الرئيسية » الملف الشهري » الجواهري يؤرخ لثورة تموز

الجواهري يؤرخ لثورة تموز



تنبأ الجواهري العظيم في العهد الملكي بثورة شعبية تغير النظام وتنقل العراق إلى عهد ديمقراطي جديد، وبشّر لتلك الثورة، ودعا وحرَّضَ إليها في قصائد خالدة… وقد أرخ بعد انبثاقها في الرابع عشر من تموز 1958 لعديد من وقائعها وأحداثها، مكبراً قيامها وروادها، ومنبهاً إلى المخاطر التي تحيط بها، وداعياً إلى ترسيخ مبادئها… كما ناقداً، ومنتقداً هنّاتها وعثراتها وارتباكاتها، والابتعاد عن مسارها ومبادئها، إضافة لأسلوب قيادتها… وكل ذلك من منطلق الحرص على مصالح المواطنين والبلاد أولاً، وأخيراً.


… ولعلّ سطوراً عجلى كهذه لن تؤشر سوى القليل من “تموزيات” الجواهري، التي كتبها في نواح ٍ ومناسبات شتى… عن جيش الثورة، وعمالها، ونسائها، وشبابها، وطلابها، وغيرهم، وكذلك عن اغتيالها، وما عاشه الوطن وأهله من مذابح وعسف وتشريد، بعد تمكن الانقلابيين من اتمام جريمتهم في انقلاب شباط الفاشي عام 1963… وهنا، وبمناسبة الذكرى الخمسين لانبثاقها، علّنا نقدر ان ننقل في الاختيارات اللاحقة شيئاً وحسب، من تأرخة الجواهري لتلك الثورة المجيدة قياماً واغتيالاً، وما بينهما، وبعدهما من أحداث وشؤون وشجون…





* * *


جيش العراق (1958)






… جيش العراق ولم أزل بكَ مؤمنا
وبأنك الأمل المرجى والمنى
… جيش العراق إليك ألف تحية
تُستاف كالزهر الندى وتجتنى
حمل الفرات بها إليك نخيله
ومشى بدجلة جرفها ، والمنحنى
فلقد أعدت إليهما صنويهما
من بعدما غصـّـا بأدران الخنا
… هذا العراق وهذه ضرباته
كانت له من قبل ألف ٍ ديدنا


باسم الشعب (1958)






… يا فتية العهد الجديد ِ يضمهمْ
في حومة العهد الجديد كفاحُ
… ناشدتكم جثث الضحايا لم يزلْ
منها يرف على البلاد جناحُ
… لا تتركوا الوطن الحبيب لفرقة ٍ
نهبا ، يجاءُ بسرحِه ويُراح (1)
… لمّوا الصفوف عليه يتسع المدى
بكمُ ، وترحب بالصفوف ِ ، الساحُ


في عيد العمال (1960)






… صحابي وأنتم لنعم الصحاب ِ
إذا نكثت من صحيب ٍ عهودُ
… مضى أمس أسودَ … من خلفه
وجوه مضت تنطفُ اللؤم سودُ
وفي “يوم تموز..” شقت له
وللعاكفين عليه لحودُ
… إذا ما ركضتم إلى خُلِّب ِ (2)
سراب تبدى سراب جديدُ
فلا تستهينوا بدرب الكفاح ،
فدون النهاية شوط ٌ يعيدُ …


ايه شباب الرافدين (1961)






ضموا صفوفكم ولمو ، مجداً إلى مجد ٍ يضم
وتكاتفوا ينهض بكم ، جبل يلاذُ به أشمُ
… يا من اذا جدَّ البلاء، يخصهم شرٌ ، يعُمُ
… فيم التفرق ، مخولٌ ، في الثأر ، يرصده مُعـِـمُ (3)
… أعلى “المناسِب” والعراق أبٌ لكم ، زاك ٍ، وأُمُ
… أم للمبادئ وهي مائدة بها عسلٌ وسمُ
… يلهو بها المتزعمون ، وينبري للزعم ِ زعمُ
يتقاسمون سهامها … كيفٌ يصرّفها ، وكمُّ



يا دجلة الخير (1962)






