الرئيسية » بيستون » رحلة البحث عن هوية الكورد الفيلية الحلقة الثانية

رحلة البحث عن هوية الكورد الفيلية الحلقة الثانية

أجتمع معظم أعضاء الوفد في فندق أربيل الدولي في ضيافة حكومة أقليم كوردستان وفي مساء اليوم الأول من اللقاء كانت هنالك أجتماعات جانبية غير مبرمجة مع بعض الشخصيات الفيلية التي جاءت للترحيب بالوفد ومنهم السيد مدحي مندلاوي وزير الأقليم لملف الكورد الفيلية والفنان جعفر حسن وجمع من الاكاديميين المعروفين وفي أجتماع معهم في أحدى قاعات الفندق تجاذبنا أطراف الحديث وأستفدنا كثيرا من طروحاتهم ومقترحاتهم وأوليناها الاهتمام الكافي في كافة أجتماعاتنا ولقائاتنا المقبلة مع المسؤولين سواء في كوردستان أو بغداد ، وفي نفس المكان أستقبلنا السيد حيدر فيلي وزير المواصلات في حكومة أقليم كوردستان وكذلك الاستاذ يدالله كريم وهو من الشخصيات الفيلية المهمة وله باع طويل في العمل السياسي في مدينة بغداد وجرى حديث ودي معهما حول الاهداف المتوخاة من الزيارة والبرنامج العملي المتخذ تطبيقه من قبل الوفد وكان لهم آراء سديدة في مجمل الملف المزمع بحثه في العراق ، كنا قد وضعنا ضمن البرنامج زيارتين احدهما الى منطقة بارزان لزيارة ضريحي الخالدين مصطفى بارزاني ونجله أدريس أما الثانية فالى مدينة حلبجة لزيارة مقبرة الشهداء التي تضم رفاة ضحايا مذبحة حلبجة فقررنا أن نستغل اليوم التالي لتنفيذ الزيارة الأولى مادمنا في أربيل وموعد اللقاء الأول مع رئيس كوردستان الأستاذ مسعود بارزاني ، أخبرنا تشريفات رئاسة الوزراء فتم تأمين السيارات التي تقلنا الى ربوع بارزان غير أننا لم نخبر وسائل الأعلام بأمر الزيارة فهيئنا باقة من الزهور الجميلة لكي نضعها على الضريحين .
ضمت المجموعة بالاضافة الى أعضاء الوفد كل من مهاباد قره داغي وسيروان كرمياني وذوي الدكتورة كانرين ميخائيل وجفر حسن ، الطريق الى بارزان يمر عبر المرور في شارع يمر بين وديان عميقة وجبال باسقة تكسوها الخضرة وأشجار متنوعة ومنظر الزاب الأعلى يعطيه صورة متكاملة من الجمال الذي تتميز بها المنطقة ، هذه الأشجار ذكرتنا بجريمة الأنفالات البعثية الشوفينية التي لم تكتف بقلع جذور البشر من المنطقة فحسب فعملت على قلع جذور الأشجار التي تبعث الحياة الى المنطقة منذ عشرات الآلاف من السنين فكانت ترش هذه الأشجار بالسموم وتصب ينابيع المياة بالأسمنت أيضا ، أما منظر الزاب الجميل ذكرنا بما يجب فعله في هذه المنطقة الآمنة الجميلة من مشاريع عمرانية ومرفقات سياحية ومحطان كهربائية بالاستفادة من تيار النهر فلا بد للمنطفة أن تسنشق هواء الحرية وتستفيد كوردستان من وارداتها بعد ما تتحول الى منتجعات سياحية يجلب جمالها وآمانها آلاف من السياح الباحثين عن أكتشاف مناطق جديدة في العالم ومنها كوردستان الساحرة التي كانت الى زمن قريب أشبه بالاساطير التاريخية بعد أن ذبحتها الحكومات العراقية المتعاقبة تحت سواد تعتيمها الأعلامي .
السفرة وأن كانت طويلة بعض الشئ ولكنها كانت ممتعة وهي بمثابة محطة أستراحة تسبق ماراثون شهر من العمل المتواصل من أجتماعات ولقائات مع مختلف الاتجاهات من الفسيفساء العراقي ممثلا في كبار مسؤولي الدولة وخصوصا الرئاسات التشريعية والتنفيذية والقضائية وبالاضافة الى الندوات الجانبية والأمسيات واللقائات الاعلامية في أربيل والسليمانية وبغداد .
