الرئيسية » الملف الشهري » الزعيم عبد الكريم قاسم رمزاً للوطنية والإنسانية

الزعيم عبد الكريم قاسم رمزاً للوطنية والإنسانية

( الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم )
تعددت الصفاة والتسميات التي اطلقت على الشهيد البطل عبد الكريم قاسم من قبل أبناء الشعب العراقي لأنه كان نزيها وواعياًً وحريصاً على خدمة بلده وشعبه دون مصلحة شخصية ، وقد لمع أسمه أبان تلك الحقبة من الزمن وأصبح شخصا مرموقا ومميزاً داخل المجتمع العراقي وتتداوله الألسن والأقلام كما يشار إليه بالبنان إلى حد بالغوا بوصفه فبعضهم إدعى أنه رأى صورة “الزعيم” على بيضة وآخرون نشروا بأنهم رأوا صورته بالمرقب متجلية على سطح القمر. وبقيت هذه الأحاديث والأقوال يتداولها الناس البسطاء والفقراء والمساكين الذين استفادوا من حكمه .
كان الزعيم أول عراقي يحكم العراق ويتحمل مسؤولية العراق أرضاً وشعباً ( فكل الحكام الذين أتوا بعد الغزو الإسلامي لم يكونوا عراقيين أصلاء ) ، لقد كلفة حياته وفاءً للإنسان العراقي وضحى من أجله وأستشهد في سبيله ، ولم يضع لشخصه ولأهله وأقرباءه أي أعتبار أو محسوبية ومنسوبية أمام المسؤولية الوطنية ، كان جميع الأطياف العراقي سواسية في الحقوق والواجبات امام القانون . فشهدت البلاد في عهده نسائم الحرية التي تلمسها الشعب العراقي عبر إطلاق الحقوق العامة والحريات الديمقراطية وإنتشار الصحف والمطبوعات وظهور الأحزاب السياسية إلى العلانية .
لقد وجد الشعب العراقي لدى ” قاسم ” الروح الإنسانية والأمانة الوطنية الخالصة ، والمنقذ الحقيقي له ، وبأمكانه ان يخلص هذا الشعب المسكين مما هو فيه من ضنك الفقر والجهل والمرض وفقدانه للعيش الكريم ، لأن كان شعوره فهو أحساس للمعاناة والمصائب التي وقعت على أبناء شعبه من الظلم والجور وكان فعلاً يحاول تحسين أحوال الشعب بشكل عام والناس الفقراء بشكل خاص ، في حينه كان الإنسان العراقي يتطلع الى الحياة الأفضل والعيش الحر الكريم ، وكان يحس الشهيد قاسم بالظلم الذي وقع على أبناء العراق بسبب ولادته في منطقة المهدية وهي من المحلات السكنية الشعبية والفقيرة ببغداد ومن أسرة فقيرة المادة لكن غنية النفس ومعاشرته ذلك الظلم الذي بقى نقشا في ذاكرته . نعم قام ” الشهيد قاسم ” بخدمة الفقراء والمسحوقين من أبناء الشعب عندما بدأ ببناء مجمعات السكنية في انحاء بغداد العاصمة في عهده ومنها مدينة الثورة التي أطلق عليها هذا الاسم كانت بمثابة هدية تقدمها ثورة الرابع عشر من تموز لمئات العراقيين الفقراء والمنكوبين وسكن فيها ساكنوا الصرائف خلف السدة ومنظقة شاكرية والهاربون من ابناء مدينتي العمارة والناصرية من عبودية الأقطاع وهمجية الأستغلال وإيواء الفقراء الذين يبحثون عن مصادر رزق في بغداد العاصمة .
( بعد انقلاب 8 شباط حاول نظام البعث طمس او اخفاء معالم هذه الحقيقة والتلاعب بتأريخيها عندما تغيير اسم مدينة الثورة الى حي الرافدين تعبيراً لحقد البعثيين وحلفائهم وأسيادهم على ثورة تموز ، عندما سيطر البعث على النظام مرة اخرى أمر صدام حسين بتغيير اسم المدينة اسم مدينة صدام ، وبعد سقوط نظام البعث قامت الميلشيات التيار الصدري تغير أسمها الى مدينة الصدر بدون خجل وحياء ودون مواقفة أهالي مدينة الثورة لهذه الاسماء البغيضة والمستعارة ، الذين يعتزون باسم مدينتهم الذي يذكر بالشهيد البطل عبد الكريم وأخلاصه للشعب والوطن ) .
