الرئيسية » مقالات » نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية -9

نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية -9

الحلقة التاسعة
الجادرجي هو المؤرق الفعلي للجلبي وليس حكم البعث المقبور في العراق
كرس الدكتور فاضل الجلبي خلال السنوات الفترة الواقعة بين عامي 2002 و2008 عدة مقالات ومحاضرات وجه في بعضها النقد الشديد لسياسات ومواقف الأستاذ الكامل الجادرجي من جهة , ووجه في بعضها الآخر النقد الشخصي الجارح لما اعتبره عيباً في سلوك وخصائص الراحل من جهة أخرى. فهل كانت الرؤية الموضوعية والحصافة السياسية والأنصاف دليل الزميل الدكتور الجلبي أم كانت قد تركها على قارعة الطريق؟ هذا ما حاولت تبيانه في الحلقات السابقة وما سأتطرق إليه في هذه الحلقة والحلقة العاشرة وهي الأخيرة في هذه السلسلة.
عاش الجادرجي 71 عاماً وغادرنا مبكراً. ولد في العام 1897 ورحل عن عالمنا في العام 1968 إثر نوبة قلبية لم تمهله طويلاً. بدأ عمله السياسي في العام 1920 حين شارك في ثورة العشرين مع والده رفعت الجادرجي. نفيا على إثر ذلك إلى اسطنبول من قبل سلطات الاحتلال البريطانية , ثم عاد إلى الوطن. أصبح وكيلاً لوزارة المالية في العام 1926. استغرق نضاله السياسي طيلة الفترة الواقعة بين عامي 1920 و1968 , أي ما يقرب من نصف قرن في بلد كانت ولا تزال السياسة تشكل واحدة من أعقد وأصعب مجالات العمل في الشأن العام.
لم يجد الدكتور فاضل الجلبي لهذا المحامي المميز والسياسي البارز أي فضيلة من الفضائل , ولكنه نسب إليه كل السمات السلبية والسيئة التي يمكن أن يتميز بها سياسي عراقي من أمثال نوري السعيد وسعيد قزاز وخليل كنة وصالح جبر وغيرهم من قادة النخبة الحاكمة في العراق الملكي , بل حتى في عراق ما بعد ثورة تموز 1958. لقد ساوى بطريقة ما بين الجلاد والضحية في السمات والسلوك!
يصعب على الإنسان بل يستحيل عليه أن يتصور قبول قوى المعارضة العراقية أن تتعامل بكل ذلك الاحترام والتقدير مع الأستاذ الجادرجي وهو يحمل معه كل تلك السمات السلبية والسيئة التي ألبسها له الدكتور الجلبي عنوة. كما يصعب تصور أن تقبل تلك المجموعة الكبيرة من المثقفين العراقيين الواعين والمحنكين سياسياً أن تعمل في حزب سياسي وطني وديمقراطي يقوده الأستاذ الجادرجي وهو يحمل تلك السمات السلبية وذلك الاستبداد الخارق للعادة! لا اشك في صواب من يقول لي أن ليس هناك إنساناً كاملاً في صفات الإيجابية والجيدة , أو أن يقول لي أن به بعض السلبيات إلى جانب جوانبه الإيجابية والجيدة , ولكن يستحيل عليّ قبول رأي شخص ما , كالدكتور فاضل الجلبي , يقول أن كل شيء في كامل الجادرجي كان سيئاً ومثيراً للشبهات. لنتذكر هنا معاً تلك الحكمة الشعبية النابتة والسليمة التي تقول: “حدث العاقل بما لا يعقل فأن صدق فلا عقل له”. فهل يريدنا الدكتور فاضل الجلبي أن نكون عديمي العقل أو مجانين نقبل بكل ما كتبه عن الأستاذ الراحل , الذي لم يعد موجوداً بيننا ولم يعد في مقدوره الرد عليه؟ والغريب في هذا الأمر هو أن السيد الجلبي وجد في العهد الملكي وفي شخصيات وسياسات العهد الملكي ما يمكن مدحه , ولكنه لم يجد في المعارضة العراقية والحركة الوطنية العراقية ورئيس الحزب الوطني الديمقراطي ما يمكن أن يمتدحه وييرزه من إيجابيات فيه تصالح لتعرف الأجيال الراهنة والقادمة بها , خاصة وأن الراحل قد شكل في الحياة الفكرية والسياسية والثقافية العراقية والعربية ظاهرة متميزة ومدرسة فكرية وسياسية وطنية وديمقراطية عراقية وعربية في آن واحد وعبر بحيوية ومقدرة عن فكر الفئات الوسطى في المجتمع , ولكنه التزم في الوقت نفسه مصالح الفقراء والمنتجين أيضاً. ولا شك في أن كثرة من الناس ما تزال ترى في الكثير من أفكار وممارسات الجادرجي السياسية والثقافية الديمقراطية ما يفترض أن يفيد العراق الراهن. ويبدو أن هذا هو الأمر الذي أرق ويؤرق صاحبنا الدكتور فاضل الجلبي.
