الرئيسية » مقالات » سياسة ( كل شيء أو لاشيء).. إلى أين؟

سياسة ( كل شيء أو لاشيء).. إلى أين؟

مبدأ “كل شيء أو لا شيء” له جذوره في البداوة. فالحياة عند البدوي لا قيمة لها، لأنه يعيش حياة قاسية جداً في صحراء قاحلة جافة، مواردها شحيحة، ورزقه تحت حد سيفه، أي يكسبه بنهب الآخرين عن طريق الغزو. لذا فحياة البدوي دائماً مهددة بالمخاطر، والغلبة للأصلح أي الأقوى والأشجع، فإما أن يُقتل أو يعيش. واستجابة البدوي لهذا الشروط ضرورة حيوية فرضتها عليه ظروف الصحراء وفق المبادئ الداروينية في التنازع على البقاء والاختيار الطبيعي، أي إما أن يعيش هكذا أو يهلك. وهذا يعني أن مبدأ “كل شيء أو لا شيء” مرهون بظروف الصحراء، تنتفي الحاجة إليه عندما تتغير الظروف، وإذا ما أصر الإنسان على هذا المبدأ في ظروف مغايرة، ستكون نتائجه معكوسة عليه، أي تؤدي إلى الفناء بدلاً من البقاء. هكذا عاشت الديناصورات قبل 150 مليون سنة في ظروف مناسبة لها، ولكن عندما تغيرت الظروف، ولم تستطع التكيف مع الظروف المستجدة انقرضت. وكذلك مبدأ “كل شيء أو لا شيء” فرضته ظروف الصحراء قبل مئات السنين، ولكن نحن الآن في عصر الحضارة والمدنية والعولمة، وظروفنا الحالية تختلف كلياً عن ظروف البداوة، لذلك فإصرار العرب على التمسك بمبادئ الصحراء يؤدي إلى فنائهم كما حصل للديناصورات وأنواع أخرى لم تستطع التكيف.

والثقافة العربية-الإسلامية (الموروث الاجتماعي culture) هي امتداد للثقافة البدوية مع بعض التعديلات والتحسينات بسبب التطور وتقادم الزمن والاحتكاك بالحضارات الأخرى. ولكن جوهر البداوة مازال ضارباً في عمق العقل الباطن (اللاوعي) لدى الإنسان العربي في كثير من عاداته وتقاليده وسلوكه وأخلاقه الاجتماعية والسياسية. ولعل أهم علامة من علامات البداوة في سلوك المجتمعات العربية هي الإصرار على سياسة (كل شيء أو لا شيء). فالعربي يرفض الحل الوسط (compromise) ويعتبره مذلاً ومهينا لكرامته. ولا يختلف في هذا السياق، الإسلامي والقومي والشيوعي، بل وحتى بعض الديمقراطيين الليبراليين. فهذه الأيديولوجيات هي مجرد صبغة خارجية، تختفي تحتها طبقات سميكة من قيم البداوة. إذ كما قال الراحل نزار قباني (لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية).

نلاحظ ذلك بوضوح في معظم الصراعات العربية في القرن العشرين. والقضية الفلسطينية تقدم لنا أفضل مثال في هذا الخصوص، حيث رفض العرب الحلول الوسطى أو العقلانية وفق فن الممكن في أوائل القرن العشرين، والتي كانت في صالح الشعب الفلسطيني، وأصروا أشد الإصرار على سياسة ” كل شيء أو لا شيء”، أي على “التحرير من النهر إلى البحر” وإلقاء اليهود في البحر لتأكلهم الأسماك، والنتيجة باتت معروفة. والغريب أنه رغم كل الكوارث التي سببتها هذه السياسة، فمنظمة حماس الفلسطينية، ومعها الكثير من العرب، مازالت تصر عليها.

