الرئيسية » مقالات » في الإجماع والمجموع والإطار الشامل -5

في الإجماع والمجموع والإطار الشامل -5

أعتقد أنه بات بحكم المعروف، أن بعض أطراف الحركة الحزبية، تخوض هذه الأيام، وبشيء من التردد والخجل، سجالات وحوارات بينيه، منها ما هو في العلن، ومنها ما تكون ضمن حسابات ضيقة، سواء أكان ذلك من على الطاولة أو من تحتها، وكلها تصب، حسب ما هو مبرمج، في اتجاهات قديمة / جديدة، توحي بأنها تهدف البحث عن إيجاد الطريق المؤدي إلى شكل من أشكال الخروج من حالة اللا تجانس بينها، وما هو مطالب منها، وفق ما تطرحها معادلة الاستحقاقات السياسية في المنطقة بصورة عامة، وفي الحالة الكردية على وجه التخصيص، وإن كان الشعار المطروح من قبلها، هو البحث عن آليات تشاركية أو تأطيرية جديدة، تكون الكفيلة بالوصول إلى صيغة مرجعية كردية بمعناها المتداول في السياسة المنتهجة حزبوياً، وذلك بعد أن سجلت استحقاقات أكثر من مناسبة نضالية الأهداف في مراماها، وإن كنا لا نود هنا ربط هذه السجالات بما يحصل داخل هذه الأطر، من أزمات مسلكية تتعرض لها، واحتقانات لها ارتباطاتها بالعقلية التي تدار من خلالها العمل الحزبي الكردي ككل، وذلك حتى لا نكون أسيري تلك المقولة التي نرددها دائماً، بأن أطرنا الحزبية لا يمكن لها أن تخطو باتجاه الحالات التقاربية أو التجميعية، إلا وتكون معرضة لهزات معينة، أو أن بعض أقطابها، وبغية التسويق لحالتها، تلتحق بنقيضها المدعى، من أجل مكاسب شخصية لا أكثر، هذا إذا ما وقفنا عند هذا الحد ولم نذهب بعيداً في عملية إسقاطات سياسية، نكون حينها مجبرين في الدخول إلى ما لا نحبذه ونبتغيه ..
ولعل الملفت في الأمر هذه المرة، أن هناك تصورات يبدو أن لها رصيدها لدى البعض الحزبي حول إمكانية الوصول إلى صيغ تقاربية، أو تخندقية إن صح التعبير، تكون محصورة على البعض دون الآخر، كما يتم الترويج لها تحت أسماء (الثلاثية أو الرباعية أو الخماسية) والتي تعيد إلى الأذهان ما كانت عليها الحركة الحزبية منذ عقدين وأكثر، وما كان سائداً حينئذ من مصطلحات حول الأحزاب الأساسية أو الرئيسية، وغيرها من الثانوية أو الخارجة عن الدائرة ..
وإذا كان البعض من هذه الأطر تدرك – وهي محقة – بأن الشارع الكردي بدأ يتذمر من طرح شعارات وأسطوانات، مل الآذان من سماعها، وهي تحشد الجمل والديباجات حول الإجماع والإطار الشامل والمرجعية، كونها باتت بضاعة بالية لا تملك رصيدها في السوق، مقارنة مع ما هو ممارس من قبل دعاتها وأصحابها، فإن هذا البعض يحاول جاهداً قلب الصورة، عله يتمكن من فتح سراديب جديدة تكون مهيأة للإتيان ببدائل اصطلاحية، الهدف منها، ومرة أخرى، الدخول في سكة عملية الهروب إلى الأمام، كونها هي المتاحة من أجل القفز من فوق الاستحقاقات من جهة، وعدم الوقوف على الذات، سواء من جهة الموقف أو الممارسة، من جهة أخرى، وإن كان هذا البعض لم يتحمل عناء الرجوع إلى قرارات محطاته الحزبية وهي تؤكد على ضرورة الحفاظ والارتقاء بإطاره الحاضن له، وعلى أنه يشكل بالنسبة إليه، الحامل لمواقفه وخطه السياسي، أي أن التشكيلات التجميعية لا يمكنها أن تؤتى بثمارها أمام حالة اللا تجانس (الظاهري) في الطرح السياسي والمواقف الآنية التي يعتمدها كل طرف على حدا، علاوة على أن التجاوب الذي لاقتها فكرة المرجعية من قبل الشارع، جاء كنتيجة لحالة الاستياء من التشرذم، وأن المرجعية قد تشكل في نظرها حلاً لإشكاليات التناحر والتنابذ، وتشويه صورة النضال الكردي في خنادق المهاترات الحزبية، أما وأن تكون النوايا باتجاه أشكال أخرى مبتدعة، فإن ذلك سيؤدي – لا محالة – إلى فتح صفحات أخرى من التشوه، والعودة بنا من جديد إلى ثقافة التخوين وكيل التهم بين الأحزاب والحزيبات، بحكم أن البعض قد يكون لديه التصور بأنه وعبر أجنداته التخندقية، سيتمكن من نسف البعض الآخر أو إقصائه عن الساحة، وهذا ما لا يمكن حصوله مطلقاً في الحالة الكردية، ويعبر عن قصور في قراءة اللوحة الحزبية، من حيث النشأة والتكوين، ناهيكم عن أن البعض الذي يستهدف نسفه، هو من صنيع الآخر الذي يحاول إعادة الترتيب لصياغات المرجعية، وفقاً لما هو مروج له بأنه إذا ما تمكنت الأطراف الأساسية من الاصطفاف، فإن ذلك يشكل حلاً لحالة التشرذم، وهنا نكون أمام وجه آخر من المشاريع التي لا نتمكن من قراءتها، بحكم أنها تستند إلى أجندات لا نمتلك القدرة في الدخول إلى بواطنها، خاصةً لو تساءلنا ما الذي يجمع المتناقضات حسب زعم أصحابها ..؟.