من حق الدكتور فاضل الجلبي أن ينتقد برنامج الجادرجي الاقتصادي في دعوته إلى التأميم في وقت مبكر جداً بالمقارنة مع من رفع شعار التأميم لاحقاً , وهي المسألة التي لا يحتمل الدكتور الجلبي سماعها أبداً والتي يبدو إنها المسألة التي دفعت بالجلبي إلى تشديد النقد حالياً ضد الجادرجي باعتباره أول من دعا إلى الخلاص من الشركات البترولية الدولية وإنهاء دورها في العراق لصالح بدء العراق بعمليات استخراج وتصدير وتكرير وتصنيع النفط الخام العراقي , وكان معه في ذلك أغلب قادة الحزب الوطني الديمقراطي وكل القاعدة الحزبية والشعبية وقوى سياسية أخرى أيضاً. كما يبدو أن الخشية بادية على الدكتور الجلبي في احتمال ابتعاد المسؤولين في العراق عن الأخذ بنصيحة الجلبي التي دعا فيها إلى الأخذ باتفاقيات المشاركة بالإنتاج المضرة بمصالح العراق. ويبدو ايضاً أن دعوة الجادرجي إلى سن قانون للإصلاح الزراعي يصفي بقايا العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في البلاد في حينها , إذ شارك بنفسه في وضع القانون في داره مع قادة من الحزب الوطني الديمقراطي , كما تشير إلى ذلك السيدة بلقيس شرارة في مناقشتها لمقالات وأفكار الجلبي حول الجادرجي , قد أزعجت الجلبي , فهو الذي لا يستطيع كلمة الإصلاح الزراعي , فهي تخدش أذنيه وتثير أعصابه وتستفزه من الأعماق , كما بدا لي ذلك واضحاً في نقاشي معه في ندوة فيينا في أوائل التسعينيات من اقرن الماضي. ومن حق الجلبي أن ينتقد سياسة الجادرجي , كما فعل , ولكن لم يكن من حقه أن يخلط الأوراق بالطريقة البائسة التي حاول بها التشكيك بعراقية الجادرجي أو حتى عروبته , وهو الرجل الذي فتح حزبه لكل العراقيات والعراقيين من مختلف القوميات , وهو الحزب الثاني بعد الحزب الشيوعي العراقي الذي ضم إلى صفوفه العرب والكُرد والكلدان والآشوريين والتركمان , كما ضم إليه أتباع جميع الأديان والمذاهب الموجودة في العراق منذ بداية تأسيسه. ستكون هذه النقطة مدار الحوار الذي سأخوضه مع الدكتور فاضل الجلبي في الحلقة العاشرة والأخيرة.
