الرئيسية » الملف الشهري » الإطار الديمقراطي لقوانين ثورة 14 تموز 1958

الإطار الديمقراطي لقوانين ثورة 14 تموز 1958

في ذاكرة كل شعب من الشعوب ثمة تأريخ محدد يشكل علامة فارقة في حياته وتأريخه ، وفي تأريخ العراق الحديث تشكل ثورة 14 تموز 1958 الوطنية أشارة مهمة في التاريخ العراقي ، وحدثا عراقيا وطنيا من أهم الأحداث والعلامات الوطنية التي مرت على التاريخ العراقي الحديث ،بل حدثا وطنيا خاصا يمكن أن يكون من ضمن الأحداث البارزة في الذاكرة العراقية الشعبية منها أو السياسية ، بالنظر للإجماع الوطني المتوحد على قيام الثورة والأعداد لها ومساندتها والمشاركة بها ، وانضواء جميع الكيانات السياسية التي توحدت ضمن جبهة الأتحاد الوطني تحت خيمتها تستظل بها وتحلم بالاشتراك بتغيير العراق دستوريا وقانونيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا باتجاه فضائه الرحب نحو المستقبل، بما يضمن الممارسة الديمقراطية لجميع الأتجاهات السياسية، والفرصة الإنسانية المتساوية لكل الأديان والقوميات المتعددة في العراق .
وإذ تترك تلك الثورة مؤشرات مهمة في الحياة العراقية، رغم كل ما رافقتها من السلبيات والعوائق التي وضعت أمام طريقها لإعاقة المسيرة أو إجبارها على الانحراف عن الطريق الوطني السليم، فأنها ودون أن يختلف أحد من الثورات الوطنية التي أزاحت كل ركائز الاستعمار والهيمنة الأجنبية في العراق، وفتحت للعراق بابا جديدا نحو المستقبل الديمقراطي والأفق الواسع، كما نهجت ومنذ أيامها الأولى المنهج الديمقراطي الحقيقي، من خلال المشاركة الجمعية لكل القوى السياسية والقومية والدينية في العراق، حيث أن غياب الديمقراطية الحقيقية في العهد الملكي كان سببا مهما وأساسيا لقيام الثورة وإسقاط النظام الملكي وتأسيس الجمهورية، كانت الشكلية والتبرقع بمظاهر الديمقراطية من علامات النظام الملكي، وماعادت تلك المظاهر تنطلي على القوى السياسية ومكونات الشعب العراقي، فقد بدأت تباشير خطوات التدرج في الممارسة والسلوك الديمقراطي في أول سنوات الثورة، ولجأت في سبيل الوصول الى ترسيخ النظام الدستوري ورسم معالم الدستور العراقي بديلا عن الدستور المؤقت الذي تمت صياغته على عجالة، ولذا تم تكريس مبدأ المشاركة الجمعية لكل القوى دون استثناء، بأن تناط رئاسة الدولة بمجلس للسيادة يتكون من ثلاث شخصيات مشهود لها بالوطنية، وتمثل الطيف العراقي تمهيدا لنقل السلطة وفقا لمعايير الدستور الدائم المنتظر، واتسمت قرارات الثورة بالاعتدال والوسطية، بالإضافة الى أشراك جميع ممثلي الأحزاب العراقية والشخصيات الوطنية وعدد من العسكريين من المستقلين في تشكيلة الحكومة التي رفضت تشكيلها شخصيات وطنية مدنية، بينما اعتمدت الثورة على إتاحة الفرصة للملاكات العراقية في البناء وتأسيس دولة القانون وطرح الأهداف التي تتيح للقطاعات الفقيرة أن تأخذ حقوقها وتوفر لها المكان اللائق في تلك العملية .
لم يكن يوم الرابع عشر من تموز عام 58 حركة عسكرية يقودها ضباط في الجيش العراقي غامروا بأرواحهم من أجل المناصب، كما لم تكن حركة انفعالية لاغتصاب السلطة، ولم تكن حركة منفردة تفاجئ بهاالأحزاب العراقية خاصة وأبناء العراق عموما، إنما كانت نتيجة ذلك المخاض الذي عاشه الإنسان في العراق، وتلاحمت من خلاله كل قواه السياسية على اختلاف شعاراتها وأهدافها، لتحرك مجموعات الضباط الأحرار الذين ساهموا بشكل فعال في تلك الثورة مقدماتها الأولى، وشكلت فصائل الجيش العراقي سندها ومنفذ تلك الحركة، وشكل تلاحم الجماهير الوطني وتضحياتها انعكاسا فريدا من نوعه في التاريخ، كما شكلت تلك القاعدة الجماهيرية التي جسدت الوحدة الوطنية القاعدة اساس لهذه الثورة، ولذا لانغالي إذا قلنا انه التلاحم الذي ساهمت به المجموعات الأكبر والأوسع من تلك الجماهير الشعبية، لتعزل القوى المستغلة عنها وتشكل ظهيرا وسندا متينا لتلك الثورة .