وبحكم غياب النية – مطلقاً – لدى أي طرف ( كبيراً ) كان أم ( صغيراً ) محاكاة الواقع وجهاً لوجه، والدخول في مراجعة نقدية لواقعه من حيث أن وجوده، وبالشكل القائم ضمن تشظيات الرؤى والأهداف، ضرورة نضالية، أم هو عبء على المتراكم من الأعباء، وبالتالي الخروج من ساحة السكون كي يفسح المجال أمام المبادرات الجدية بهدف تجميع المتناثرات وفق سياقاتها وشروطها الموضوعية والنضالية، إلى جانب إعادة كل خارج بفعل التشظي إلى الجسم الأصيل، بناءً على نموذج الفعل والممارسة – بعيداً – عن الادعاء، نقول بحكم كل ذلك، فإن ما يتم الدعوة إليه، أو الدخول فيه من أطر تجميعية وفق رونق يختلف عن سابقاتها من جهة الترتيب، هي ليست سوى عملية في البحث من جديد عن مخارج، من شأنها إدارة أزمة الأرقام، بعد أن أبت الأطر التجميعية القديمة أن تتحمل المزيد من النخر، وأن تحتضن أطرافها، بعد أن تلاشت المهام والغاية من وجودها، خاصةً وأن المنضوين تحت لواءها قد ملوا من روتينيات العمل فيها، ودخلوا في متاهات الصراع حول إفرازات السكون، كونها باتت أطراً للتجميع دون العمل والتفاعل ..
وإذا كنا نشكل جزءً من هذا الحراك الذي نحمله قسراً مفاهيم النضال، ونحاول أن نصطبغه بمدلولات السياسة، دون أن نأخذ دلالات كل مصطلح أو مفردة وترجمتها على الواقع، نعتقد أنه يحق لنا أن نتحمل جزءً من مسوؤلياتنا تجاه ما يحدث من خلط وتشويه في الفعل، من لدن القائمين على إدارة الموقف السياسي الكردي في هذه التشكيلات التي أصبحت بحكم الأمر الواقع، كونها باتت شكلاً من أشكال المحميات الشخصية أكثر مما هي أطر سياسية لها أهدافها وبرامجها، وذلك لو حاولنا الاستنجاد بالمنطق وقراءة مبررات الوجود الحزبي من زاوية القضية التي تعتبر أنها الحاضنة لها، وعليه فإن ما نحاول الوقوف حياله هو ليست إساءة إلى أي تشكيلة بعينها، بقدر ما هو محاولة نهدف من ورائها الخروج من عنق الزجاجة في هذه المرحلة التي لا تحتمل السكون والركود حسب ما تدعيه معظم الأطراف الكردية، وإن كنا على قناعة بأن مجرد الخوض في هكذا مسائل، وبغياب ثقافة النقد وتفهم الآخر على أنه يشكل جزءً من أدوات البناء وهو يسعى للكشف عن مواطن الخلل، سيكون له وقعه اللا محمود واللا مستحب من لدن كل من يحاول أن ينأى بنفسه عن الاستحقاقات النضالية، محتمياً ببعض القشور وأشكال التهرب من مرتكزات الموقف والقرار ..
وإذا كانت لنا رؤية حيال ما يجري، وأخذنا الأزمة التي احتضنت التحالف جراء تبلور النيات باتجاه تشكيلات مخصوصة بأصحابها، وقراءة البعض الآخر لها على أن فيها تقويض لدورها ولفظ للدعوات السابقة بشأن الإطار الشامل، وأن المسألة قد أخذت أبعاداً أخرى، وضمن أجندات فيها إقصاء للبعض واحتواء للبعض الآخر، وهذا ما لا يمكن قبوله ضمن الثقافة التي فرضت نفسها وتم تسويقها على مرتكز الأرقام الحزبية، فإن من حق الذين توضحت لديهم الصورة بهذا الشكل، وأدركوا أن ساعة الإشكالية بالنسبة لهم قد أزفت، نقول، من حقهم البحث عن أشكال تحفظ لهم مواقعهم وتراتبية وجودهم في سلم العدد الحزبي، وقد يشكل ذلك، الدافع الذي يقف وراء محاولة البعض التغيير في المواقع، والانتقال من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، خاصةً لو أدركنا وكما قلنا سابقاً، أن لا ضابط توجه بوصلة الحزب الكردي باستثناء ردود الأفعال وما على شاكلتها..