لو تتبعنا المقالات التي كتبها الدكتور الجلبي لوجدنا إن النقد توجه صوب مواقف المعارضة في فترة العهد الملكي والعهد الجمهوري الأول , ولكنه لم يتحدث عما جرى في فترة الحكم القومي والحكم البعثي الثاني في العراق التي دامت طوال 35 عاماً تقريباً. وما ورد حول هذه الفترة لا يتجاوز عدة سطور وكأن الرجل يحاول أن يهرب من ظله. لقد كتب الجلبي ما يلي:
“كان المبرر المعلن لاحتلال العراق, إلى جانب التخلص من أسلحة الدمار الشامل التي لم يعثر على أثر لها, هو إقامة نظام ديموقراطي يحل محل نظام صدام الدكتاتوري, ويكون نموذجاً يمكن أن يقتدى به في منطقة الشرق الأوسط. وبالنسبة إلى العراقيين في المنفى, بعد كارثة احتلال الكويت, والحرب التي تلتها, كانت كلمة الديموقراطية على لسان كل منهم, كأنهم يجدون في هذه الكلمة حلاً لكل مشاكل العراق, من دون النظر والسؤال: هل هناك إمكان تحقيق نظام ديموقراطي في بلد مثل العراق, وفي هذه الظروف بالذات؟” (فاضل الجلبي. العراق.. ديموقراطية بلا ديموقراطيين! (1 من 3): عقلية التسلط لدى نوري السعيد وطبقة العسكريتاريا العثمانية. الحياة في 30/05/2005).
ولكن الغريب بالأمر أن النقد الذي توجه إلى الفترة الراهنة لم يستمر طويلاً , إذ انتقل منها مباشرة إلى نقد الأستاذ كامل الجادرجي ولم يتحدث عن عهد الدكتاتور صدام حسين إلا بكلمات قليلة سنتتبعها فيما بعد.
سأحاول مناقشة البعض من هذه الأفكار بشيء من التفصيل لما تتضمنه من خلط غير معقول للأوراق.
لا بد من أن نودع وإلى الأبد ادعاء الولايات المتحدة بأنها كانت تريد تدمير السلاح النووي في العراق أو نشر الديمقراطية في البلاد. فهذه لم تكن الأسباب الحقيقية , بل الواجهة التي تسترت بها الإدارة الأمريكية. وقد كتبت عن ذلك قبل الحرب بأشهر كثيرة , كما أشرت إلى ذلك في محاضرة لي في ندوة مشتركة مع سماحة الدكتور محمد بحر العلوم والسيد الدكتور محمود عثمان عقدت في لندن قبل الحرب بفترة وجيزة جداً , حيث شرحت فيها كل الأهداف التي تسعى إليها الإدارة الأمريكية. السذج من الناس فقط من تصور أن الولايات المتحدة تريد تدمير الأسلحة وتكتشف الوثائق والبرامج والمواد الأولية , إذ كان النظام والأمم المتحدة قد قاموا بتدميرها أو إرسال نسخ من البرامج إلى دول أو مواقع أخرى , أو أن الولايات المتحدة تريد نشر وتكريس الديمقراطية , وهي المؤيدة بالمطلق للنظام السعودي أو كل النظم غير الديمقراطية في العالم العربي والشرق الأوسط. ولكن دعونا نقول: التقت بعض أهداف الإدارة الأمريكية مع بعض أهداف غالبية قوى المعارضة العراقية التي قادت إلى اتفاق تم بموجبه إسقاط النظام الدكتاتوري في العام 2003 عبر الحرب الخارجية. ولكن الإدارة الأمريكية لم تكتف بذلك بل قامت بتدمير الدولة العراقية ومؤسساتها وأنتجت تداعيات إضافية مرعبة كان بالإمكان إيقافها والحد منها لولا الرغبة الجامحة لدى جورج دبليو بوش في جعل العراق ساحة للمعارك الرئيسية مع قوى القاعدة بدلاً من الولايات المتحدة الأمريكية ليكون في موقف وموقع الهجوم خارج حدود بلاده بدلاً من مواقع الدفاع في بلاده. أتفق مع الدكتور فاضل الجلبي في أن الإدارة الأمريكية كرست في العراق نظاماً سياسياً طائفياً سيمزق العراق سياسياً واجتماعيا ما لم ينته منه سريعاً بالتحول السلمي صوب نظام مدني وديمقراطي يحترم مبدأ المواطنة بعيداً عن القومية والدين والمذهب والتمييز الفكري والسياسي.