… يا دجلة الخير ما يُغليك من حنق ٍ
يُغلي فؤادي : وما يشجيك يشجيني
… يا دجلة الخير: أدري بالذي طفحت ،
به مجاريك من فوق ٍ إلى دون ِ
… أدري بأنك من ألف ٍ مضت هَدراً،
للآن تهزين من حكم السلاطين ِ …
… لعلَّ يوماً عصوفاً جارفاً عرماً،
آت ٍ فترضيك عقباه وترضيني



يا دارة المجد (1963)






يا دارة المحد ودار السلامْ
بغداد يا عقداً فريد النظامْ
يا أم نهرين استفاضا دماً
ونعمة من عهد سام وحامْ
… من مبلغ الفاجر في “صحوة ٍ”
بين الغواني وكؤوس المرامْ
… ان العراق انتهكت دوره
عشية، ثم استتب “النظام”
… “أمين” خلِّ الدمَّ ينزف دماً (4)
ودع ضراماً ينجلي عن ضرامْ …
… فللضحايا من جراحاتها
أي عيون خزر ٍ لا تنامْ


إلى أطياف الشهداء الخالدين (1963)






… سلاماً: ودوى صراع عنيدُ
به السادة استبسلت والعبيدُ
سلاماً: وراحت تصب القيودُ
ويحمر فرط الحياء الحديدُ
… سلاماً: مصابيح تلك الفلاة
وجمرة رملتها المصطلاة
… ولاة النضال، حتوف الولاة
… سلاماً : على صامد ٍ لا يطالْ
تعلم كيف تموت الرجالْ
… سلاماً على جاعلين الحتوفْ
ممر المواكب جسر الزحوفْ
… حماة الحمى والليالي تعودُ
وخلف الشتاء ربيع جديد
سيخضر غصن ويورقُ عودُ
ويستنهض الجيل منكم عمودُ


كردستان (1963)






.. غاليت في حب الشهيد وراعني
فيما أحدثّ عنه فكر مبهم
أبداً تسدوني خطاه وأُلهمُ
وتعنّ لي منه الطيوفُ وارسمُ
نفسي الفداء لعبقري ثائر ٍ
يهب الحياة كأنه لا يفهمُ
… سلم على الجبل الأشم وأهله
ولأنت تعرف عن بنيه من همْ
… والثم ثرى بدم الشهيد مخضباً
عبقاً يضوع كما يضوع البرعمُ
… يا بن الشمال ولستُ مسعرُ فتنةٍ
أنا في وداعتي الحمام وانعمُ
يهتاجني ذبح النعاج واغتلي
لشويهة عن صدر شاة تفطمُ
فاذا أثرت بما يثير فعاذري
نفسٌ بكل دنيئة تتبرمُ
واذا دعوت الى القصاص فشرعة
نـَـصـَـفٌ تحلل سمحة ، وتحرم
… وسيؤخذ الوحشُ المدل بنابه،
وعلى مخالبه الخنا والمأثمُ
ولسوف يصلى من يموتُ بعاره ،
ولسوف يحسد ميتاً من يسلمُ


يا أبا ناظم (1965)(5)






… أنا ذا – من عهدتَ – حرٌ صريحُ …
القول ، القي بما لديّ واعني
… اشداةٌ مشردون بلا وكن ٍ …
وخرسُ الطيور تأوى لوكن
افنحن المزعزعون عن التربة …
تُسقى دماءنا كل قرن ِ
بضحايا تـَـطيحُ في كل درب ٍ
وقبور تصيح في كل ركن
… افنحن الذين يرتفع السوط
عليهم بظنة المتظني
سوط من سوط كل علج عليف ٍ
دنس الأصل والمنابت عفن ِ


هوامش وتوضيحات: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


1- سرح: الماشية


2- خلَّب: خادع


3- مخولٌ ومعمّ: خال وعم


4- “امين”: امين الاعور الكاتب والصحفي اللبناني الذي يخاطبه الجواهري في هذه القصيدة


5- أبو ناظم: الشاعر محمد صالح بحر العلوم



مع تحيات مركز الجواهري في براغ


www.jawahiri.com