تمر السيارات وسط شارع بين بيوت منازل بسيطة وتجتازها بعد برهة قصيرة ليخبرنا السائق اللطيف كاروان بأننا قد بلغنا الهدف ، حصار متواضع من الحجارة من جنس الجبل المطل على المنطقة يطيق قبرين أثنين مجردين من أي شئ مميز سوى التراب الطاهر الذي يغطيهما ، أنهما قبري الملا مصطفى البارزاني أهم قائد في تاريخ الكورد على الأطلاق قاد شعبه في ثورات متلاحقة من أجل أسترداد حقوق شعبه المسلوبة ونجله القائد الشاب أدريس بارزاني .
لم يعرف البارزاني في حياته سوى الكفاح المستمر ولم يخلف من بعده سوى حاجياته البسيطة ، ذلك الخنجر الكوردي الذي لازم نطاقه في حله وترحاله وملابسه البسيطة وكذلك حب الملايين من أبناء شعبه ، ذلك الحب الذي ضرب جذوره في القلوب المتدفقة لتحرير كوردستان وكأنها جذور أشجار البلوط التي ظلت متعانقة لجبال كوردستان رغم كل سموم الأعداء .
يحمل حسن حاتم المذكور باعتباره أكبر أعضاء الوفد سنا أكليل الورد ونتوجه جميعا نحو الضريحين ، يستقر الأكليل على السور وتمتم الأفواه سورة الفاتحة بينما ترسم كاترين علامة الصليب أحتراما لرجل المبادئ البارزاني مصطفى ورجل السلام نجله أدريس ، ونحن نقف لحظات صمت في حضرة القائدين أستذكرنا حبهما للفيليين وحب الفيلية لهم ، فعقب التوقيع على بيان آذار عام 1971 ضم من بين ما ضمت بنودها أن يكون نائب رئيس الجمهورية العراقية كورديا فرشح البارزاني كورديا فيليا للمنصب المذكور وكان المرشح حبيب محمد كريم وكان آنئذ سكرتيرا للحزب الديمقراطي الكوردستاني ، غير أن الطرف الحكومي أبى قبوله للمنصب لكونه كورديا فيليا وكل كوردي فيلي في نظر البعث ومعظم الحكومات السابقة أيضا أيراني والنظرة هذه نابعة من شوفينية تلك الحكومات أزاء هذه الشريحة بشكل خاص وأزاء الكورد الفيلية بشكل خاص ، فتلك الحكومات تتناسى دور أبناء هذه الشريحة في بناء العراق وتمسكهم به أينما كانوا سواء داخل وطنهم أو خارجه ، فما تؤرق هذه الحكومات هو النسبة التي تشكلها هذه الشريحة في العراق فمن دون الألتجاء الى هذا الادعاء الباطل تسقط نظريتهم ونظرتهم الى الكورد الذين كانوا ينعتوه بالأقلية ، فالاحصائيات المتبعة في العراق لا تشبة الاحصائيات التي تجرى في باقي بلدان الأرض فالاطلاع على النتائج والدقائق كانت من المحظورات في العراق ولذلك علينا التوافق بين المبالغين والمناقصين حينما نتحدث عن عدد الكورد الفيلية ، فبين ثلاثة ملايين والمليون الواحد نحن نحبذ أن نختار المليون ونصف المليون تقديرا لعدد الكورد الفيلة في العراق وهم منتشرون في مناطق واسعة في العراق وخصوصا في العاصمة بغداد التي كانت سوقها بيدهم الأمينة لفترة طويلة قبل أن سهجروا قسرا الى أيران في بداية الثمانينات أما مدن خانقين ومندلي وزباطية وبدرة والكوت والحي وسوق الشيوخ وما جوارها من مناطق هي مناطقهم الرئسية .

الخلاف ظل قائما بين الكورد والحكومة المركزية حول منصب نائب رئيس الجمهورية الذي بقى شاغرا الى يوم أسئناف القتال بينهما في آذار عام 1974 ، والبارزاني كان يهدف من وراء هذا التعيين أن ينهي مأساة الكورد الفيلية ، إذ لا يعقل أن ينعتوا بالايرانيين ونائب رئيس البلاد منهم .
