الرئيسية » مقالات » الشهيد محمد النعمان (أبو نجاح)

الشهيد محمد النعمان (أبو نجاح)

هل الابتسامة صفة ملازمة للشيوعيين، لا ادري ولكن كل الذين عرفتهم ورافقتهم منذ أوائل الستينيات لحد الآن يبتسمون بوجه الصديق…ووجه العدو،يغيضون الجلادين بابتسامتهم،ويسرون الصديق بضحكتهم,إنهم يبتسمون بوجه الموت ليقينهم أنه حياة ثانية لمن يذود عن مبدئه وعقيدته،وأبو نجاح واحد من هؤلاء،يأسرك بضحكته المجلجلة،وابتسامته العريضة التي لا تفارق محياه،فهو دائم الابتسام،وأخال حتى استشهاده كان ضاحكا بوجه الموت،بوجه جلاده العاتي الذي يأسره منظر الدماء الحمراء القانية،وهي تخضب تلك الأجساد الطاهرة المضمخة بعبير الشهادة،كان شعلة من النشاط الدائم والحركة المستمرة والحيوية التي لا تحدها حدود،ينتقل هنا وهناك،يسر لهذا بموعد اجتماع ويدس لآخر منشور يخفيه بين ثيابه،ورفيق ينتدبه لواجب،يسحرك بحديثه الآسر،ولكنته الممزوجة بحلاوة الريف العراقي،أحبه رفاقه وأعجب به طلابه المسحورين بأدائه المنقطع النظير،ودرسه الممتع،تميز بعلاقاته الاجتماعية الواسعة،ومنزلته العشائرية،فأسرته تولت مشيخة عشيرة كبيرة،تشغل مساحات شاسعة من ريف بابل،ولكنها لم تكن أقطاعية بما حمل الإقطاع في طياته من فضائع،فهم أبناء عم تجمعهم رابطة الدم،ومن صلب عشيرتهم وليس من الداخلين في غمارها كما هو حال الكثير من رجال الإقطاع الذين زعمتهم السلطة وأسلمتهم قياد العشيرة رغم أنهم ليسوا من أبنائها بل مجاهيل الصقوا بها بالقوة وهذا حال الكثير من الأسر الإقطاعية التي تحكمت بالملايين،فهم دخلاء لا اصلاء والتاريخ ينطق بجذورهم والى أين ينتمون،لذلك كانت أسرته تحضا باحترام العشيرة لأنها منهم وليست دخيلة عليهم، فأستطاع جرها إلى الحزب،سواء بتأثيره الشخصي ومحبتهم له،أو بتأثيره العشائري على ما هي عليه العشائر العراقية من عصبية في نصرة أبنائها،أو عن أيمان حقيقي بسمو المبادئ التي يدعوا إليها،لذلك كان لعشيرته مواقفها الرائعة الذائعة في نشاطات الحزب،وألصقت بهم صفة الشيوعية وأن لم يكونوا شيوعيين،وظلت هذه الصفة ملازمة لهم حتى كتابة هذه السطور.

ولد الشهيد في قرية العويديين سنة 1939 في أسرة تولت رئاسة العشيرة منذ عقود،ولها إمكانياتها المادية،ومكانتها الاجتماعية،وتميزوا عن العشائر الأخرى بانعدام التسلط الإقطاعي،فهم أبناء عمومة واحدة وأراضيهم يمتلكها الجميع،وان تميزت أسرة الشيخ بامتلاكها لحصة أكبر ،وكانت العلاقة تتميز بين الشيخ وعشيرته بالمتانة والألفة والاحترام،ودرس الشهيد في مدرسة الشريفية الابتدائية،ثم أنتقل إلى الحلة لإكمال دراسته المتوسطة والإعدادية ،ثم التحق بمعهد المعلمين وتخرج فيه ،ولنشاطه في اتحاد الطلبة العام في المعهد فقد نسب للعمل معلما في مدرسة ابتدائية في الكيارة التابعة للواء الموصل،وبعد أن أكمل فترة العمل خارج المحافظة نقل إلى لواء الحلة ونسب إلى مدرسة ريفية،ثم نقل إلى مدرسة طارق أبن زياد في القاسم،ونسب بعدها العمل في مدرسة القاسم الابتدائية لكفاءته التدريسية واكتسابه شهرة في ألأوساط التدريسية.

