الرئيسية » شخصيات كوردية » رحلة عبر المستحيلات تكشف المزايا القيادية للزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني

رحلة عبر المستحيلات تكشف المزايا القيادية للزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني

رغم كل ما كتب عن الزعيم الخالد المغفور له الملا مصطفى البارزاني. فان جزءاً كبيرا ومهما من حياته، ظل بحاجة الى ما يتناسب واهميته بالنسبة لحياة الرجل المليئة بالاعمال العظيمة والانجازات الكبيرة بشكل خاص، وبالنسبة لتاريخ حركة التحرر الكوردية وثوراتها المتوالية وما حققته عبر مسيرتها من نجاحات وانتكاسات. من البحث والتحليل والمتابعة وتسليط الاضواء على كل صغيرة وكبيرة.
وقبل ان انحو باللائمة على المؤرخين الكورد الذين لم يعطوا هذا الجزء، واعني به الفترة التي قضاها الملا مصطفى البارزاني في الاتحاد السوفيتي السابق، وهي فترة ليست قصيرة 1947-1958 لابد لي من ان اذكر حقيقة يصعب تجاوزها او اغفالها ونحن بصدد الحديث عن واحد من بين اهم ابطال حركة التحرر الوطني على امتداد 75 سنة هي كل حياته تقريبا. فاذا اردنا ان نقول ان الرجل ولد في ميدان النضال والكفاح فاننا نكون صادقين تماما عندما يكون الحديث عن الملا مصطفى البارزاني الذي دفع ضريبة النضال من اجل حق تقرير المصير وهو مازال طفلا، حيث سجن مع والدته.
لم يكن الملا مصطفى البارزاني على وفاق او توافق من الناحية المبدئية او الايديلوجية مع الاتحاد السوفيتي عندما قرر اللجوء اليه بعد ان تم قمع حركته المسلحة (943-1945) من قبل القوات العراقية، حيث هرب الى ايران قبل سقوط الجمهورية التي شكلها الكورد الايرانيون في المناطق الشمالية من ايران التي كانت واقعة تحت الاحتلال السوفيتي وعندما سقطت الجمهورية الفتية بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي من شمال ايران، وتلاشي احتمال حصول الكورد في -ايران او في اي جزء من الاجزاء التي يتواجد فيها الكورد- على حقوقهم القومية بدأ التفكير بايجاد ملاذ امن للعوائل الكوردية التي رافقت البارزاني في خروجه البطولي من العراق ثم الوضع المتدهور في ايران، خصوصا وان القوات الايرانية مدعومة بالقوات البريطانية كانت تبذل جهودا غير طبيعية من اجل الوصول الى القيادات الكوردية الفاعلة واعدامها.
لقد كان اللجوء الى الاتحاد السوفيتي، خياراً لا يمكن تعويضه، لذلك لم يكن من المتوقع ان يعطي القائد البارزاني اذنا صاغية لاولئك الذين حاولوا في الجانب السوفيتي ابداء الكثير من التردد في قبول التعاطي مع مسيرة الرحيل باتجاه الدخول الى الاراضي السوفيتية مع عدد كبير من الفصائل الكوردية المسلحة والمشبعة بالروح القومية التي كانت موسكو تخشى من انتقال عدواها الى بقية الاقوام والشعوب الصغيرة القاطنة في الاراضي السوفيتية.
وتفيد المصادر السوفيتية الموثقة، ان وجود البارزاني بما يمثله من ثقل قومي كبير ورمزية جهادية لوجود قومي متطلع لحق تقرير المصير. كان خطأ كبيرا من وجهة نظر ايديلوجية الحزب الشيوعي والقيادة السوفيتية متمثلة بشخص استالين، فقد صدرت الاوامر صريحة لقوات حرس الحدود السوفيتية بعدم فسح المجال امام البارزاني ومن معه بالدخول الى الاراضي السوفيتية معللة ذلك بعدم ازعاج قوات الحلفاء ودول (ايران والعراق وتركيا) غير ان العزم والاصرار والثقة بالنفس وقدرة اختراق حاجز الحاضر وصولا الى رؤية المستقبل، جعلت البارزاني يواصل محاولات اختراق الحدود السوفيتية بوسائل مقنعة ومقبولة من قبل الطرف الاخر. خصوصا وان الوعود والعهود التي اعطتها الحكومة الايرانية بالحفاظ على ارواح قادة الجمهورية الكوردية المغدورة، واقدامها على اعدامهم قد اكدت ان الامور تسير باتجاه ان لا تراجع الى الخلف ابدا، فبعد ان اضطر الجيش الاحمر السوفيتي تحت ضغط اتفاقيات تقسيم النفود بعد الحرب العالمية الثانية، الى الخروج من شمال ايران، طويت معه صفحة من التاريخ الكوردي، حيث ظل مصطفى البارزاني حاملا مشعل استمرار النضال امينا على معتقداته الذاتية فواصل الحرب بوسائل (حرب الانصار) متنقلا بين الاراضي الايرانية والعراقية والتركية، دون ان ينسى اهمية كسب الوقت للراحة ليعيد تقييم حسابات النضال من اجل تحقيق اهداف الامة الكوردية، ومن هنا بدأ التفكير الجديد في الانتقال الى الاراضي السوفيتية بعد اشتراك قوات من تركيا والعراق وايران بمعونة بريطانية بضرب الانصار الكورد بالطائرات يوم 15 حزيران عام 1947 فبدأ بالاقتراب التدريجي من الاراضي السوفيتية من الجهة الايرانية ليصل نهر (اراس) فصيل صغير من المقاتلين الكورد، كطلائع للزحف الذي يقوده البارزاني واستطاع اثنان منهم عبور النهر الى الضفة السوفيتية وقاما بتسليم رسالة الى القائد السوفيتي المسؤول عن قاطع الحدود موجهة اليه من الزعيم مصطفى البارزاني ومعها رسالة موجهة من الزعيم الكوردي الى رئيس الوزراء السوفيتي والقائد الاعلى للاتحاد السوفيتي وفيما يلي نص الرسالة:
رسالة الملا مصطفى بارزاني الى ستالين
الرفيق ستالين القائد الاعلى للاتحاد السوفيتي:
1- انتم تعلمون اننا قمنا بانتفاضة في العراق ضد الحكومة العراقية من اجل تحرير الكورد. وبعد ذلك انتقلت الانتفاضة الى الاراضي الايرانية في عام 1945 بحثا عن حماية لها لدى الجيوش السوفيتية هناك. واثناء وجودنا في ايران شاركنا في الحركة الثورية لتحرير الشعبين الاذربيجاني والكوردي.
2- في العاشر من شهر ديسمبر- كانون اول عام 1946 استسلمت جيوش ايران الديمقراطية وذلك تحت ضغط القوى الرجعية. ولكن واصلنا نحن المقاومة وانتقل الى جانبنا وشاركنا في هذه المقاومة ممثلو القوميات الاخرى. ولولا مساعدة البيغات والخانات الكورد للحكومة الايرانية لما تراجعنا نحن عن المقاومة ولواصلنا كفاحنا.
3- وبمساعدة من القرى الرجعية التركية والعراقية نتعرض نحن في الوقت الراهن الى عمليات الابادة لقد كانت بحوزتنا قوات غير كبيرة ومع ذلك استطعنا التصدي لضغط الرجعية متحملين العديد من الضحايا وبفضل الروح الثورية صمدنا وحافظنا على قوانا الاساسية كنا نعول على كوردستان العراق بيد اننا تعرضنا للخيانة من قبل حفنة من الرجعيين هناك، لقد شاهدنا في العراق الجيوش التركية التي كانت تقدم العون الى الرجعية العراقية والايرانية فضلا عن تركيا نفسها، الامر الذي ارغمنا على الكف مؤقتا عن مواصلة الكفاح من اجل الحفاظ على حقوقنا وقوانا للمعارك القادمة.
4- وانطلاقا من ذلك قررنا التوجه الى الاراضي السوفيتية مخترقين حصار الجيوش الايرانية حتى وصلنا الى تركيا ومن هناك اتجهنا نحو الحدود السوفيتية وخلال عشرين يوما قطعنا الطرق حتى نهر اراكس وكانت الرجعية الايرانية طيلة هذه المدة تحاول القضاء علينا، ولكنا خضنا معها معارك ضارية حتى بلغنا الحدود السوفيتية.
5- هناك حاليا 500 من الثوريين البارزانيين يقفون عند الحدود السوفيتية وبيننا العديد من الجرحى والمنهكين، ونحن ننتظر المساعدة من الرفيق ستالين مثلنا مثل بقية الشعوب الديمقراطية التواقة الى التحرر نحن نريد الدخول الى الاراضي ونعتبر الحكومة السوفيتية من اكثر حكومات العمال والفلاحين ديمقراطية.
ايام عصيبة
فوجئ المسؤول عن قاطع الحدود بهذا النمط العجيب من الرجال الشجعان المؤمنين بقضيتهم، بيد انه لم يكن قادراً على اعطاء الموافقة على عبور النهر الى الضفة السوفيتية قبل ان يتسلم الرد من الرفيق القائد الاعلى.. ولذلك كان على الملا مصطفى البارزاني وجماعته الانتظار في ظروف مناخية وامنية وجغرافية سيئة للغاية مع انعدام الارزاق والادوية اللازمة لعدد كبير من الجرحى، لذلك كان لا بد من الدخول في مفاوضات مع الجانب السوفيتي لاستقبال الجرحى والمعاقين والشيوخ وفي صباح يوم 16/حزيران تقدم مصطفى البارزاني بنفسه مع مجموعة من حرسه الخاص الى ضفة النهر وحاول الضغط على السوفيت لتأمين عبور فصائله النهر غير ان حرس الحدود كانت لديهم تعليمات صارمة، وفي يوم /18 حزيران صار الموقف بالنسبة للبارزانيين صعباً جدا فقرروا عبور النهر، بصرف النظر عن النتائج المترتبة على ذلك، وتم وضع خطة سريعة تم دفع الجرحى في ضوئها اولا ثم المنهكين وقد تم فعلا عبور 160 شخصا في الدفعة الاولى حيث كانت القيادة الكوردية تراقب بشكل مباشر عمليات العبور وكيفية تعامل حرس الحدود السوفيت الذين اخذتهم المفاجأة اولا ثم التعاطف ثانيا وهم يشاهدون حالة المقاتلين المناضلين من اجل حريتهم. وتبين ان اربعين بندقية فقط عبرت مع من عبروا استولى عليها حرس الحدود السوفيت وفي اليوم الثاني اي في 19 حزيران تشجعت المجموعة الثانية اكثر من ذي قبل فعبرت النهر بنجاح ثم عبرت المجموعة الاخيرة ومن بينهم الملا مصطفى البارزاني الذي قام اولا باخفاء الاسلحة التي كانت بحوزة المقاتلين في الكهوف المنتشرة في المنطقة وكان عددها: 303 بنادق ورشاشات فيكرس و55 مسدساً و54 قنبلة يدوية هجومية ودفاعية و13 ناظوراً و13 الف طلقة.