بعد الأنتهاء من مراسيم الزيارة ونحن لازلنا في المكان حضر رجل في العقد السبعيني يرتدي ما كان البارزاني يرتديه من زي أهل المنطقة وقدم نفسه مرحبا بأعضاء الوفد ، الشيخ عبدالله بارزاني ممثل رئيس الأقليم في المنطقة ، يتحث باللغة العربية والأنكليزية بالاضافة الى اللغة الكوردية ويحفظ قصائد لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري عن ظهر قلب ، أعتذر عن تأخره وقال سائلا ومعاتبا بأدب جم لماذا لم تخبرونا بمجيئكم حتى نقوم بالواجب ، جلسنا معه في محطة للأستراحة وارتشفنا الشاي وعندما أردنا الأستئذان بالعودة الى اربيل أبى الرجل الا أن نتناول من زاده فأصطحبنا الى منزله القريب والمتواضع والأنيق ، وما شاهدنا من أحترام وتواضع من هذا الرجل وأبنائه جعلنا أن نتحدث به كلما أجتمعنا في محطاتنا اللاحقة ، فقد ظل واقفا هو وأبنائه طول جلوسنا على سفرته التي ضمت وجبة خفيفة و شهية من جنس المأكولات الرائجة في منطقة بارزان ، وعند الأنتهاء جلسنا في صالة الضيوف فكان يتحدث عن مشاهداته لعمه الملا مصطفى البارزاني ، فكنت أتفرس وجهه وكأني اريد استعاضة عدم لقائي مع القائد الذي تربيت على حبه في مقتبل عمري ، مرة واحدة فقط شاهدت الرجل وهو داخل سيارته من نوع لاندلوفر بين جومان وناوبردان رفع يده محييا بنا ونحن جمع من الشباب واقفون على قارعة الطريق وكنا من الطلبة الملتحقين بثورة ايلول المجيدة ، هذه الخطفة أعتبرها حدثا كبيرا أذكرها كلما مر ذكر الرجل الذي دخل التاريخ الكوردي من أوسع أبوابه ، فقد كان الرجل موضع حب وتقدير الكورد جميعا وفي كل أرجاء كوردستان والكورد الفيلية كانوا شأن جميع الشرائح الأخرى يقدرون هذا الرجل ويحبونه ، فقد حدثني سامي الفيلي وهو رئيس منظمة فيلية في اربيل وله نشاط متميز قائلا ، عندما عاد البارزاني من الأتحاد السوفيتي عام 1959 كنت والكلام لسامي طفلا ارافق أبي الى قاعة الشعب حيث كانت هنالك ندوة حضرها البارزاني ، وعندما خرج البارزاني من القاعة تهافت الحضور وأكثرهم من الكورد الفيلية الى المائدة التي كانت أمام مقعده فهاجموا على القدح الذي شرب منه البارزاني الماء وترك القدح على نصفه ، كل يريد أن يشرب من الماء الذي شرب منه الرجل ، ولكن ما حدث أن أحدا لم يفز بما يريد أذ أن القدح قد تهشم والماء منه سال ، فهذه الحادثة دليل على تعلق الناس بقائدهم الذي يرونه المنقذ ، والحق يقال أن الثورة الكوردية ( 1951 _ 1970 ) والثورات التي لحقها قد أعتمدت على الدعم اللوجستي والمادي والبشري للكورد الفيلية ، فهم الذين دبروا أذاعة صوت كوردستان العراق الزاد الأعلامي الوحيد للكورد طوال سني الثورة ، وهم الذين أمدوا المال والعقل القيادي والتنظيمي للثورة ، وكانوا هم العماد الذي يستند عليه الفرع الخامس للحزب الذي يعتبر من أنشط فروع الحزب الست أطلاقا ، ولذلك لا نجد غرابة من أن يتخذ الكورد الفيلية من كوردستان سندا قويا للحق الذي ضاع منهم طوال سنوات القهر والذل وعلى كوردستان أن يكون وفيا لأبنائه المغتربين من الفيلية .

أنتهى اللقاء بالشيخ عبدالله بارزاني تاركا أثرا طيبا لا يمحى من الذاكرة وعاد رتل السيارات المتكونة من ثلاثة سيارات الى اربيل ، في مقر أقامتنا بفندق اربيل الدولي أخبرنا بوصول ثلاثة من أعضاء الوفد لتكتمل السبحة على حد المثل العراقي الدارج ، السيدة سامية عزيز والاستاذ سعدون أسماعيل كرم قدموا من بغداد والاستاذ حميد نوروز قدم من السويد ، الثلاثة من أبناء الكورد الفيلية ، حميد نوروز رجل أعمال وناشط في مجال منظمات المجتمع المدني والأستاذ سعدون من مثقفي الكورد الفيلية أما السيدة سامية فهي عضو مجلس النواب العراقي لثلاثة دورات متتالية ولها دور متميز للدفاع عن شريحتها داخل أروقة البرلمان وخارجها ، تعارفنا مع الربع في جلسة ودية ونحن جميعا سوى الثلاثة القادمين للتو ، نلتقي لاول مرة ولكن الاجتماعات الاسبوعية على الفضاء جعلتنا وكأننا أصدقاء منذ فترة طويلة فعاشت التكنوجيا الألكترونية التي بعثت نعمة للبشرية .
في الحلقة القادمة نتحدث عن لقائنا مع الاستاذ مسعود بارزاني رئيس أقليم كوردستان .