نعم كان الجميع في الغربة والوطن يتحدثون عن الديمقراطية , ولكن كل حزب من الأحزاب كان يفهمها بصيغة تختلف عن الحزب الآخر. الديمقراطية لي وليست لغيري. هكذا كان الأمر , وهكذا هو ما يحصل حالياً. كما أن قوى الإسلام السياسية اعتبرت الديمقراطية أداة للوصول إلى السلطة وليست فلسفة لها تعمل بموجبها, هذا ما صرح به أحد قادة حزب الدعوة السيد علي الأديب في ندوة تلفزيونية مع قناة الحرة الأمريكية. ثم أن قوى أخرى اعتبرت الديمقراطية طريقا سهلاً لتحقيق مآرب خاصة واغتناء غير مشروع على حساب الثروة الوطنية والدولة والمجتمع , وهو ما يواجهه العراق حالياً وعلى نطاق واسع. ولكن هناك من كان مقتنعاً بأهميتها كأداة وفلسفة في آن واحد من أجل إقامة الدولة المدنية الدستورية والديمقراطية التي تستند إلى دستور وقوانين ديمقراطية وبرلمان وحياة يتمتع الإنسان الفرد فيها بحريته وحقوقه كإنسان وتتمتع القوميات المختلفة بحقوقها كاملة غير منقوصة , وحيث تتمتع المرأة بحقوقها المتساوية والكاملة مع الرجل.
حين يدرس أي باحث التجربة العراقية يفترض فيه أن يركز ويتبين الجوانب السلبية في النظم غير الديمقراطية والاستبدادية التي سادت في العراق , ولكن عليه أيضاً أن يعرض الجوانب الإيجابية والسلبية في نضال الأحزاب الوطنية العراقية والشخصيات الوطنية لا أن يركز على الجوانب السلبية الموجود فعلاً أو التي يفتعلها دون أن يذكر الجوانب الإيجابية , إذ أن مثل هذا التوجه , الذي برز في كتابات الجلبي , كما أرى , لا يخدم التعلم من التجربة بل يسيء للجميع دون أدنى مبرر ويضبب الدرب الذي نريد السير فيه أو عليه.
يثير الدكتور الجلبي نفس السؤال الذي تحاورت حوله وتناقشت طويلاً مع الصديق والأخ الكريم الأستاذ الدكتور سيّار الجميل بحيوية , فيها الكثير من الاعتراف بالرأي الآخر والاحترام المتبادل , بشان مسألة مهمة , وهي: هل يمكن بناء الديمقراطية في المجتمعات المماثلة للمجتمع العراقي؟ جوابي الواضح هو : نعم , ولكن! السؤال هو لماذا نعم , ولماذا لكن؟ نعم , لأن المجتمع العراقي لا يختلف عن بقية المجتمعات في العالم التي مرت بذات المرحلة التي يمر بها العراق حالياً , حتى أوروبا المزدهرة حالياً مرت بمثل هذه المرحلة قبل أكثر من ثلاثة قرون أو بعضها قبل قرنين أو قرن واحد من السنين مثلاً , وبالتالي فنحن بشر كغيرنا ويمكن أن نبني الديمقراطية في بلادنا ونتمتع بها كسوانا من البشر , وليس هناك من أسباب يمكن أن تحرم العراق من هذه النعمة. وكل الوثائق الدولية تؤكد وتشير إلى قدرة كل الشعوب على سلوك سبيل الديمقراطية , ويعني هذا من حيث المبدأ إمكانية السير صوب الرأسمالية والمجتمع البرجوازي الديمقراطي لا غير. هذا من جانب نعم , أما من جانب لكن , فلأن المجتمع العراقي لا يزال بعيداً عن تأمين مستلزمات بناء الديمقراطية وتكريسها , إذ أنه بحاجة ماسة إلى مجموعات متكاملة من المستلزمات الأساسية التي ستأخذ وقتاً طويلاً لإنجازها , رغم أن العراق يعيش اليوم في مرحلة تاريخية يمكنها تقصير الفترة التي قطعتها شعوب أخرى للوصول إلى مرحلة الرأسمالية والديمقراطية. إن مستلزمات بناء الديمقراطية من الناحية النظرية تتلخص , كما أرى , في تأمين ما يلي بشكل مكثف:
1. البدء بالتشريع , كما حصل في العام 1925 حين صدر القانون الأساسي الديمقراطي , لوضع دستور البلاد وفق أسس ديمقراطية يمكن أن يغتني ويتطور باستمرار ومع التطورات والتغيرات التي تحصل في المجتمع. ومع أهمية الدستور الذي وضع و ولكنه ما يزال يعاني من نواقص جدية وروح طائفية غير سليمة ومضرة بالمجتمع يفترض التخلص منها مستقبلاً , إضافة إلى ضرورة إزالة المواقع التي تعتبر حمالة أوجه.