وفي العراق تأسست الدولة العراقية الحديثة ولأول مرة في التاريخ، بعد أن حرره الإنكليز في الحرب العالمية الأولى من الاستعمار العثماني التركي المتخلف، وبعد قرون طويلة من الظلام الدامس منذ غزوة هولاكو لبغداد عام 1258م. وعند تأسيس الدولة وبمساعدة الإنكليز، كان الشعب مقسماً إلى طوائف وقبائل وعشائر متناحرة فيما بينها، إضافة إلى نسبة الأمية التي كانت تشكل نحو 99%. فشاء حكم التاريخ أن سخر لهم الإنكليز لتحرير الشعب العراقي من هذا الوضع البائس، وساعدوهم على إقامة دولتهم. ولا شك أن الدولة الفتية، وبإمكانيات شحيحة آنذاك، كانت بحاجة ماسة إلى رعاية وعناية من القابلة التي أشرفت على ولادتها، أي بريطانيا، لتدريب أبناء الشعب على الحكم، وحمايتها من الغزو الخارجي. لذا عقد الإنكليز معاهدة عام 1930 لتحقيق هذا الغرض. ولكن، أصر العراقيون، وتحت تأثير المشاعر الوطنية، والتمسك بمبدأ (كل شيء أو لا شيء) رفضوا المعاهدة، إلا إنها فرضت عليهم فرضاً، لأنه لم تكن تلك الدولة بإمكانياتها الهزيلة، قابلة للبقاء بدون تلك المعاهدة. ولما انتهت فترة معاهدة 1930 وأرادت بريطانيا والدولة العراقية تبديلها بمعاهدة أخرى عام 1948 عقدت معاهدة (جبر-بيفن “بورت سموث”)، مرة أخرى ثارت القوى الوطنية ضدها وأجهضتها. كل ذلك تم بالطبع حرصاً على السيادة الوطنية ومعاداة الاستعمار.

كان ذلك الجيل واقع تحت تأثير سحر تلك المبادئ التي روجت لها القوى والأحزاب الوطنية، والتي صورت لنا العهد الملكي بالشر المطلق، ونوري السعيد بالشيطان الرجيم، وأنه خائن للشعب والوطن، وعميل للاستعمار، وكل ما صدر عن تلك الفترة من أحلاف ومعاهدات ومنجزات كان شراً مستطيراً. ولكن تطبيق هذه المبادئ لم يكن بلا ثمن، بل كلف الشعب عشرات السنين من الكوارث المستمرة، بسبب الإصرار على مبدأ (كل شيء أو لا شيء).

