الرئيسية » الملف الشهري » 14 تموز الخالد انقلاب تحول إلى ثورة

14 تموز الخالد انقلاب تحول إلى ثورة

السؤال الذي طالما كان هاجسا للكثيرين ممن كتبوا عن يوم 14 تموز هل هو انقلاب أم ثورة،كان كل منهم ينطلق من منطلق أيديولوجي صرف،وخلفيات فكرية تحتم عليه الانحياز إلى هذا الرأي أو ذاك،لذلك ينعدم الرأي المستقل بين هذه الآراء،فالمتضررون من التغيير الجديد لا يمكن لهم القول ابنها ثورة لافتقارها لشكل الثورات وما وضع في القواميس من تعريف لها، ،والمؤيدون لها يؤكدون على إنها ثورة غيرت الواقع العراقي وطبيعة النظام من ملكي إلى جهوري وهذا تغيير كبير يمكن له أن يأخذ لقب الثورة،وآخرين بين هذا وذاك،رغم أن الدكتور عبد الإله الصائغ في طيوره المهاجرة قد كتب بروح موضوعية يمكن لها أن تكون محاولة لدراسة محايدة عن تموز، ولعلي مع التيار الوسطي- وليس على قاعدة خير الأمور أوسطها- في القول أن يوم الرابع عشر من تموز كان انقلابا تحول إلى ثورة شعبية عارمة،يمكن لنا من خلالها التأكيد على أنه ثورة على الواقع الفاسد بمؤازرة شعبية أدت إلى النجاح،فقد كان للتحرك الشعبي دوره الفعال في لجم القوى الرجعية عن التحرك لمقاومة الثورة ،وما حدث في الديوانية من تحرك للفلاحين والضباط والجنود الثوريين أثره الحاسم في إفشال تحرك الفرقة الأولى للانقضاض على الثورة،والحركة الشعبية التي كانت وراء إلقاء القبض على رموز النظام وإفقادهم زمام المبادرة للتحرك وإجهاض الثورة،إلى الانطلاقة الشعبية التي هيمنت على الشوارع والساحات لإيقاف أي تحرك مشبوه لمقاومة الثورة،واختفاء كبار رجال الحكم خوفا على رؤوسهم من غضب الجماهير،أن كل ذلك يجعل من يوم تموز الأغر ثورة بمعناها العام،ولكن هل أخذت طابع الثورة في مسيرتها القادمة،هذا ما علينا مناقشته ودراسته بروح موضوعية -أقر على نفسي افتقادها – ولكن عسى أن أملك شيئا من الموضوعية لمعالجة هذا الأمر بعيدا عن تصوراتي المسبقة،وعلى طريقة الإصرار على الخطأ فضيلة.

لقد كان قادة الثورة من كبار ضباط الجيش ومن عائلات أقل ما يقال فيها أنها من البرجوازية وطنية أو غير وطنية،وتختلف توجهات هؤلاء الضباط باختلاف توجهاتهم السياسية والفكرية،فهم مجموعة متغايرة لم تضع لنفسها توجه ثابت للتعامل،ولا تمتلك رؤية واضحة عن طبيعة النظام الذي سيكون،ويحملون في داخلهم نزعة عسكرية في السيطرة والتملك بما تحمله العقلية العسكرية من عنجهية واستكبار،لذلك نرى أن تصوراتهم النفسية طغت على ما يحملون من أفكار وتوجهات،فكل منهم يرى في نفسه القائد والزعيم والمخطط والمنفذ والرجل الأول فيها،ومذكرات بعضهم تفصح عن ذلك حتى أن بعض صغار الضباط كانوا يأملون المنصب الكبير والترقية الأعلى،لذلك بدأت الخلافات في اليوم الأول للثورة مما جعلها تنحرف عن مسارها الوطني وتنزلق في طريق التآمر والاقتتال،وما تحركات عارف وجماعته من أتباع العربية المتحدة إلا البداية الأولى لانحراف الثورة وابتعادها عن الطريق الوطني،فكان الاقتتال بين قاسم وعارف ،والتقاطع في التوجهات ولم يكن عارفا وحدويا كما يدعي في جولاته في المحافظات ،ولم يكن قاسم ضد الوحدة أو الانتماء للمحيط العربي،ولكن القوى المتضررة من الثورة،والبعثيين المرتبطين بالجهات الغربية،حرفوا المسيرة بشعارات عربية ثورية ليس لها مكان من الأعراب ولا يؤمن بها مدعيها ،ولكنها الطريق للسيطرة على الحكم ،فكان خلاف عارف- قاسم بداية الانحدار إلى الهاوية ومجيء البعث إلى السلطة بقطاره الأمريكي الانكليزي الصهيوني،وما جر ذلك من صراعات لا مبدئية بين أبناء الشعب.

