؤس السجال العراقي – العراقي.” المحزن أنه ليست عندنا تقاليد للحوار البناء، سواء بين المثقفين أو السياسيين العراقيين. وقد تجلى هذا المرض الخطير بدرجة رهيبة في أعقاب ثورة 14 تموز المجيدة، التي نحتفل اليوم بذكراها الخالدة.

لم يكن عند الطبقة السياسية أي استعداد يذكر لتبادل الرأي بموضوعية، أو للحلول المعتدلة،، أي التوافقية، بل كان كل طرف يؤمن بأنه وحده المصيب، ووحده يمتلك الحقيقة المطلقة، ومن خالفه فهو بين “عميل”، و”خائن”، هذا إذا لم تسمح الأوضاع بممارسة العنف الدموي في الخلافات السياسية. إننا نعرف اليوم كم لعبت الصراعات العنيفة في سنوات الثورة دورا تخريبيا، نعاني من عواقبه حتى اليوم.

إن هذه الظاهرة المرضية، خصوصا في أوساط المثقفين والكتاب العراقيين المسيسين، راجت منذ سقوط صدام، ولا تزال رائجة بامتياز، ورغم أن القوات الأمريكية هي التي حررت العراق، فإن تهمة “عميل أمريكي”، أو ما يشبه صارت تتداول في سوق السجال العراقي، رغم علم الساسة العراقيين، والمثقفين، بأنه لولا الدور الأمريكي لظل العراق رهينة للمقابر الجماعية، والمغامرات الحربية.

في منتصف الأربعينات الماضية كتب الكاتب والرحالة المصري، حسين فوزي ما يلي:
” درجت على حب الغرب، والإعجاب بحضارته ، وقت أهم أدوار التكوين من عمري في أوروبا، فتمكنت أواصر حب، وتقوت دعائم إعجابي، فلما ذهبت إلى الشرق، عدت إلى بلادي وقد استحال الحب والإعجاب بكل ما هو غربي.”

من جانب غالبيتنا يمكن القول إننا لم نعش سنوات التكوين في الغرب، وكنا نكره الغرب، كرها أعمى بوصفه سبب كل مآسينا، ومشكلاتنا، وكان الماركسي منا يعتقد اعتقادا جازما بأن كل الخير، والتقدم، والعدالة، هي في الشرق الأوروبي، وكل الشرور، والرذائل، والمظالم هي في الدول الغربية، أما عندما جاء أمثالي لدولة أوروبية غربية كفرنسا، فقد تبدلت تلك المعتقدات تماما، دون أن يعني ذلك أن كل شيء هنا على ما يرام، وأنه لا توجد مظالم، وسيئات.

لقد شارك في تأجيج المشاعر المعادية للغرب، ولاسيما أمريكا، الساسة والمثقفون العرب من مختلف التيارات السياسية والفكرية، وغالبا يجري ذلك باسم فلسطين، وحتى عندما تقوم الولايات المتحدة بعمل يتفق مع مصالحنا الوطنية، كإسقاط صدام، فإن التشنج العدائي نحوه يبقى في العقول والنفوس.

لقد اقترفت الولايات المتحدة خطايا سياسية كبرى أضرت بشعوب العالم، ولكن ذلك الماضي لا ينبغي أن يظل معيار اليوم في التقييم، وهذا لا يعني السير وراء المواقف الأمريكية كيفما كانت، ولا تجاهل ما تقترفه من أخطاء، بل يعني حسن الاستفادة من الفرص الجديدة التي يعود الفضل الأكبر منها للتضحيات الأمريكية، البشرية التي قدمتها أمريكا في عملية تحرير العراق من أبشع نظام همجي ديكتاتوري في التاريخ[ أكثر من 4000 قتيل، والمادية، [300 مليار دولار].

إن الجدال الدائر اليوم حول العلاقات المستقبلية مع الولايات المتحدة شاهد على مدى تخلف، وتشنج هذا السجال، كما في الوقت نفسه، تشهد بأحقية تصريح لمسئول أمريكي، نشرته صحيفة “هيرالد تريبيون”، إذ يقول نصا: ” إن أكثر الساسة العراقيين لا يتعاملون مع الواقع. إنهم لا يقدّرون الثمن الذي ندفعه.”
لقد نشر الدكتور عبد الخالق حسين ثلاث مقالات، ونشر في ذلك أيضا كل من أمير طاهري، وكاتب هذه السطور، مقالات عن موضوع الاتفاقية الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، والتي كانت إيران أول من أعلن مناهضة عقدها، ومارست مع الإعلام السوري والعربي حملة تشويش وابتزاز، جعلت الحكومة العراقية تتأرجح، وتقع في تناقض بعد آخر، بالانتقال من اتفاقية، إلى مذكرة تفاهم، ومطالبة أكثر الأحزاب الحاكمة بجدولة الانسحاب.

ليس لي ما أضيف إلى مقالات طاهري والدكتور عبد الخالق، فما أعالجه هنا هو المستوى المتدني لمناقشات فريق من المثقفين العراقيين حول الموضوع، وتوجيه التهم جزافا، والحديث عمن “يقبض” بالباون، أو اليورو، أو الدولار!! هذا النوع من النقاش المتدني مارسه أيضا بعض المثقفين تعقيبا على مصافحة طالباني ـ باراك، كزعيمين لحزبين في الاشتراكية الدولية. إن عددا من الكتاب الموضوعيين لم يجدوا في المصافحة إياها ما يستدعي لوما، أو توضيحا من طالباني، فتعرض هؤلاء الكتاب لتهمة “الصهيونية، [ بس!!]
أجل إنه بؤس السجال، الذي يدل على الإفلاس الفكري، والافتقار التام إلى الموضوعية، والإنصاف، ونزاهة الكلمة.

12 تموز 2008