وإذا كان لكل قاعدة شذوذ، فمن الإنصاف القول أن حكام الخليج، أو بالأحرى حكماء الخليج، ورغم انحدارهم من نفس القبائل العربية ذات الجذور والثقافة الصحراوية، إلا إنهم شذوا عن هذه القاعدة البدوية (كل شيء أو لاشيء)، فحافظوا على القيم الإيجابية من البداوة مثل الكرم والدخالة وحماية المظلوم والجيرة…الخ، ونبذوا ما يسيء إلى مصالحهم، فقبلوا بالعلاقة الحميمة مع الغرب للاستفادة مما عند الغرب من إمكانيات في بناء دولهم على أسس عصرية، ودون أن تخدش هذه العلاقة سمعتهم أو كرامتهم أو اعتزازهم بتاريخهم، ولذلك قادوا شعوبهم بهدوء وسلاسة إلى بر الأمان دون هزات عنيفة، وبنوا دولهم ذات السيادة الكاملة، واستثمروا ثرواتها الطبيعية لصالح شعوبهم، فحولوا بلدانهم من صحارى إلى جنات وارفة. ومقارنة بين الدول الخليجية هذه مع الدول العربية النفطية الثورجية التي اختارت العنجهية والدونكيشوتية في معاداة الغرب وبالأخص أمريكا، نعرف التأثير المدمر لسياسات الرفض هذه.
والأمور مرهونة بأوقاتها، فإذا كنا نعذر قادة القوى الوطنية في العراق في النصف الأول من القرن الماضي على رفضها للمعاهدات والأحلاف العسكرية بتأثير الحماسة الوطنية وخاصة في ظروف الحرب الباردة، وتصاعد مد الحركات الوطنية، وتشديد النضال ضد الاستعمار، فهذا العذر لم يعد مقبولاً اليوم وبعد نزول الكوارث المدمرة بسبب الإصرار على التمسك بتلك المبادئ، وعندما يكون تطبيقها أكثر ضرراً على الوطن من التعامل معها بحكمة. وإذا كانت تلك المبادئ لها ما يبررها في تلك المرحلة، فلم تعد تلك الظروف نفسها موجودة اليوم. فالمطلوب منا في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها بلادنا أن نتعلم من أخطاء الماضي ونستخلص الدروس والعبر من تاريخنا الحافل بالهزائم والكوارث، ونتعامل مع الأحداث والعلاقات الدولية وفق منظورنا الحالي والقيم السائدة اليوم. إذ من الخطأ معالجة مشاكل اليوم بعقلية الماضي، مثلما من الخطأ معالجة أمراض اليوم بالطب القديم.
كذلك ليس عيباً أن يخطأ الإنسان، فالحضارة البشرية هي نتاج سلسلة متواصلة من الأخطاء، إذ كما يقول فيلسوف العلوم بلاشر: الحقيقة العلمية هي خطأ تم تصحيحه “، ولكن من الغباء أن يكرر الإنسان الخطأ نفسه عدة مرات دون أن يتعلم من أخطائه السابقة. فالعاقل يتعلم من أخطائه، والحكيم يتعلم من أخطاء غيره، ولكن الذي يكرر خطأ سابق فهو غبي.
مناسبة هذه المقدمة الطويلة، هي الجدال المحتدم الدائر حول الاتفاقية المزمع عقدها بين العراق وأمريكا، وهذه ثالث مقالة لي في هذا الخصوص. أود هنا أن أؤكد أني لست ضد الجدال حول الاتفاقية، ولا ضد من يعارضها، إذ من المفيد جداً أن تكون هناك معارضة وطنية لأية معاهدة أو اتفاقية تخص مستقبل الوطن، وأكثر فائدة هو إثارة جدال واسع حولها، فهذا دليل على حيوية الشعب وخاصة في صفوف المثقفين. فالجدل من أهم الوسائل التي تساعدنا على معرفة الحقيقة والتفاصيل. ولكن في نفس الوقت، نؤكد على أن تكون هذه المعارضة بنوايا حسنة أي بدافع الحرص على مستقبل الوطن، وأن يكون الحوار ديمقراطياً وبناءً بدون تخوين وتحقير وتوجيه اتهامات جاهزة لصاحب الرأي الآخر. إلا إن الذي يجري مع الأسف الشديد، هو قيام البعض بمعارضة لهذه الاتفاقية بأساليب عدائية فجة، لا تختلف كثيراً عن الحملة التي يشنها أعداء العراق الجديد مثل إيران وسوريا، وامتدادهما من قوى ومليشيات وتيارات داخل العراق، معروفة بعدائها للعراق الديمقراطي وبولائها لهذه الجهات الأجنبية المشبوهة على حساب مصلحة الوطن، وتحت يافطة السيادة الوطنية.

أدعى معارضو الاتفاقية أن مسودتها لم تنشر بعد، وأنهم يطالبون بنشرها لإطلاع الشعب عليها عملاً بمبدأ الشفافية. هذا حق لا ينكره أحد. ولكن تبين فيما بعد أن مسودة الاتفاقية قد نشرتها وكالات الأنباء، بما فيها ما يسمى بالبنود السرية، في شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، ولم يعد سراً. وعند إطلاعنا على بنود المسودة وجدنا معظم بنود الاتفاقية هي في صالح العراق، ولم يمس السيادة الوطنية عدا بعض النقاط في القسم الذي يخص الأمن. وكان ذلك في المسودة الأولى وعند بدء المفاوضات. ومنذ ذلك الحين جرت تعديلات كثيرة على هذه البنود، فقد تنازل الجانب الأمريكي وبتأثير من الطرف المفاوض العراقي، عن جميع البنود التي كانت تمس بالسيادة الوطنية العراقية. وأكثر من ذلك، أكد المسؤولون الأمريكان، بمن فيهم الرئيس بوش، مراراً أن الاتفاقية سوف لن يتم توقيعها إلا بعد اقتناع العراقيين بها وموافقتهم عليها.

إضافة إلى ما تقدم، نود أن نؤكد للمعارضين للاتفاقية، أن لأمريكا اتفاقيات مشابهة مع نحو 120 دولة في العالم، ولها قواعد عسكرية في أكثر من ثمانين منها، بما فيها دول صناعية كبرى مثل بريطانيا وألمانيا واليابان وغيرها، ولم تمس هذه القواعد والاتفاقيات بالسيادة الوطنية لهذه الدول.