2. البدء بحل مشكلة الأرض لتأمين تطور جديد في الريف والزراعة العراقية وإدخال التقنيات الحديثة والعلاقات الرأسمالية في مجمل العمليات الاقتصادية في الزراعة.
3. البدء بعملية التنمية , منها الإسراع باتخاذ الإجراءات الكفيلة ببناء المؤسسات الصناعية للقطاع الخاص والمختلط والقطاع الحكومي , إضافة إلى دخول رؤوس الأموال الأجنبية حيثما يحتاجها الاقتصاد العراقي ووضع التجارة في خدمة عملية التنمية المادية والبشرية.
4. اتخاذ كل السبل الفعالة لتحقيق التنمية البشرية إلى جانب التنمية الاقتصادية في مختلف مراحل التعليم العام والمهني والجامعي ومكافحة أمية القراءة والكتابة والأمية العلمية الحديثة وتطوير تقنيات الاتصالات والمواصلات.
5. دعم ومساندة نشوء الفئات الاجتماعية الوسطى , سواء في مجالات الاقتصاد أو الثقافة والخدمات المختلفة , التي تعتبر من حيث المبدأ حاملة وحاضنة للعلاقات الإنتاجية الرأسمالية والديمقراطية البرجوازية في المجتمع.
6. الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي والثقافي على العالم والاستفادة القصوى من التلاقح والتفاعل مع ثقافات العالم كلها.
7. إن هذه الوجهة الاقتصادية والسياسية ستجري تغييراً في البنية الاجتماعية لصالح البرجوازية الوسطى والطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة في المدينة والريف ولصالح المثقفين , وستساهم في رفع مستوى معدل حصة الفرد من الدخل القومي وتحسين مستوى المعيشة وظروف العمل والقدرة على التمتع بالتعليم والثقافة ,وهي أمور ضرورية لتغيير الوعي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتنوير الديني للفرد والمجتمع.
لا شك في أن اللوحة الراهنة تبدو اليوم قاتمة , بسبب ما يعانيه الفرد والمجتمع من طائفية سياسية وإرهاب ودور غير معقول للتشابك بين السياسة والدين والمؤسسات الدينية والدور الذي تلعبه قوات الاحتلال. ولكن هذه اللوحة غير ثابتة ولا دائمة , بل متحركة ومتغيرة باستمرار ودلائل الحركة والتغيير برزت طلائعها منذ الآن , وسنتلمس جوانبها المختلفة بالضرورة وتدريجاً رغم الفترة الطويلة التي سوف تستغرقها هذه العملية الموضوعية والتي ستكون مقترنة بتضحيات كبيرة اضطرت على تقديمها شعوب كثيرة أخرى. ولكن هذه العملية بحاجة إلى جهود استثنائية وتضافر نشاط القوى الديمقراطية واللبرالية ومن يرى ضرورة التحول بالاتجاه المناهض لإقامة دولة دينية وطائفية في العراق.
لهذا لا اتفق مع من يقول بان مجتمعاتنا لا تتحمل الديمقراطية لأسباب تاريخية وتربوية وتقاليد اجتماعية ودينية وسيادة العلاقات الطائفية والقبلية المتخلفتين , ولكن أوافق في أن هذه العملية معقدة , صعبة وطويلة حقاً وعلى المجتمع خوضها لأنها قدر العراق الذي لا بد من خوض المعركة والسير فيها بأساليب سلمية وديمقراطية. الديمقراطية ليست صبغة يمكن أن ندهن بها أجسامنا لنتحول إلى ديمقراطيين بل هي سلوك حضاري وعملية سيرورة وصيرورة في آن , ولهذا حين يقول الدكتور الجلبي: هل هناك إمكان تحقيق نظام ديموقراطي في بلد مثل العراق, وفي هذه الظروف بالذات؟” (خط التشديد من عندي , ك. حبيب) أقول نعم الإمكانية متوفرة , ولكن ليس في مثل هذه الظروف طبعاً , إلا أن الواجب يحتم خوضها منذ الآن وعلى جميع الأصعدة. هناك حرية في العراق , ولكنها نسبية وناقصة ومحفوف بالمخاطر , ولكن ليست في العراق ديمقراطية , إذ أن الديمقراطية شيء آخر غير ما يجري اليوم في العراق , إلا أن الديمقراطية ستبنى في العراق , سواء حصل ذلك مع الدكتور الجلبي ومعي أم بدوننا , لأننا معاً قطعنا شوطاً طويلاً من عمرنا ودخلنا بهذا القدر أو ذاك , مرحلة خريف العمر , والتي تبدو لنا صورة التحولات طويلة , صعبة ومعقدة , ولكنها ليست طويلة بعمر وتاريخ الشعوب وبالنسبة للشباب من حيث العمر والفكر.