تقييم الرسالة
عندما نمعن النظر جيدا في الرسالة التي بعث بها الملا مصطفى البارزاني الى ستالين نجد جملة امور مهمة منها:
1- ان الملا مصطفى البارزاني لم ينس نفسه كشخصية ثورية قيادية يتمتع باعلى وادق درجات الكفاءة القيادية والثقة المطلقة بعدالة ومشروعية القضية التي يناضل من اجلها فطرح نفسه طرحا موضوعيا متوازنا ينطوي على قدر كبير من الثقة بالنفس وبالقضية التي يناضل من اجلها، رغم دقة الظروف المحيطة به وخطورتها وشموليتها.
2- ان البارزاني لم تنهر معنوياته ولم يعط وعودا او عهودا او اللجوء الى الوقوع في شرك الصراع بين الدول الكبرى وتوجهاتها المبدئية والايديلوجية والسياسية.
3- حاول التذكير بما ينبغي القيام به من قبل دولة كبرى هي الاتحاد السوفيتي تحمل شعارات تتحدث عن التحرر الوطني وحقوق الشعوب وحق تقرير المصير وغير ذلك.
4- انه علق اهمية كبرى على السوفيت في توفير الملاذ الآمن له ولاتباعه لاخذ الراحة واسترداد النفس والتوفر على فعل كل ما يؤدي الى معاودة النضال ثانية عندما تتاح الفرصة.
5- الرسالة خالية من المجاملات البلاغية ونظرة الادنى للاعلى.
6- جفاف الرسالة وخلوها من تعابير التودد, يعكسان ما كان يدور في خلجات الملا مصطفى البارزاني من عدم ارتياح للقيادة السوفيتية بشكل عام واستالين بشكل خاص للحركة الكوردية لاعتبارات تتصل بموقفهما من المسألة القومية.
امتحان عسير
يحتاج العالم، وخصوصا الشعوب المظلومة وحركات التحرر، الى المزيد من الاضواء الكاشفة لهذه المرحلة من حياة الزعيم الخالد مصطفى البارزاني، حيث شهدت السنوات 1947-1958 اشكالا خلاقة ومواقف خالدة في مجال الثبات على المبدأ وعدم التخلي عن الثوابت المبدئية والعقائدية والقومية برغم ثقل الاجراءات المضادة وقساوة التعامل. وبعيدا عن التفاصيل المرهقة والمؤذية التي انطوت عليها معاملة السوفيت للاجئين من الثوار الكورد بقيادة البارزاني، الا انه استطاع وبنجاح كامل الحفاظ على وحدة الكورد وقطع الطريق على محاولات الاختراق التي تواصل القيام بها من قبل الاجهزة الامنية والمخابراتية السوفيتية وبلا انقطاع. وكان الكورد في كل مرة صابرين محتسبين صادقين في ما عاهدوا الله والشعب عليه.
ويصنف المرحوم المغفور له ادريس البازاني تلك الفترة من حياة والده الخالد في لقاء لي معه عام 1973، بـ (السوداء) لما انطوت عليه من تحديات وحرب سرية بين المخابرات السوفيتية والقيادة السوفيتية متمثلة بشخص استالين من جهة. والكورد بقيادة الزعيم الخالد مصطفى البارزاني حيث كان هدف الحفاظ على الطابع الجهادي القومي للمقاتلين الكورد وكذلك البقاء على استعداد كامل لاستئناف الثورة الكوردية في ما اذا تهيأت الظروف وهذا ما حصل فعلا بعد عودة المقاتلين الى العراق اثر ثورة 14 تموز 1958، حيث اضطروا الى حمل السلاح بعد ان تنكرت الحكومة لوعودها وعهودها وكأن شيئا لم يحدث.
بيد ان تغيرا ملموسا طرأ على العلاقة بين الحكومة السوفيتية واللاجئين الكورد في اعقاب وفاة ستالين والفترتان جديرتان بالبحث والتحليل والدراسة المكثفة وهذا ما سنتناوله في موضوع لاحق.

التآخي