عملت الثورة بشكل فعال وملموس على تغيير القاعدة الاقتصادية والاجتماعية في العراق، وسعت الى تطويرها وتحويل المجتمع القبلي العشائري القابع تحت سلطة شبه إقطاعية وعلاقات استغلالية مجحفة في المدن الى مجتمع متمدن، وإلغاء الترتيب الطبقي المتحكم في السياسة الى مجتمع يقر بالتعددية لكل الطبقات، واعتماد التعددية في النظام الاقتصادي واعتماد منهج التدرج في الالتزام بسياسة معينة تعتمد الأعتدال والحياد، ويمنح كل منها فرصته في الحكم والممارسة، بالإضافة الى مشاركة مطلقة في عملية البناء باتجاه اللحاق بالعصر الحديث بما يليق بالعراق ويمنح أبناءه الفرصة الحقيقية الملموسة .
أن قانون التطور السياسي – الاجتماعي – الاقتصادي دفع الحركات السياسية الوطنية للتفكير بالتغيير الجذري لشكل الحكم في العراق، وبالتالي إنقاذ العراق من الحال الذي كان عليه، ولم يكن لتلك القوى أمام منهج القمع والارتماء في أحضان الدول الامبريالية والمستغلة والطامعة وغياب الديمقراطية، لم يكن لتلك القوى أمام التحالفات العقيمة والأضرار بمصالح ومستقبل العراق، الا أن تنهج منهجا يتيح لها عزل تلك السلطات بالثورة الجماهيرية التي أحدثت الزلزال العراقي نتيجة التلاحم بين القوى المدنية والعسكرية التي فجرت الثورة . ولعل إنصاف المرأة العراقية كان من العلامات البارزة والهاجس الذي تبنته الثورة، حيث كان العراق يشكو من غبن كبير وتهميش ملحوظ لواقع المرأة العراقية، ولهذا برزت النساء العراقيات سواء في منظماتهن أم في تجمعاتهن يسهمن جنبا الى جنب مع الرجل، وبرز دور المرأة ملموسا وبارزا ومشرقا في الحياة العراقية، وزاد من تلك الاشراقة التي بدأ شعاعها يكبر، ذلك التكليف المهيب للفقيدة الدكتورة نزيهة الدليمي كوزيرة للبلديات، لتحل كأول أمراة عراقية تستوزر في التاريخ العراقي الحديث، بالإضافة الى مشاركة حقيقية لحزب يعد من أعرق الأحزاب العراقية وأوسعها نضالا وجهادا في سبيل المستقبل العراقي وضمان حقوق الفقراء والعمال والفلاحين، ذلك هو حزبها الحزب الشيوعي العراقي .
ومنذ اللحظات الأولى للثورة تم تكليف بعض القانونيين من الوطنيين برسم ملامح لأعداد دستور عراقي مؤقت، سن على عجالة، على أمل أن يتم تثبيته ورسم معالم العراق الديمقراطي وفق أسس دستورية واضحة في متن دستور دائم تقره الجماهير ويرسم آفاق المستقبل للمجتمع المدني العراقي .
كما أصدرت الثورة قانون الأحوال الشخصية في عام 1959 والخاص بالمسلمين، بالنظر للتعدد المذهبي في العراق، ليكون بحق قانونا تقدميا وخطوة جامعة لكل المكونات المذهبية متضمنا نصوصا تنصف المرأة وتحمي الأسرة والطفل .
والأسباب الموجبة لإصدار مثل هذا القانون كانت لترصين أسس العائلة العراقية ضمن عملية ترسيخ بناء المجتمع الجديد في العهد الجمهوري، من خلال مسؤولية الدولة عن العائلة والمجتمع ورعاية الطفولة، بالإضافة الى توفير ضمانات قانونية تحمي المرأة ضمن قيم وأعراف ليس من السهل إزاحتها وإلغاؤها دون تدرج وتأهيل ونصوص تشريعية .
وبالنظر للاختلاف الحاصل في وجهات نظر القضاة، تأسيسا على الاختلاف بين وجهات نظر المذاهب الفقهية استلت الثورة في قانونها الموحد الأحكام الفقهية الأقرب ملائمة للمصلحة الاجتماعية وللواقع الزمني، كما أنها حازت على الإجماع الشرعي والقانوني، (ما عدا أحكام المرأة في مسألة المواريث)، التي كانت محل اختلاف لم تكن قد ظهرت سابقا في أحكام حقوق ألانتقال في القانون المدني.