ومما يثير العجب أكثر، أنه حتى الذين يبكون اليوم على نوري السعيد، ويمجدونه ويمتدحون الاتفاقيات والأحلاف العسكرية التي عقدها مع أمريكا وبريطانيا، ظهروا اليوم علينا منددين بالاتفاقية العراقية-الأمريكية ويطالبون برفضها. فما هو تفسير هذه الظاهرة.. أفتونا يرحمكم الله!!!!!

كما وهناك نفر في المعارضة من الذين بنوا سمعتهم الوطنية، لا لما يقدمونه للوطن من خدمات وتضحيات ومساهمات بناءة، بل كل رصيدهم الوطني يتمثل في درجة عدائهم للدول الغربية، وبالأخص لأمريكا، وكيل الشتائم للغرب الإمبريالي، “الرأسمالي المتوحش”، “الاستعماري” “الكافر” حسب أيديولوجية المعارض إذا كان شيوعياً أو قومياً أو إسلامياً على التعاقب.

وعلى سبيل المثال، طلع علينا قبل أيام أحد هؤلاء بمقالة بعنوان: “يكفي أن نرفض الاتفاقية فقط لأنها مع أمريكا”. وربما كان قصد الكاتب هو الرد على ما ذكرته في مقالة سابقة لي بعنوان (الاتفاقية العراقية-الأمريكية، ضرر أم ضرورة؟) قلت فيها: ” إن اعتراضات إيران على الاتفاقية هي الشهادة على أنها في صالح العراق، فلو كانت الاتفاقية ضد مصلحة العراق لصفقت لها إيران وكل الدول العربية.” فأنا مازلت عند رأيي هذا، وأيدني فيه الكثير من القراء الأفاضل، سواءً برسائلهم لي أو من خلال تعليقاتهم في ذيل المقال على بعض المواقع. وكاتب آخر، شن عليَّ هجوماً عنيفاً، في مقال مطول وممل على شكل هذيان محموم، متهماً إياي بالتماهي والهيام بأمريكا وأني استهزئ بالسيادة الوطنية…الخ، ورغم أنه لم يذكر اسمي إلا إن المقصود كان واضحاً من سياق المقال. ولعله من باب الصدفة أن الكاتبين المشار إليهما، يقيمان في ألمانيا، الدولة التي حررتها أمريكا وبريطانيا من النازية الهتلرية كما حررتا العراق من الفاشية البعثية الصدامية. ولكن نسي الكاتبان سامحهما الله، أنه على بعد أميال من إقامتهما هناك قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية. فلماذا يقبلان أن يكونا مواطنَيْن لبلد مثل ألمانيا المرتبطة بمعاهدة دفاع وصداقة مع أمريكا، ويرفضان مثل هذه الاتفاقية مع العراق؟ أليس هذا نفاق وازدواجية بامتياز؟

والمفارقة الأخرى في سلوك معظم الرافضين للاتفاقية وتحرير العراق، أن معظمهم من الذين فروا بجلودهم من ظلم صدام حسين وحزبه الفاشي، وهم الآن يتنعمون بالأمن والكرامة في الدول الرأسمالية “المتوحشة” على حد تعبير بعضهم. فهم راضون بالعيش الكريم في الدول “الاستعمارية”، ولكن ما أن أقدمت هذه الدول مثل أمريكا وبريطانيا على تحرير الشعب العراقي من الفاشية حتى ثارت ثائرتهم وتحول هذا التحرير في نظرهم إلى “الاحتلال الأمريكي الغاشم”، وقائمة الاتهامات الجاهزة ترمى ضد كل من يسمي العملية تحريراً، فهو عميل أمريكي ومن كتاب المارين… الخ!!! إن هؤلاء يريدون دعم الغرب لأنفسهم ولكنهم يرفضونه على الشعب العراقي.