وكان للتآمر الأجنبي والإقليمي أثره في ما حدث من أحداث – كما هو الحال الآن- فتناهب الشعب العراقي الجانب اليساري متمثلا بالحزب الشيوعي العراقي والجهات الداعمة له،والجانب الثاني الذي ضم القوميين والرجعيين والظلاميين والقوى المتضررة،مدعومة من أغلب دول المنطقة والعالم لإسقاط الجمهورية الفتية،فكان التخبط المريب لعبد الكريم قاسم،فتارة يكون إلى جانب اليسار لتدعيم سلطته بعد أن أثبت اليسار هيمنته على الشارع العراقي،وأخرى مع اليمين لأضعاف اليساريين ،فقد كان أغلب وزراء قاسم من الأطراف اليمينية،وأغلب المحافظين وكبار المسئولين والقادة العسكريين من اليمين المغامر والمهجن،وكان يراوح بين التيارين ويحاول الموازنة بين الجانبين في الصراع ليكون هو المستفيد في توطيد حكمه وإدامة وجوده،وكان لا يثق بالجميع، ويعاملهم بهذا الأمر دون تفريق بين من هو معه ومن هو عليه،وهذا القلق ألقاسمي كان وراء تصرفاته غير المعقولة والمتناقضة،وكانت مقاومة انقلاب الشواف بمباركة منه ولكنه أستغلها لضرب الحزب الشيوعي والديمقراطيين العراقيين وبعد أن كان هؤلاء أسود الثورة وأبنائها وحماتها،أنقلب عليهم وحاكمهم بتهم باطلة صاغتها المخابرات المصرية التي متنت وجودها من خلال القادة المواليين لها والمبثوثين في أجهزة الدولة المختلفة،فكان الانقلاب الكبير الذي مهد لعودة القوى الرجعية المتآمرة والبداية لنهاية الحكم الوطني في العراق،ويتحمل الشيوعيين العراقيين المسئولية الكاملة في تهاونهم مع القوى الأخرى والسماح لها بالتقاط أنفاسها وكان عليهم بما يمتلكون من قوة في الجيش والشارع الإمساك بالسلطة بيد من حديد وعدم التهاون فيها لحسابات وتصورات متركزة في العقل الشيوعي،وكان الأمر يحتاج إلى شيء من الأقدام لتغيير المسار التاريخي للعراق،ولكن العوامل الذاتية والموضوعية للحزب فعلت فعلها وأدت إلى ما آلت إليه الأحداث.

ولنا أن نتساءل ،أين نضع عبد الكريم قاسم بين الزعماء العراقيين،لقد كان عفا نزيها لم يتدنس بالفساد المالي أو الأخلاقي أو يحاول استغلال السلطة لمصلحته الخاصة أو مصلحة أسرته وعشيرته ومدينته،لقد كان عراقيا بحق وحقيق رغم أخطائه المدمرة وتصرفاته الخاطئة، ولا يشفع له أنه سلم أمور الدولة لأناس يعلم أنهم يعملون لصالح جهات أجنبية ،فالكثير من قادة الفرق وأمري الألوية ورؤساء الوحدات الإدارية والوزراء من الصنائع المعروفة لدول الجوار ومن المعادين لنهج قاسم وتوجهه الوطني والمرتبطين بشكل أو آخر بجهات إقليمية ودولية مشبوهة،فكيف لزعيم وطني يتحمل مسئولية تاريخية أن يسلم أمور بلاده إلى شلة من المغامرين يعلم أنهم معادون لكل ما هو وطني شريف، ويفسح في المجال لهذه القوى بضرب الأطراف الوطنية التي زكاها التاريخ،وكيف له أن يجعل حميد الحصونة المعروف بنفاقه ولعبه على الحبال قائدا لفرقة تهيمن على سبعة ألوية،وكان الحصونة هذا يقول أنه من تلامذة فهد وممن تعلموا منه المبادئ والقيم ويحفظ وصاياه العشرة،وكان يزور مقر الحزب الشيوعي في بغداد وهو يهتف بهتافات تمجد الحزب وقادته،وهذا الأمر يعرفه الشيوعيين وقاسم بالذات ،ثم يتحول بين ليلة وضحاها إلى عدو مبين للشيوعيين ويشن عليهم حربا ضروس في الألوية الخاضعة له،في الوقت الذي لم يتخذ الحزب أي أجراء معاد لقاسم وثورته على أمل الإبقاء على نظام حكم وطني ،رغم هيمنة الأشرار من عملاء دول الجوار.

