الرئيسية » مقالات » زوبعة التشكيك بعقود النفط الجديدة

زوبعة التشكيك بعقود النفط الجديدة


إن عقود الخدمة التي على وشك أن تبرمها وزارة النفط مع خمس من السبع الكبار التي سيطرت على صناعة النفط في العالم، بريتش بتروليوم وشيل وايكسون موبايل و توتال و شيفرون، قد أثارت زوبعة من التشكيك بنواياها، لأن من يسمع باسم هذه الشركات لابد أن يقف متوجسا خيفة من شرورها التي عرفتها البشرية خلال القرن العشرين، خصوصا وإن الأمر يتعلق بالنفط العراقي عموما، وحقوله العملاقة بالخصوص، مثل الرميلة وغرب القرنة وكركوك والزبير ومجنون؟
ثورة الشك هذه تحمل الكثير من الهواجس المشروعة، لكن يجب أن لا تعني إيقاف التعامل مع السبع الكبار تماما، وإنما يتوجب علينا أن نكون حذرين جدا بالتعامل معها عندما نكون مضطرين لذلك.
يوم بدأنا بالكتابة كغيرنا حول عقود المشاركة بالإنتاج وأوضحنا مدى سلبياتها كان الرهان على شيء محدد، وهو:
• قدرتنا على تطوير حقول النفط وإنتاجه من خلال الاستفادة من التكنولوجيا العالمية والخدمات التخصصية للشركات العالمية من خلال عقود الخدمة الفنية التي تعتبر حجر الزاوية وحجر الجدران أيضا لأي تطوير بترولي،
• وكان الرهان أيضا على قدرة المهندس العراقي والفني والاقتصادي والحقوقي ولم يكن الرهان على ملائكة تأتينا من السماء لتقوم بهذا الجهد.
لكن مع الأسف وبعد أن انتصرت إرادة العراق حين سجلت مئات الشركات العالمية وعلى رأسها الشركات العملاقة في الصناعة النفطية لتقديم خدماتها التخصصية من خلال عقود الخدمة، أو ما سمي بعقود الدعم الفني، ونجح التكنوقراط العراقي باستجلاب هذه الشركات، راحت الأصوات تعلو من جديد مشككة بنوايا هذه الشركات العالمية من ناحية ، وبقدرة العراقي على ضبط سلوكها، خصوصا تلك السبع الكبار المعروفة في الصناعة النفطية عالميا.
هنا يحق لنا أن نسأل:
• فإذا كنا نشكك بقدرة المختص العراقي فعلام الرهان إذا؟
• وإذا كنا مشككين بصيغة عقود الخدمة وإمكانية التلاعب بصياغتها من قبل الشركات الأجنبية فعلام الرهان وبذل تلك الجهود؟
وإذا كنا متأكدين من هذا وذاك، إذا سيكون لزاما علينا العودة للمربع الأول ونمنح عقود المشاركة بالإنتاج دون تردد، لأن إذا لم نفعل ذلك، فإن النفط سيبقى في أرضه ولا يستفاد منه أحد.
كريك موتيت الاقتصادي البريطاني الذي يعمل مع منظمة بلاتفورم الخيرية كان أول من تناول موضوع العقود مع هذه الشركات في مقال نشر أخيرا، وأعيد نشره على موقف نقاش المعروف بنسختيه العربية والإنجليزية، كان الأساس الذي توكأ عليه هو نظرية المؤامرة أولا، ومنطق التشكيك بقدرة العراقيين وكأنهم سذج لا نفع يرتجى منهم ثانيا، لكان مع ذلك لم يكن حاسما برفضه التعامل مع هذه الشركات، كما ولم يقدم مبررات مقنعة لكل ما قاله، حيث أن موتيت هذه المرة، قدم لنا معلومات غير دقيقة، وأخرى مضللة إلى حد بعيد، خصوصا بالنسبة للعراقي الغير مختص في الصناعة النفطية، لأن المعلومات التي قدمها صيغت بطريقة توحي بوجود مؤامرة كبرى، وأعتقد أن الوصول لتلك الاستنتاجات من قبل المتلقي العراقي، كان هو الهدف الأساسي للمقاله.
“يقول في مقالته ” ولكن عند إمعان النظر، نجد أن العقود ستبدو غريبة! بداية، لقد أبرمت هذه الصفقات مع الشركات الخطأ، فالشركات التي تقدم عادة TSCs تكون اختصاصية بتزويد الخدمات، مثل شلمبرجير Schlumberger، سايبيم Saipem، أو بيكر هيوجز Baker Hughes. و غالباً ما يوظَّفون لخبرات جيولوجية أو لتنفيذ أعمال بناء وحفر، أو لتشغيل تقنية ما”.
يحق للقارئ أن يسأل، أين الخطأ في ما قاله موتيت تحديدا بهذا الشأن؟ حيث كل ما قاله صحيح بشأن هذه الشركات الخدمية المتخصصة، وحتى أن جميع الشركات العملاقة، وحتى الصغرى، تستقدم الخدمات من شركات الدعم الفني العالمية، حيث أعمالها فعلا تعتبر حجر الزاوية لجميع أعمال التطوير البترولي وفي أي مكان في العالم.
لكن عقود الخدمة، أو الدعم الفني، التي يعتزم العراق تقديمها للشركات العملاقة مثار الريبة، من حيث الأساس تتعلق بالدراسات المكمنية ومن ثم إدارة المكامن، وليست عقود لتقديم خدمات من نوع آخر، كالبناء أو حفر الآبار وما شابه.