ويعتبر الزعيم عبد الكريم قاسم الأكثر عدالة ونزاهةً وصدقا من بين حكام العراق القديم والحديث والمخلص لشعبه ووطنه ، حيث أصبح أبو الضعفاء والبؤساء والقائد الفعلي لثورة الرابع عشر من تموز الذي اعترف له الأعداء قبل الأصدقاء . هذا الرجل خرج من رحم الشعب وكان يمثل جميع مكونات الشعب العراق أي لم يكن يمثل فئة معينة او طائفة معينة دون غيرها ، وكان يكرر دائما أنا أبن الشعب . وكان شعاره يجب أن يمتلك كل فرد عراقي مسكناً يحفظ به عائلته من فيض الحار وقارص الشتاء ( وهذا يعتمد على أفعال وأقوال ذلك الزعيم لأنه كان يفعل ما يقول ) ، حيث كان يسهر أوقات الليل وجزءاً من النهار لمتابعة أحوال العوائل الفقيرة .. وكما دافع عبد الكريم قاسم عن تحرير المرأة العراقية وسن قوانين لضمان حقوقها ومشاركتها الرجل في حياته العمليه في كافة المجالات الإنسانية والوطنية ، وكان الزعيم يحاول في كل جهده رفع مستويات المواطن العراقي على أصعدة الصحة والتعليم وتوجبه طاقته نحو البناء العقلي من أجل بناء عراق قوي مستقبل ومزدهر، وفي عهده حدثت طفره بالمستوى التعليمي فشهد تشييد عدداً كبيراً من المدارس وفي جميع أنحاء البلاد وألحق بهم سكن داخلي ومكتبة عامة ، علاوةً على تشييد العديد من المستشفيات وتأسيس مجموعة مستشفيات الجمهورية في أرجاء محافظات العراق ، كما شهد عهده تشييد أكبر مجمع طبي في العراق في حينها. بالإضافة الى عددا من القرارات المهمة رغم قصر حكمه التي تعد من الإنجازات التي حققها منها:
– تبنى الشهيد قاسم مشروع الإصلاح الزراعي يقوم على تأميم الأراضي الزراعية وتوزيعها على الفلاحين الذين كانوا يضطهدهم الأقطاع .
– في المجال النفطي أصدر القانون رقم 80 الذي حدد بموجبه الإستكشافات المستقبلية لاستثمارات شركة نفط العراق البريطانية لحقول النفط الذي أعادت حقوق العراق في ثروته النفطية من الشركات الأجنبية .
– عقد الإتفاقية الأولية لبناء ملعب الشعب الدولي في عهده نتيجة إتفاق بين الحكومة العراقية وشركة كولبنكيان البرتغالية ، التي صاحبها ومؤسسها كالوست سركيس كولبنكيان التي مقرها في لشبونة عاصمة البرتغال ويعد الملعب الرئيسي في العراق ويتسع إلى 60 ألف متفرج .
ومن الجدير بالذكر أن أنهاء بناء الملعب وافتتاحه تم في عهد المرحوم عبد الرحمن عارف سنة 1966 .
لا بد من الاشارة هنا الى ان الزعيم عبدالكريم قاسم كان رجلاً عطوفاً ورحوماً حيث اتخذ طريق التسامح والعفو عن المتآمرين الذين تآمروا على الثورة “سياسة عفا الله عما سلف” وأصدر الكثير من قرارات بإعفاء المحكومين بالإعدام ولم يوقع على أحكام إعدام عن كل من أساء لوطنه وشعبه بل انه عفى عن من أراد قتله لعلهم يرجعون عن غيهم .
ظل الشهيد عبد الكريم قاسم حياً في قلوب العراقيين ومقياساً للإنسانية والنزاهة ونكران الذات ، لأنه لم يكن طموحا في حياته وكان زاهداُ ومتجرداً من حب الدنيا ومباهجها إضافة الى شعبيته وعراقيته ووطنيته ، وشعر العراقيون بأن ثورة تموز بان شعاعاً من التقدم والأمل والبهجة سيغمر العراق وستكون الحياة لهم أفضل بكثير من قبل . لأن قاسم ليس فام بثورة 14 تموز لأغراض شخصية ان كانت مالية او منصبية بل عمل وضحى بحياته من أحل الشعب العراقي ، لأنه عاش ومات وهو لا يملك شيئاً ولم يظهر له رصيدا او نقوداً في مصرف عراقي او أجنبي . عندما أصبح بعد الثورة رئيساً لدولة العراق وحتى استشهاده كان يسكن بيتاً مستأجراً من الدولة ( من الاموال المجمدة ) ويدفع إيجاره شهريا من راتبه الخاصة ، أصبحت فترة تموز “1958 _1963” هي الفترة الذهبية لأنتعاش الاقتصاد للفرد العراقي كما انتعش فيها الثقافة الفن والعلم في العراق ، إضافة الى الحياة الاجتماعية المنفتحة . لهذه الاسباب بقى ساكناً قلوب وضمائر أبناء شعبه .
الحقائق كلها ظهرت عندما أزالت الغيمة السوداء عن سماء العراق بعد السنين الطويلة المؤلمة ، السنين العجاف ، من الاعمال والافعال الكثيرة التي قام بها عبد الكريم قاسم من أجل أبناء شعبه لأنه فقد كان جل همه مصلحة الشعب والوطن ، وبدأ الناس يظهرون ما بدواخلهم من حب وتقدير حقيقي لهذا الرجل الوطني الشهم رغم مرور 45 عاما على استشهاده ومرور 50 عاماً على قيام ثورة 14 تموز 1958 ، ولم تستطع كل الدعايات المغرضة والملفقة والتقولات الكاذبة ان تصمد امام الحقيقة الناصعة .
بقى اسم الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم جيل بعد جيل في وجدان شرفاء من شعبنا العراقي ، وبقى رمزاً للوطنية والإنسانية كما بقى قائدا شعبيا اسطوريا مرسوما على قلوب أبناء الشعب العراقي وحياً في وجداننا وضمائرنا يعبق براوئح الخير والإنسانية والشجاعة والوطنية والمحبة .