وقد انتمى لاتحاد الطلبة العام في معهد المعلمين ثم انتمى للحزب الشيوعي ناشطا بين المعلمين،ولعمله في الأرياف وتمرسه على عاداتهم وتقاليدهم سرعان ما امتدت الأواصر بينهم،وكثف نشاطه في تلك الفترة وامتد عمله التنظيمي رغم الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد واشتداد الملاحقات للناشطين الشيوعيين،وبعد انتقاله إلى مدينة القاسم برزت مواهبه التنظيمية وعلاقاته المتشعبة بمختلف الطبقات الاجتماعية،وتميز بالحركة الدائبة المستمرة والنشاط المحموم فاختارته المنظمة لقيادتها وأصبح عضو لجنة قضاء الهاشمية بعد إعلان الجبهة وعمل الحزب العلني،وكانت لجنة المدينة تظم حينها الرفاق ،الشهيد عزيز حمزة الأحمد (أبو منذر) والشهيد كاظم عبيسان(أبو مازن)وناظم حمادي شبيب (أبو غسان) وراجح رحمن بريذل،والشهيد عبد الحسين درويش (أبو شذى)وتسلم مسئولية ريف القاسم ذي الامتداد الكبير الشهيد(كريم معضد السرحان)الشيوعي البطل،وكان هناك تنسيق رائع بين التنظيمين ،فكانت مدينة القاسم من أفضل مدن اللواء تنظيما ونشاطا ،لذلك كانت مستهدفة من السلطة الصدامية حيث قدمت هذه المدينة أكثر من (50) شهيد في ظل نظام صدام المجرم،ولعلها أكثر مدن الحلة في أعداد الشهداء والمغيبين،وكانت الأمور تسير في طريق متعرج بفعل الممارسات الغبية للسلطة البعثية،واخذ التحالف يمر بمنعرجات خطرة للنزعة الاستبدادية للبعثيين،وبسبب خطأ غير مقصود،أو غفلة لا يسلم منها إنسان،قام بترحيل احد الرفاق الملتحقين إلى المنظمة حديثا وهو (تركي عريمش)ونسب للعمل في بغداد لالتحاقه للخدمة العسكرية هناك،ولا ندري هل تم ذلك نتيجة خيانة أو ضعف في الصمود،فقد أعتقل الرفيق المذكور من قبل الاستخبارات العسكرية،فأدلى باعترافات كاملة عن التنظيمات العسكرية ومن يعرفهم من الشيوعيين العسكريين،وكان جل هؤلاء من المكلفين فالقي القبض عليهم وحوكموا في محكمة الثورة سيئة الصيت وحكم عليهم بالإعدام رميا بالرصاص،رغم تدخلات على مستويات عليا لإطلاق سراحهم إلا إن البعث الغادر الذي حاول من خلال تحالفه إنهاء الوجود الجماهيري للشيوعيين وتحويل الحزب إلى كيان شكلي تابع له، نفذ حكم الإعدام معتبرا ذلك خرقا لقواعد العمل الجبهوي،مما أدى إلى حدوث شرخ كبير في العلاقة وجعل الحزب يحسب حساباته للمرحلة المقبلة للبوادر غير المشجعة والتصرفات الفجة للبعثيين،ولهذا السبب جمد نشاط الرفيق أبو نجاح،وأثيرت حوله إشاعات مغرضة روجت لها السلطة بارتباطه بالقوى الأمنية رغم انه كان من أكثر الشيوعيين إخلاصا وتفانيا وإيمانا بمبادئ الشيوعية وحزبها العظيم،ولكن ظهر بعد فترة سوء هذا الاعتقاد وبانت الحقيقة ناصعة عندما كشفت الخيوط السرية للسلطة داخل التنظيم،واتضح أن هناك مؤامرة كبيرة من داخل الحزب تشارك فيها أطراف على مستوى في اتخاذ القرار،حيث حدثني احد أشقاء المعتقلين وهو ضابط كبير كان يعمل في مركز حساس أحيل بعد إعدام شقيقه إلى وظيفة مدنية يقول:بعد حدوث النكبة وإلقاء القبض على أخي مع مجموعة من العسكريين وتنفيذ حكم الإعدام فيهم،أرسل ورائي صدام حسين بحكم القرابة التي تربطني به،وطلب مني استلام جثمان أخي الشهيد وعدم إقامة مراسيم الفاتحة ودفنه بشكل سري،فقلت له إن أعرافنا الاجتماعية وتقاليدنا العشائرية تتطلب إجراء هذه المراسيم،وان مكانتنا الاجتماعية تفرض علينا القيام بهذا الواجب،إلا انه أصر على ذلك وبعد استلام الجثمان ودفنه جاءني بعد أيام احد رفاقه وطلب الاختلاء بي،وقد عرفت الأمر بحكم حدسي الأمني،وبعد جلسة قصيرة طلب مني ملابس أخي التي كان يرتديها قبل استشهاده،وبعد أن جلبتها له فتح بطانة الحذاء وأخرج منها ورقة صغيرة ودسها بسرعة في جيبه واستأذنني مودعا،عندها أشهرت المسدس في وجهه وقلت له أنك ضيفي ورفيق أخي،فإذا لا تطلعني على ما في الورقة سأقتلك وأقتل نفسي،ولكنه رفض ومانع في تسليمي الورقة وقال لي أنه سر من أسرار الحزب،وكنت مصمما حينها على أن أفعل ما أقول،فألححت عليه وبعد اخذ ورد طلب مني أن أقسم على عدم إفشاء السر وإذاعة الأسم،ثم أطلعني على ما كتب في الورقة فوجدت فيها اسما كان وراء الإخبار عن النشاط العسكري،وهو أسم معروف ،وقلت له لابد لي من الانتقام منه ثأرا لأخي ورفاقه،فقال أنه أبن الحزب قبل أن يكون أخاك والحزب سيتصرف بما يستحقه الأمر،وهذه الرواية يتحمل مسئوليتها من أدلى بها .