شركات خدمات الدعم الفني التي ذكرها موتيت، واحدة منها فقط، شلمبرجر، تستطيع تقديم خدمات عالية التخصص في مجال الدراسات المكمنية، وهي تقدم من حيث الأساس خدمات فنية للحصول على معطيات مطلوبة للدراسات المكمنية، مع ذلك هذه الشركة بالذات مازالت لم تتقدم للعمل في العراق لحد الآن، وهي بذاتها أيضا شركة أمريكية واحتكارية لا ينافسها أحد في مجال عملها بتوفير المعطيات الدقيقة عن خواص المكمن الصخرية وغيرها من معلومات ضرورية لإجراء الدراسات المكمنية. أما الشركات الأخرى التي ذكرها السيد موتيت في مقاله، فهي بعيدة تماما عن الدراسات المكمنية، حيث أن سايبم أو بيكر هيوز تقدمان خدمات حفر الآبار، ولا أدري ما السبب الذي دعا موتيت لذكرها في مقاله رغم أنها غير معنية بالأمر؟ ربما لغاية في نفس يعقوب، أو ربما لا يعرف ما يكفي للتميز بين تخصصات هذه الشركات كونه اقتصادي.
عودة إلى شركة شلمبرجر، فهذه الشركة وبالرغم من أنها تقوم بالدراسات المكمنية، لكن هذا العمل محصور بالحقول الصغيرة والمتوسطة، ولم تجرى يوما ما دراسة مكمنية على الحقول العملاقة قط، حيث أن الحقول العملاقة في العادة تحتاج إلى مراكز دراسات كبيرة، ربما خاصة بها، فمثلا، شركة أرامكو في السعودية، التي تنتج وتدير حقل الغوار العملاق، لها مراكزها الخاصة للقيام بالدراسات المكمنية لهذا الحقل بالذات، صحيح أنها تستفيد من المعطيات الدقيقة التي تجمعها شركة شلمبرجر من الآبار كمعلومات تستفيد منها لإجراء هذه الدراسات، لكنها بالتأكيد لا تسمح لها بإجراء الدراسات الكبرى على حقل الغوار العملاق بأي حال من الأحوال، وهذا هو الحال بالنسبة للشركة الكويتية التي تعتمد على مراكز شل أو بي بي أو اكسون موبيل أو غيرها لإجراء الدراسات المكمنية على حقلها العملاق “حقل بركان”، لكن حقولها الأخرى الأصغر، فإن الدراسات المكمنية لها تقوم بها شركات أخرى، مثل شلمبرجر.
باختصار: رغم وجود آلاف المكاتب الاستشارية ومراكز الدراسات في العالم التي تقوم بالدراسات المكمنية، لكن لا توجد واحدة منها تستطيع إجراء دراسة مكمنية متكاملة على حقل عملاق، حيث أن هذه الدراسات بحاجة إلى إمكانيات غير متوفر لدى هذه الشركات. والحقول العراقية العملاقة لا تقل شأنا عن الغوار السعودي أو بركان الكويتي.
ربما نستطيع الاستغناء عن هذه الدراسات في الوقت الحالي والصبر لبضع سنوات أخرى لحين يكون باستطاعة شركات الدعم الفني العالمية القيام بذلك، لكن لم الخوف مادام العراق يعرف ماذا يريد؟ ولديه من الخبرات ما يؤهله لمراقبة سلوك هذه الشركات ودولها؟
كريك موتيت يعتقد أن العقود الخدمية التي ستوقع مع العراق قد تتحول في النهاية إلى عقود مشاركة، فهو يقول في هذا الشأن ما يلي:
“”و من أجل أن يحصلوا على مبتغاهم في موقع طويل الأمد، قام محاموا شركات النفط بكتابة المسودات باستخدام لغة مرنة تعطيهم الحق بعقود مستقبلية بعد أن تنتهي مدة هذه العقود. وإذا ما اعتمد قانون النفط عندئذ، وهذا ما ترجوه الشركات، ستصبح العقود اتفاقيات مشاركة إنتاج””.
لكن نسي الرجل أن هذه الحقول في جميع الأحوال ستكون من حصة شركة النفط الوطنية وهي مدرجة ضمن الملحق الأول لمسودة قانون النفط، في حال تم إقرار المسودة من قبل مجلس النواب، لا سامح الله.
فإذا كان موتيت لا يعرف شيئا عن هندسة المكامن، فهل يعقل أنه غافل عم مضمون مسودة قانون النفط سيئة الصيت؟ حيث كان من أوائل الناس الذين كتبوا عنها، وله معها صولات.
نعم من الضروري جعل هذه العقود واضحة جدا قبل أن توقع، وهذا ما طالب به موتيت، إذ فعلا يتوجب على خبراء النفط، وأعضاء البرلمان أن يناقشوا ويدرسوا الشروط الواردة بتلك العقود، وهذا مطلب عادل جدا، لأن الشفافية والحرفية مطلوبة في القضايا الكبير التي تتعلق بالنفط، ثروة الوطن الأساسية.
قد تكون نوايا كريك موتيت طيبة اتجاه العراق وشعب العراق، وهذا ما أتمناه، لكن كان عليه أن يكون أكثر دقة بنقل المعلومات ومن ثم يحق له الاستنتاج وصياغة موقف، أو الإيحاء بمواقف معينة، لأن لا نريد أن نضع العصي في الصناعة النفطية، وعلينا أن ندفع للأمام بكل ما هو إيجابي وصحيح.
أخيرا أقول:علينا طرح الثقة بخبرائنا العاملين في العراق، لأن العراقي الخبير بهندسة المكامن النفطية بالتأكيد يعرف أكثر بكثير من موتيت (الاقتصادي)، فالتكنوقراط العراقي جدير بتحمل المسؤولية كاملة، ولا داع للتشكيك بقدرات خبرائنا.
************
مقالة كريك موتيت على موقع نقاش
http://www.niqash.org/content.php?contentTypeID=171&id=2230
2008-07-10