ومع كل ذلك، حتى لو حاولنا أن نقنع أنفسنا بضرورة ما تقدم عليها هذه الأطر، سواء من جهة البحث عن المرجعية، أو من جهة الخوض في تشكيلات مخصوصة بأصحابها، وإن كنا على خلاف حول مفاهيم التشكيلات والمرجعية، من جهة طرحها من قبل الحركة ومن جهة حقيقتها ودلالتها السياسية والمعرفية، لا بد لنا أن نواجه التساؤل التالي، ترى ما هو مشروع كل حزب على الانفراد، وما الذي أنجز منه وتوصل الحزب إلى قناعة بأن الجزء الباقي لا يمكن إنجازه إلا إذا اجتمعت الحركة الحزبية ككل، خاصةً ونحن ندرك بأن هذه الحركة لا تجتمع على آليات الممارسة، بقدر توافقها على ما هو جامد، تعتبرها بمثابة (الثوابت السياسية) بمعنى آخر تجتمع على مبررات وجودها وليست الغاية من وجودها..! وهنا تكمن المشكلة الأساسية مستقبلاً أمامها على غرار ما هي عليها في أطرها السابقة، ترى كيف لها أن تتحرك، أم أن كل طرف يريد من ذلك الاحتماء بالآخر لتبرير سكونيته، على غرار ما يحصل في كل مرة حين نجد أن لسان حال الكل حينما تناقشه عن كبوته في الرؤية والقرار والموقف، بأنه كان من نتاج الحالة الجماعية، وكان مضطراً – نزولاً عن رغبة الإجماع – الاتفاق على ما ذهبوا إليه، حتى يخال لنا بأن الإجماع المقصود ليس له وجود على أرض الواقع، لأن الكل ينحي باللائمة على الإجماع، وما ذاك الإجماع سوى الكل نفسه ..؟!.
نعود ونقول، هل للحزب الكردي، على الانفراد، مشروعه الخاص به وهو يريد تقويته والارتقاء به ضمن الحالة الجماعية، وإذا كان الجواب بنعم، فالدعوة موجهة إلى الكل الحزبي للكشف عنه، شريطة التوضيح عن آليات الممارسة فيه وليس الاستناد إلى ما هو مدون في البرنامج السياسي، الذي يخرج من المحطات الحزبية على أنه كلي الحيوية، ثم ما يلبث ليدخل في سبات حتى بالنسبة للواضعين له والقائمين على تنفيذه، مثله مثل النظام الداخلي الذي لا يحتاجه الحزب إلا حينما تكون القضايا ضمن سياقات التناحر والتصارع، وعلى أن يكون ذاك الكشف عبر فتح قنوات للتحاور، إن كان ذلك من خلال الانفتاح على المستقلين والمثقفين والمهتمين، الذين يشكلون جزءً لا يتجزأ من الحركة الكردية، أو عبر صفحات الجرائد الحزبية التي تحولت إلى شكل من أشكال البيانات، والتي تخضع لرقابة أولي الأمر والقرار، ولا توجد فيها ما يمكن أن نسميه بالرأي الآخر أو المختلف، وإذا ما وجد بذوره، فإنها ستواجه لا محالة، أشكالاً من التحوير والقصقصة في المضمون، حتى تصل المسألة إلى درجة الإزالة من الحضور على تلك الصفحات، مع أن المنطق يقول، بأن هذه الجرائد لا بد وأن تكون بأيدي المتنورين في الحزب، والمتنور لا بد وأن يكون حاملاً لرسالة – بغض النظر عن أبعادها – تبحث في الارتقاء وتنطلق من مبدأ احترام الآخر .. إذا لا بد أن يكون عملية الكشف في مواجهة المختلف وليس ضمن الأطر التنظيمية، والزوايا الضيقة التي تكون المسائل فيها خاضعة لمنهجية لا شأن لنا به، وإن كنا نخرج بنتيجة أن ما يدور فيها من سجالات هو ذاتها ما نسميه بـ (حوار الطرشان)، كل ذلك شريطة عن يوضح الحزب عن رؤيته للمستقبل، وقراءته لقضايا التغيير وفهمه له، وربط ذلك بالحالة الكردية، إلى جانب مفهومه للمعارضة وكيفية فهمه للعلاقة الجدلية بين القضايا القومية والوطنية، والتي تكون لها ارتباط عضوي بقضية تشخيص حالة النظام والبعد القومي الذي يطرحه بعض الأطر الحزبية ..
وإذا ما تحقق ذلك، واستطاع الحزب الكردي أن يشرك الآخر في مساراته، أعتقد أن الغالبية الغالبة من الذين يحملون أدوات النقد في مواجهة السكون، ستتحول إلى شريك في تحمل المسؤولية، وجزءً من أدوات البناء في البيت الكردي، وبالتالي ستتشكل لدينا القناعة بأن ما ننتظره من الحركة من مشاريع الأطر، سيكون إطار الفعل وليس شكلاً آخراً من أشكال العقم والعطالة في الجدل البيزنطي الحزبي الكردي ..