كتب الدكتور فاضل الجلبي النص التالي:
“منذ دخول القوات الأميركية العراق، وتأسيس ما كان يسمى مجلس الحكم تحت إشراف بول بريمر وتوجيهاته، ظهرت معالم زيف الفكر الديموقراطي العراقي. تم توزيع عضوية المجلس على أساس طائفي بإعطاء ثلاثة عشر مقعداً للشيعة، من أصل خمسة وعشرين مقعداً، بصفتهم طائفة الغالبية السكانية، وليس على أساس حزبي انتخابي. وخمسة مقاعد للطائفة السنية. وهكذا تم تقسيم المجلس ضد تحقيق مجتمع مدني، وهو الشرط الأساس للنظام الديموقراطي. واختير الأعضاء من جانب سلطات الاحتلال، ليس على الجدارة، وإنما تعيين أشخاص عينوا أنفسهم بأنفسهم ممثلين لما يسمى الأطياف السياسية في العراق، وكأن الأمر محاصصة وتوزيع مكاسب لأشخاص، لم يتم انتخابهم، حتى من جانب الأحزاب أو التكتلات التي يعودون إليها.
تكرست البداية اللاديمقراطية في تشكيل المجلس بشكل أوضح عند تأليف الحكومة الموقتة، فتم توزيع المناصب الوزارية على أساس المحاصصة في مجلس الحكم، بعيداً من الكفاية والمهنية والجدارة. تشكلت الوزارات على أساس طائفي وعرقي: الوزارة الفلانية تكون للشيعة، وأخرى للسُنَّة، وثالثة للأكراد. والأدهى من ذلك، أن الوزير المعين، كممثل للشيعة مثلاً، أخذ يملي المناصب الرئيسية في الوزارة من أبناء الشيعة، وكذا الحال بالنسبة إلى السني. فانتهى الأمر بتعيين وكلاء وزارة ومديرين عامين أقرب إلى الأمية، ومن دون أي خلفية مهنية، إنما مجرد لأنهم تابعون لكتلة معينة. وكذا الحال بالنسبة لتعيين السفراء، على أساس المحاصصة، لا على أساس المؤهلات اللازمة لتعيين السفير، من حيث الخبرة والخلفية المهنية.
كل هذه الإجراءات مناهضة للديموقراطية ، وهي أقرب إلى التكالب على توزيع المكاسب، وتقسيم المجتمع العراقي على أساس طائفي، تلعب فيه العلاقات الشخصية دوراً أساسياً، مما يعكس تدهوراً مهنياً لم يكن موجوداً بهذه الدرجة حتى في زمن صدام، حيث الجزء الأكبر من الوزراء والسفراء كان يتمتع بمؤهلات مهنية أعلى بكثير من الوضع الحالي. إن هذا التوزيع على أساس المحاصصة يظهر بشكل واضح زيف شعار الديموقراطية، الذي تتبناه هذه المجموعات، وهي واجهة الحكم في العراق، من دون أي اعتبار لمتطلبات الديموقراطية وفي مقدمها الانتماء للوطن، والمجتمع المدني، وليس الانتماء للطائفة أو العرق.