أحد هؤلاء يسمي نفسه بـ”الشيوعي الأخير” زار بريطانيا قبل سقوط الفاشية بعامين، ونشر وقتها قصيدة “عصماء” في صحيفة “الحياة” اللندنية، يشتم فيها العراقيين المقيمين في بريطانيا والمشردين من ظلم البعث، يصفهم بالعملاء للأجنبي وخونة لوطنهم، وأنهم يعيشون على فتات موائد الاستعمار. ويا للمفارقة، فبعد أسابيع قليلة من نشر تلك القصيدة الهجائية السخيفة هذه قدم “شاعرنا الكبير” طلباً للجوء إلى الدولة “الاستعمارية” نفسها فقُبِلَ طلبه، وهو يعيش الآن في بريطانيا وينظم القصائد ويدبج المقالات في دعم “المقاومة الوطنية الشريفة” طمعاً في نيل جائزة أفضل شاعر للمقاومة!!! الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، أن معظم خصومنا هم من هذا النوع، ولله في خلقه شؤون.

لدعم مواقفهم في مناهضتهم للعراق الجديد والعلاقة مع أمريكا، يستشهد هؤلاء بمقالة لكاتب أمريكي هنا، أو رأي صرح به مسؤول أو كاتب أمريكي هناك، يندد بسياسة الرئيس بوش في العراق ويصفها بأنها فاشلة، فيروجون لهذه الآراء ويفرحون بها أشد الفرح، ويستشهدون بها، ويعتبرونها من الحقائق التي لا تقبل الشك والجدل. وعلى هذا الأساس يتهموننا، وكل من يدافع عن الدعم الأمريكي للعراق، بأننا ملكيون أكثر من الملك، أي أمريكيون أكثر من الأمريكان!! نسي هؤلاء، سامحهم الله، أن أمريكا دولة مؤسسات يحكمها نظام ديمقراطي، يحترم ويحمي التعددية في الآراء والمواقف والمعتقدات المختلفة، وليست هناك ضريبة في أمريكا على الكلام. وإذا كان في أمريكا من يعارض سياسة بوش في العراق، فهناك أيضاً مثل هذا العدد وربما أكثر، يؤيدون بوش، وإلا لما فاز للمرة الثانية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجتزئ مقاطع من افتتاحية صحيفة وولستريت جورنال ليوم 9 تموز/يوليو الجاري، التي تقول [ قبل عام كان العراق يعتبر من الدول الفاشلة، ولكن اليوم الجميع يتحدثون عن تحسن الوضع الأمني وبناء القوات المسلحة، وهزيمة الإرهاب. إن الرئيس العراقي السيد نوري المالكي، خاطب السفراء في أبو ظبي أن حكومته “تتطلع إلى التخلص من الوجود الأجنبي على أرض العراق واستعادة السيادة الوطنية كاملة”. وأن المالكي يريد أن يوازن بين الإدارة الأمريكية وشرعية وجود القوات الأجنبية في العراق عندما ينتهي مدة تخويل الأمم المتحدة له نهاية هذا العام.”] ولكن في نفس الوقت تضيف الصحيفة: [ أن تأكيد المالكي على الثقة باستقرار بلاده ليس بدون سبب، بل علامة إيجابية. فهناك 9 من 18 محافظة هي الآن تحت سيطرة القوات العراقية. ومنظمة القاعدة تم طرها من آخر معقل لها في الموصل. والجيش العراق نفذ بمهارة متزايدة وثقة عالية ملاحقة جيش المهدي، أتباع مقتدى الصدر، وتم طردهم من معاقلهم. والسؤال الآن هو حول مستقبل وجود الجيش الأمريكي في العراق.] ويقول المحرر [أنه رغم تصريحات المالكي وإظهاره التشدد حول الاتفاقية، إلا تصريحات موفق الربيعي، مستشار الأمن الوطني، يؤكد أن “انسحاب القوات الأمريكية مرهون باستقرار العراق وقدرة قواته المسلحة على تحقيق الأمن”. وبعبارة أخرى أن المالكي لا يؤيد قرار باراك أوباما في الإنسحاب الفوري المباشر في 20 كانون الثاني القادم].
وحسب معلومات محرر الصحيفة، [أن باستثناء التيار الصدري، فإن معظم القوى السياسية الأخرى تريد بقاء القوات الأمريكية. وعلى أي حال، فالعراق هو الآن دولة ديمقراطية، وكلما تصلب عود الدولة العراقية، فحكومة المالكي والرأي العامي العراقي ممكن أن يختلفا، وهذه من صفات الديمقراطية. ولكن الانسحاب الأمريكي من العراق وفق جدول زمني معين، يجب أن يكون بموافقة الطرفين، وأن لا يفرض على العراق من قبل الرئيس الأمريكي الجديد، بل بعد أن يتأكد الجميع من تحقيق النصر الكامل على قوى الإرهاب واستقرار العراق.]

