الرئيسية » الملف الشهري » بهاء 14 تموز والأنصار الشيوعيون

بهاء 14 تموز والأنصار الشيوعيون

من بين عروق الارض ينهض تموز(دموزي) منتفضا، معيدا للارض خصبها وبهاءها. قدر تموز في اساطير وادي الرافدين ان يكون رمزا للخصب فيمتلك محبة قلوب العراقيين من عهد سومر واكد واشور وبابل. تموز يولد في الربيع فيمتلأ العالم املا وخصبا. في الرسوم البابلية يقف تموز وخلفه وعلان يتعاركان بحماس وفحولة وثمة نخلة سامقة تعبيرا عن الخضرة وبهاء الحياة . بغياب تموز لا اخصاب ، ثمة فقط القحط والجفاف وفناء الحياة. هكذا عاش تموز مع العراقيين من الاف السنين معادلا لخصب لحياة وبهائها . هو المخلص الذي ينتظرونه كل ربيع ، فدخل اعتقاداتهم الروحية ونصوصهم الادبية من اساطير واغان وملاحم. وهكذا حمله الاحفاد التواقون للحياة الجديدة المترعة بالامل ، وهكذا حمله الانصار الشيوعيون معهم ، في مفاررزهم الجوالة بين القرى الكردية الوادعة ، والجبال الوعرة الشامخة. حملوه اغنية تدور مع اكواب الشاي الاسود ، وقصائد طرية في دفاترهم المدرسية، وخطوطا بالحبر في رسومهم المفعمة بالثورة ، وحكما وبطولات في احاديثهم المتوثبة حول مواقد النار الانصارية. كان جمر تموز في قلوب الانصار الشيوعيين يجدد لهيب العزيمة كل حين . وكانت روح التجديد ، والعزم في انهاء ديكتاتورية الخردل والحروب الطائشة المجنونة والعسف الشوفيني ، وبناء عالم جديد يحترم قيم الانسان، هي ما تغذي قلوب وعزيمة الاف الشيوعيين الانصار، في مناطق نضالهم الانصاري ، في وديان وسهول وقمم كردستان الغالية .
فاذ تكون الشمس في برج السرطان، وينتهي برج الاسد، يهل شهر تموز منتشيا بالعطاء. وتدور الزنابق ـ الزنبقة زهرة شهر تموزـ اقمارا في افلاك قلوب الانصار التواقين لاهلهم واحبابهم وللفرح المنطلق من بين حناجرهم واقلامهم واناملهم وحتار رصاص بنادقهم !
كانت الوحدات الانصارية الشيوعية ، في المفارز الانصارية الجوالة ، والمقرات الخلفية والمتقدمة ، وفي كل مناطق كوردستان ، لا يمكن ان تترك مناسبة بهية مثل يوم 14 تموز تمر دون احتفاء يليق بها. ومهما كان ذلك متواضعا. كانت المحاضرات السياسية تنتظم في قاعات نوم الانصار الخفيضة السقوف، وتحت ظلال الاشجارالكثيفة في الاستراحات عند ينابيع المياه العذبة في خواصر الجبال، او في الكهوف المنزوية عن نواظير طيران العدو. كانت معارض الرسوم والتخطيطات تفتتح في المقرات الانصارية الخلفية . كان التشكيليون الانصار ، كهنة الفن ، يقهرون المستحيل للحصول على الورق والالوان والمواد المناسبة لعملية كولاج او نحت او رسم كاريكاتيري. كانوا يختلقون الالوان ، كانهم يخترعونها من غبار الهاجس والحلم بالثورة . وكان المطربون الصداحون بالامل والعزيمة ، الذين لا يملكون سوى ماس حناجرهم وذهب مواويلهم وابوذياتهم ، واذ يتعذر عليهم الحصول على الة موسيقية مناسبة ، فأوعية الطبخ وبراميل الطرشي البلاستيكية تفي بالغرض لضبط ايقاع الاغنية التي تفور حماسا في عناق الارض وارجل الانصار .
ولم ينس الانصار يوما تقليدهم الثوري في اختيار شهر تموز، وايام محددة منه، للقيام بنشاطات سياسية على شرف المناسبة . يكون اللقاء مع الجماهير هو الهم الاول . تذكير الناس بمنجزات ثورة 14 تموز ودروسها ، وفضح محاولات النظام الديكتاتوري العفلقي السافرة لمحاصرة ذكرى 14 تموز، وطمس بهاء معالمها بعد ان ساهموا مباشرة في اغتيالها غدرا في 8 شباط 1963. والعمل العسكري الانصاري لا يتجاهل ثورة 14 تموز ابدا ، فلطالما دكت نيران الانصار الابطال غير هيابة مواقع السلطة الديكتاتورية في امسيات تموزية احتفاءا بذكرى جنود العراق الشجعان الذين فجروا الثورة بمساندة شعبهم العراقي ، فصارت معارك الانصار تلك ، حكايا لجماهير كردستان تغلفها بروح الاعجاب والفخر والاساطير. كانت بنادق الانصار الشيوعيين تعرف وتدرك بان سعفات النخيل لا تخضر الا تحت صهد تموز، وان وردة “كلالة سور” لا تبرق الا تحت شمس تموز ، وان حصان جواد سليم لابد ان يترجل يوما ليملأ العراق صهيلا . كان الانصار بعزيمتهم يقربون ذلك اليوم ، وقدموا من اجله الكثير . من اجل قيامة تموز ومن اجل بهاء الارض واحياء الكائنات والطبيعة ! حتى شهداء الانصار الشيوعيين ، كانوا لا يغيبون عن ايام الانصار التموزية ، فيتماهون مع تموز (دموزي ) فنجدهم بيننا دوما اكثر حضورا وبهاءا ، وأسماؤهم تدور على شفاه الزنابق تزرع الامل والعزيمة والبهاء .

النصير يوسف أبو الفوز
عن طريق الشعب العدد الخاص 221 ليوم 10/7/2008