أن التعدد في وجهات النظر الفقهية والشرعية يدفع الى عدم الاستقرار في الأحكام، وتطور الاختلاف في وجهات النظر، وحيث ينبغي أن تكون هناك نصوص جامعة وواضحة وحاسمة لاأجتهاد فيها، كان هذا دافعا لتأسيس النصوص الواردة في قانون الأحوال الشخصية الذي مضى عليه حتى اليوم مايقارب 50 عاما، ولم يزل متجددا وفاعلا (عدا بعض الشوائب التي أدخلتها السلطات المتعاقبة بما فيها سلطة الدكتاتور لتخريب أسس المجتمع العراقي، والتي حشرتها ضمن نصوص القانون وهي بالتأكيد بحاجة الى أصلاح قانوني)، وهو ما أستقر عليه القضاء العراقي وتفاخرت به المنظومة القانونية في العراق.
كما توالت القوانين والقرارات التي ترصف ليس فقط مصالح العراق على طريق المستقبل العراقي، والتي تشكل تجسيدا للمطالب الشعبية ضمن الإطار لديمقراطي للثورة، مثل القانون رقم 80 وقانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 58، والخروج من حلف بغداد (السنتو) والخروج من دائرة الإسترليني والخروج من الاتحاد الهاشمي الملكي، وقانون تطهير الجهاز الحكومي، وقانون تطهير الجهاز القضائي وقانون معاقبة المتآمرين ومفسدي نظام الحكم وقانون المقاومة الشعبية وقانون الكسب غير المشروع، وقانون العطلات الرسمية الذي أعترف بأعياد اليهود والصابئة المندائيين كاعياد رسمية وعطلــة لأتباع تلك الديانات العراقية العريقة، وقانون جامعة بغداد وقانون العفو العام عن السياسيين وقانون مكافحة البغاء وقانون المظاهرات والاجتماعات وقانون الأحوال الشخصية مار الذكر وغيرها من القوانين العديدة التي تمهد لتأسيس الحياة الدستورية التي أريد للعراق ممارستها بعد أربع سنوات من تأريخ الثورة، بالإضافة الى أجازة العديد من الصحف المعبرة عن تلك الأحزاب المختلفة الأهداف.
كان الهدف الأسمى تخطي المرحلة الانتقالية وصولا الى الحياة المدنية الدستورية، لولا تلك الانشقاقات والتفكك في الموقف الوطني، والاحتراب الحاصل بين قواه السياسية، والتي استغلتها قوى ظلامية حاقدة داخلية وخارجية، والتي انعكست سلبا ليس على نمط الحكم وأوضاع البلاد واستقرارها فحسب، إنما حتى على حياة الناس ومستقبل العراق .
استطاعت الثورة أن تحقق منجزات نوعية على صعيد تنمية الاقتصاد وإشراك القوى الفاعلة في تطوير قطاعاته الواسعة والمهمة في العراق، وسعت الى تحقيق توزيع عادل للدخل الوطني، وتوفير فرص العمل للكادحين، وتنشيط ورعاية وسائل الإنتاج، واستقطاب البطالة ومحاولة امتصاصها كليا، وتوفير الخدمات الأساسية لقطاعات كبيرة من المجتمع العراقي، وإيصال تلك الخدمات الى الريف.
وتنفيذا لمبدأ المساواة في المواطنة، وفرت ثورة تموز فرصا للطلاب الفقراء في الحصول على الزمالات الدراسية وإكمال تعليمهم الأكاديمي العالي، بعد أن كانت محصورة بين أبناء الطبقات العليا والمسؤولين وأولاد الذوات، الى جانب أنها فتحت أبواب كلياتها أمام كل أبناء الشعب دون تقييد، ولا تنسى الذاكرة تلك الرعاية الغذائية والثقافية التي قررتها الثورة لأبناء المدارس، بالإضافة الى الثورة الثقافية والعلمية التي اكتسحت مرافق العراق.
فتحت ثورة 14 تموز 58 آفاقا جديدة للشباب من أبناء الكادحين والطبقات المتوسطة، كانت منافذ الحياة في العهد الملكي مغلقة ومتحددة، وصارت في العراق نواد رياضية واجتماعية وثقافية لايلزم المنتسب لها أن يعرض انتماءه الطبقي أو القومي أو الديني، وتعززت مواقع وثقل المنظمات المهنية بأعتبارها الممثل الحقيقي لمنظمات المجتمع المدني بشكل فاعل ومؤثر في الحياة العراقية، وتنامى الفعل الجماهيري والوعي الاجتماعي بشكل ملحوظ، وبرزت تلك الظواهر في الاتحادات المهنية للعمال والفلاحين والمثقفين .
وعلى هذا ألأساس فأن الإطار الديمقراطي لثورة تموز شمل القوانين التي نظمت حقوق الناس، ورسم منهج المستقبل الذي أطفئت أنواره حين تكالبت كل قوى الشر والظلام لتوقف وهج ثورة تموز مؤقتا، ليخسر العراق زمنا ليس بالقصير من مستقبله ودخوله مسيرة الحرية والديمقراطية التي تناضل من اجلها كل الأحزاب العراقية الوطنية.