ومن المؤسف القول، أنه حتى بعض القادة السياسيين الذين حرضوا أمريكا على تحرير بلادهم، نراهم اليوم وتحت تأثير الضجيج الإعلامي العربي والإيراني ضد مشروع الاتفاقية العراقية-الأمريكية، يركبون موجة المعارضة لها بمن فيهم أولئك الذين دخلوا بغداد على ظهر دبابة أمريكية. ونقول على ظهر دبابة أمريكية لا تعييراً، بل تذكيراً لهم وأن لا يتنكروا لفضل أمريكا عليهم. فالعراق لم يكن البلد الوحيد الذي حررته أمريكا من الفاشية، إذ دخل الرئيس الفرنسي تشارلس ديغول باريس على ظهر دبابة أمريكية، كما دخل المستشار الألماني أديناور برلين على ظهر دبابة أمريكية أيضاً، ولكننا فقط نريد أن نذكر القادة العراقيين الجدد بأن يجب أن لا يسقطوا في الفخ الذي نصبه لهم أعداء العراق، إذ راحوا يزايدون مع معارضي الاتفاقية من أجل نيل الشعبية كما يعتقدون. فهذه شعبوية غوغائية وليست شعبية. فمن واجب القائد السياسي والمثقف السياسي أن لا يذعن لبلطجية الإرهاب الفكري، بل عليه أن يؤدي واجبه الوطني كما يمليه عليه ضميره، بأن يقوم بدوره في توجيه الجماهير إلى ما يخدم مصلحتها على المدى البعيد ولا يسقط في الديماغوجية عن طريق المزايدة الرخيصة على الوطنية وباسم السيادة الكاذبة من أجل مكاسب شخصية وفئوية قصيرة الأمد.

إن قيام أمريكا بتحرير للعراق كان واجباً أخلاقياً. فأمريكا هي التي ساعدت البعثيين على اغتصاب السلطة في انقلابهم الدموي في 8 شباط 1963 حسب اعتراف قادة ذلك الإنقلاب المشؤوم. والعراق ليس البلد الوحيد الذي حررته أمريكا من الفاشية، بل هناك عشرات البلدان الأوربية وغير الأوربية حررتها أمريكا وبريطانيا من أنظمتها الفاشية الجائرة.

ما المطلوب من قادة الأحزاب السياسية؟
المطلوب منهم أن يكونوا شجعاناً ويرفضوا الإذعان للإرهاب الفكري الذي يشنه معارضو الاتفاقية من مختلف الانتماءات المتخلفة التي أكل الدهر عليها وشرب. نعم للمطالبة بتحسين بنود الاتفاقية لصالح العراق. ولكن يجب عدم ركوب موجة الرافضين للاتفاقية لا لشيء إلا لأنها مع أمريكا. ففي هذه الحالة، يضحي هؤلاء بالعراق لا لشيء إلا لأنهم يكرهون أمريكا وبذلك فهم يلحقون أشد الأضرار بالعراق. وفي هذه الحالة يكون الشعب العراقي هو الخاسر الوحيد، لأن الدولة العراقية مازالت تحتاج إلى دعم أمريكا.

خلاصة القول، نؤكد للسادة الأفاضل، أن المبادئ هي نتاج ظروف موضوعية، وعندما تتغير الظروف تتغير معها تلك المبادئ وتنتفي الحاجة إليها، وبالإصرار عليها تكون نتائجها معكوسة، لأن عملها مرهون بظروف الزمان والمكان. وعليه، ففي ظروفنا الحضارية الحالية حيث تداخل مصالح الشعوب في عصر العولمة، من يصر على مبدأ “كل شيء أو لا شيء”، ينتهي دائماً بلا شيء.