أن وطنية قاسم لا تعفيه من تصرفاته الخاطئة ،والدماء التي أسالها البعثيون يتحمل مسؤوليتها الكاملة لأنه كان وراء أبقائهم والسماح لهم بمزاولة نشاطهم لتذبذب مواقفه،ورؤيته الغائمة للأحداث ،واعتماده على أناس لا يتمتعون بمصداقية وطنية،ومحاربته للإطراف الوطنية ،و,إفساح المجال للمتصيدين بالماء العكر لأن ينزوا على السلطة في انقلابهم المشئوم،وقد حفر قبره بنفسه عندما جعل هؤلاء الحكام الإداريين للمدن العراقية،فكانت أوامره لا تنفذ،وكل لواء يحكم نفسه حكما ذاتيا غير مقنن بقانون،نعم كان لثورة تموز أعمالها العظيمة التي لا يمكن المزايدة عليها،وسنت التشريعات التي تنصف الفقراء وأبناء الشعب وقلمت أظفار الرجعية وعملاء الاستعمار ولكنها أبقت على رأس الحية فما ينفع بتر الذنب.

وكان ينقص تلك التجربة الخبرة السياسية لزعيم الثورة ،والخيار الديمقراطي،ولو تبنت الثورة هذا الخيار وأفسحت في المجال للقوى السياسية ،للعمل العلني وأجراء انتخابات وطنية لتغير مسار العراق وتحول من بلد تعصف به الانقلابات إلى بلد آخر يعيش في أجواء ديمقراطية توفر للجميع حقهم في المشاركة في أدارة شؤون البلاد والسير بها إلى أمام،رغم أن الأجواء العامة كانت غير مساعدة على قيام مثل هذا النظام،ولكن الابتعاد عن الديمقراطية،والتنكيل بالقوى الوطنية الفاعلة كان وراء المآسي التي حدثت والانقلابات التي تتابعت،ولا يتحمل قاسم وحده هذه المسئولية،فأن الأطراف المناوئة له لم تمنحه الوقت اللازم للقيام بمثل هذا المشروع ،والعقلية العسكرية الطاغية،والسلوك الجماهيري في تأليه الحكام ومنحهم الشرعية التي تعصمهم من الأخطاء،والجميع يتذكر في تلك الأيام هتافات الشارع العراقي،وما رافقها من مسيرات جعلت منه الزعيم الأوحد،والقائد الوحيد،وهذه العقلية الشرقية وراء الدكتاتوريات التي نصنعها بأيدينا لتنقلب علينا لتذبحنا من الوريد إلى الوريد ،ولا زالت أصداء الأغنية العراقية الشائعة تتردد على مسامعي ،وهي تشير إلى القانون الثوري للأحوال الشخصية،والتي كانت تغنيها المطربة وحيدة خليل(عبد الكريم موصي كلمن يأخذ خطيبه)،ولعل الحب الشعبي لقاسم تجاوز كل الحسابات ،وحتى بعد استشهاده أصر محبيه على أنه لا زال حيا يرزق وسيعود في يوم ما،وأن الله وضع صورته في القمر، وكانت له مكانته الشعبية الكبيرة،وهذه المكانة لم يحضا بها زعيم عراقي على الإطلاق.

أن يوم 14 تموز الخالد هو اليوم الوطني للعراقيين،وهو الصباح الزاهر الذي لا توازيه الصباحات الأخرى ورغم ما رافقه من أخطاء وإخفاقات يبقى اليوم الوضاح و الخالد، ورمزا للنضال الوطني وعلامة في تاريخ العراق الحديث،ولا يمكن لأحد النيل من وطنية ونزاهة عبد الكريم قاسم ويوم تموز الأغر وأن تقول المتقولون.