إن الخطورة الحقيقية، في عملية توزيع الحصص على أساس طائفي، هي انتشار النعرات الطائفية، وتفكك المجتمع العراقي على أساس طائفي، وتفكك العراق ككل. لقد كرست الانتخابات التوزيع الطائفي والاثني، ولم تكرس الانتماء للوطن. فالعراقي الكردي صوت في الانتخابات بصفته كردياً، وليس بصفته عراقياً، وكذلك الشيعي دخل الانتخابات بصفته شيعياً، والسني امتنع عن التصويت بصفته سنياً، وليس عراقياً”. (فاضل الجلبي. نفس المصدر السابق).
يقدم الدكتور الجلبي نصاً ممتازاً لتوصيف الوضع في العراق. ويمكن أن يضاف إليه الشيء غير القليل لاستكمال اللوحة القاتمة التي يعيشها العراق في المرحلة الراهنة وتعديل بعض جوانب اللوحة. ولكني لن أتعرض إلى هذا الموضوع في هذه المناقشة, لا بد من الإشارة إلى الفجوة واسعة وعميقة بين الأمس واليوم بشأن وعي الديمقراطية من جانب الفرد والمجتمع , إذ وعي الديمقراطية بالأمس كان من جوانب كثيرة أكثر وضوحاً وأكثر استقراراً في القيم والمعايير. وهذا التقدير مرتبط بعوامل جوهرية كثيرة شخص بعضها الدكتور الجلبي ذاته , وأحاول أن أشير إلى أهمها بشكل مكثف فيما يلي:
1. الردة الفكرية والسياسية والانقطاع الفكري والسياسي للغالبية العظمى من أفراد المجتمع عن التفاعل مع العالم الخارجي وغياب كامل لعملية التنوير الديني وخضوع شديد للغالبية العظمى من الناس للغيبيات التي كانت بالنسبة لهم المخرج الناشئ عن الأيمان من المصائب التي عاشوا فيها طوال عهد البعث ألصدامي والغوص في باطن الإنسان.
2. التثقف الفكري والسياسي البعثي والذي تميز بفكر شوفيني قومي عربي متخلف وعدواني إزاء الآخر وبرؤية فاشية في أساليب ممارسة السلطة السياسة وبذهنية عسكرية تجد في القوة والعنف والقسوة والحرب وسائل مشروعة لتحقيق المآرب.
3. الاستبداد والقمع والقهر الفكري والسياسي والديني والطائفي الذي مارسه نظام البعث ألصدامي , قد أوجد لدى كثرة من الناس أكثر انفصاماً في الشخصية واستعداداً لممارسة القوة والعنف والقسوة في التعامل مع الآخر وروح الإقصاء والانتقام , إضافة إلى تنامي النفسية والذهنية الانتهازية. لقد خُرِبَ الإنسان من الداخل بصورة منظمة ومديدة.
4. البؤس والفاقة والحرمان الذي تكالب على الناس بسبب الحروب والسياسات المغامرة والسياسات الاقتصادية السيئة للنظام والحصار الاقتصادي الدولي مما جعل كثرة من الناس مستعدة لممارسة كل شيء للوصول إلى المال والاغتناء , كما هيمن القلق والخوف من مستقبل مجهول.
5. الاحتلال الذي ساهم في تكريس الطائفية وعمق من واقع الفساد المالي والإداري السائدين في البلاد.
6. ضعف القوى والأحزاب التي تتبنى الديمقراطية واللبرالية , بغض النظر عن مدى قناعتهم بها أو ممارستهم لها في حالة وجودهم في السلطة أو حتى العلاقات الراهنة في ما بينهم ومع المجتمع والسلطة.
ولكن لا يكفينا وصف الحالة العراقية , بل يفترض التفتيش عن حلول عملية ممكنة لهذا الواقع الراهن بأمل التحول التدريجي صوب ما يفترض أن يسود العراق مستقبلاً.
يحمل النص السابق للدكتور الجلبي أمراً صحيحاً وآخر ملتبساً , كما أرى , حين يتحدث عن المهنية وعن غياب هذه المهنية لدى الوزراء والسفراء في المرحلة الراهنة , ووجودها لدى غالبية وزراء وسفراء حكم البعث.
