الرئيسية » الملف الشهري » 14 تموز قبس من النور في سماء العراق

14 تموز قبس من النور في سماء العراق

ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة غيرت وجه العراق الساكن في احضان النظام الملكي الى عراق ينطلق نحو افاق جديدة بسرعة مدهشة ، فتغيرت القوانين البالية والحياة الاقطاعية المهيمنة على السلطة التي نهبت المواطنين الذين افقرهم الجوع والمرض والجهل رغم الثروات الطبيعية الهائلة التي كانت تتمتع بها بلاد وادي الرافدين المباركة.
كانت ثورة الرابع عشر من تموز سباقة في تعريف الشعب العراقي باولويات الديمقراطية والحرية ، فعاشها الشعب ومارسها منذ اليوم الاول للثورة ، فكانت حرية الراي والاصدارات وتسجيل الاحزاب للحصول على اجازات العمل العلني ، وتشريع قانون الاحوال الشخصية الجديد وقانون الاصلاح الزراعي وغيرها من قوانين تمس حياة المواطن اليومية وتنقله من حال الى حال .
ساهم ابناء الشعب العراقي في حماية الثورة وتفانوا في دعمها ، واصبح الزعيم عبد الكريم قاسم رمزا للملايين الفقيرة فدافعوا عنه بالعصي والحجارة ولم يصدقوا مقتله و اغتياله على ايدي جلاوزة البعث عام 1963.
استلهمت ثورة الرابع عشر من تموز مبادئ الثورة الفرنسية ونجحت في وضع الاسس العملية لرفع الاستغلال والمساواة في العراق فكان الدستور المؤقت الذي ساوى بين العراقيين رغم اختلاف الدين والقومية والمذهب ، واقر شراكة العرب والكورد في الوطن ، فاعطى معنى حقيقيا للوطن كان غائبا عن كيان الدولة العراقية منذ تاسيسها عام 1921 ولغاية سقوط النظام الملكي عام 1958م.
كانت للمبادئ السامية والقيم النبيلة التي آمن بها قائد الثورة عبد الكريم قاسم اثرها في نشر مفاهيم جديدة في المجتمع العراقي مثل مقولة عفى الله عما سلف ، التي حاول من خلالها التخلص من عثرات الماضي المثقل بالجرائم التي اقترفها اراذل القوم من عصابات مأجورة ومغامرين طامعين في الحكم دون وجه حق ومن شذاذ الافاق امثال علي صالح السعدي وصدام حسين واياد سعيد ثابت ومن لف لفهم .
حاول الزعيم عبد الكريم قاسم اشاعة ثقافة العفو والتسامح والرحمة فكان يردد مقولة الرحمة فوق القانون ، محاولا بذلك تخفيف غلواء روح الانتقام ذات الجذور القبلية والعشائرية الشائعة في العراق .
وكان قد اختط سيرة نزيهة في حياته اصبحت مثالا لمحبيه واتباعه ، فلم يأخذ من السلطة العريضة التي كانت تحت تصرفه اكثر من حاجته اليومية ، ولم يدخر فلسا واحدا حتى من معاشه ، فكان يوزعه على المحتاجين ، ولم يقتني اية بدلة مدنية ، فعاش ومات ببزته العسكرية ، ولم يقتني او يأخذ اي دار ليعيش فيها ، فكان يعيش في معسكر الدفاع مثل اي ضابط او جندي اخر ، فكان بحق فريدا بين القادة والسياسيين ورجال الحكم ، لايستطيع اي شخص ان يقيس نفسه بقامته من زاوية النزاهة والزهد . كان مثالا يحتذى ، مثالا بزَ اعظم رجالات التاريخ العربي والاسلامي في نزاهته وزهده ورأفته واستقامته .
لم تستطع الاحزاب السياسية العراقية – مع الاسف – مساعدته في تحقيق مشروعه الوطني لبناء الدولة العراقية على اسس جديدة ، فتعاونت العديد من الاحزاب والقوى السياسية سواء بوعي او بدون وعي على وأد تجربته في الحكم مما اضطره الى الاستسلام الى حفنة من المغامرين التافهين ، مفضلا الاستشهاد على ايديهم ظنا منه انهم سيكتفون بقتله ويتركون الملايين من محبيه دون قصاص .
نهضت ثورة الرابع عشر من تموز بمشاريع العمران وساهمت بوضع اسس محو الامية التي كانت ضاربة الاطناب في العراق ، كما حققت الثورة العديد من المشاريع السياسية الكبرى مثل قانون رقم 80 للنفط والخروج من حلف بغداد ، وفك الارتباط بالاسترليني وغير ذلك مما يعد ثورة حقيقية في رسم خارطة العراق الوطنية والسيادية والسياسية .
تمر اليوم مناسبة اليوبيل الذهبي لثورة الرابع عشر من تموز ولا يسعنا الا ان نقف اجلالا لذكرى هذه الثورة ولذكرى ارواح الشهداء الذين استشهدوا على درب الحرية ونفتخر باسماء تلك الكواكب اللامعة التي اختطت طريق الحياة بدمائها الزكية يوم الرابع عشر من تموز وظلت وفيه لمبادئها حتى لحظة استشهادها في سبيل الشعب والوطن.