ليس كل الوزراء والسفراء العراقيين الحاليين سيئيين , إذ تستوجب هذه الموضوعة بعض التدقيق , فبينهم من هو واع لمهماته ودوره ومكانته ومسؤولياته ومدرك لمخاطر المرحلة ومشكلاتها والطائفية السائدة , ولكن الغالبية العظمى منهم تعبر عن فكر ملتزم بحزب معين أو كتلة معينة , بعضهم نصب على أساس قومي والبعض الآخر على أساس ديني وطائفي بعيداً عن المهنية والإمكانية الجيدة التي يفترض أن تتوفر في الوزراء أو السفراء. سأورد هنا بعض الأمثل حول الجانبين: يتسم وزير التخطيط العراقي الراهن الدكتور علي بابان بمهنية عالية ومسؤولية ووعي غير وطني غير طائفي , أو أن السفير العراقي السابق في لندن الدكتور صلاح الشيخلي ,الذي أنهى خدماته في الفترة الأخيرة , يتسم بوعي سياسي ومهني وقدرة عالية في إدارة شؤون أي وزارة أو مؤسسة أو سفارة , على سبيل المثال لا الحصر. ولكننا نعرف أيضاً أن هناك وزيراً للثقافة ووزيراً للصحة مارسا الإرهاب الطائفي والعنف في العراق ومن مواقعهم الوزارية , أو نتتبع الدور الذي يمارسه السفير العراقي في تجميع اتباع الدكتور الجعفري حوله بعيداً عن أهمية إدراك دور السفير إزاء جميع المواطنين أو يسعى لفرض جماعة معينة من تحالف معين على قيادة الجالية , وهو رجل بعيد عن وعي مسؤولياته الدبلوماسية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد. هذا جانب من المسألة أما الجانب الثاني فأن أغلب الوزراء الذين وضعهم صدام حسين في الوزارات لم يكونوا سوى بيادق متحركة , ولكنها تتحرك بإرادة صدام حسين وكما يأمرها صدام حسين , والجيد منهم أعدم , كما حصل مع الدكتور رياض حسين وزير الصحة الأسبق. كما أن جميع السفراء تقريباً كانوا إما أعضاء في جهاز الأمن العراقي أو المخابرات العراقية أو تابعين لمسؤولين حزبيين يتصرفون بهم كما يشاؤون. وكان صدام حسين يختار بعض المهنيين ليكونوا نواباً أو وكلاء وزراء , كما في حالة الدكتور فاضل الجلبي , على سبيل المثال لا الحصر حيث كان وكيلاً لوزارة النفط , أو الدكتور ثامر غضبان. ولهذا فأن توصيفه غير صائب تماماً , إضافة إلى أنه لم يتحدث عن السياسات التي مارسها هذا النظام المناهضة للديمقراطية وتدميره للنسيج الوطني والاجتماعي للشعب العراقي , ولم يحاول تقديم رؤية عقلانية لتجربة الوضع في فترة صدام حسين ودور النضال الوطني الذي لم يوفق في الخلاص من الدكتاتورية مما دفع بالقوى السياسية إلى السقوط في يأس قاتل حول قدرتها على تحقيق التغيير والتشبث بالعمل الخارجي لإسقاط الدكتاتورية الغاشمة.
لا يحق لي أو لغيري مؤاخذة الدكتور على بحثه في فترة الحكم الملكي أو العهود اللاحقة ونقده للأحزاب والقوى والشخصيات والحركة الوطنية العراقية فهذا حقه , ولكن يحق لي ولغيري أن يؤاخذه على منهج البحث الانتقائي والتركيز على شخصية ديمقراطية عراقية متميزة في محاولة منه لإبرازها على غير حقيقتها أو تشويه صورتها أمام المجتمع والشطب غير العقلاني على كل جوانبها الإيجابية.
في الحلقة القادمة والأخيرة سأحاول أن أبين للقارئات والقراء الكرام المطب الذي وقع فيه الدكتور الجلبي في توجيه النقد صوب القضايا العائلية والشخصية التي , كما أرى , كشفت التحامل الذي تميزت به قراءته التاريخية ونقده لفكر وسياسات كامل الجادرجي والحركة الوطنية العراقية.
10/7/2008 كاظم حبيب

انتهت الحلقة التاسعة وستليها الحلقة العاشرة والأخيرة.