وكان أبو نجاح رغم تجميد نشاطه بشكل مؤقت يعمل ما وسعه الجهد في بناء المنظمة والعمل على امتدادها رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد،فقد تنمر البعث وقام باستعمال الأساليب الدنيئة مع الشيوعيين،واعتقالهم بدعاوى كيدية في محاولة لإسقاطهم سياسيا،وقد كان له ما أراد مع البعض لأسباب ذاتية وموضوعية،فقد كان الفصل والأبعاد وخلق العراقيل والصعوبات أمام الشيوعيين من الظواهر العادية التي تمارس بشكل يومي،ولكن السلطة تمادت أكثر وخصوصا بعد فرض هيمنتها على الاتحادات والنقابات ،واقتصار العمل على ممثليها مما خلق حالة من التطير لدى الكثيرين،وإحباط أكبر لدى آخرين مما أثر بشكل سلبي على عمل المنظمات،فقد لاحظنا حدوث تسرب وتحلل لدى البعض وظهور حالات من الانفلات غير المبرر لدى آخرين،في الوقت الذي كان الشيوعيين الحقيقيين المجربين يتعاملون مع الوضع بما عرف عنهم من صمود عز وجوده لدى الآخرين،فكان أبو نجاح من الصنف الأخير الذي لم يتراجع أو يهن ،فكان شوكة في عيون البعثيين،يعاملهم باحتقار ولا مبالاة،في تحد واضح لسلطتهم المغرورة،فكان رغم استمرار العمل الجبهوي عرضة للاعتقال بين فترة وأخرى ،ويحاولون بشتى الوسائل النيل منه،وقد أعتقل ثلاثة مرات ليوم أو يومين ،و هذه التهويشات لا تستطيع النيل من صموده وبسالته،لذلك ما أن بدأت بوادر الانهيار والهجمة الشرسة للسلطة الصدامية الباغية حتى أعتقل أبو نجاح وذلك بتاريخ 24/12/1980 عندما كان عائدا من النجف مساء ذلك اليوم بعد تشييع جثمان أحد أبناء المدينة ،حيث قامت مفرزة كبيرة من مديرية أمن بابل وأمن القاسم ومجموعة من أزلام السلطة بنصب كمين غادر قريبا من منزله الذي كان في بستان الحاج خريبط السهم قريبا من الجسر الوحيد في المدينة،وما أن حاول الدخول إلى منطقته حتى أسرع رجال الأمن لإيقافه وطلبوا منه مرافقتهم ،وعندما حاول أثارة جلبة لتنبيه أهله وذويه قام الأمن بتكميم فمه ومنعه من الصياح ثم أركبوه بالقوة في السيارة المرابطة في زقاق مجاور وانطلقت به السيارة إلى جهة مجهولة،وكانت المفرزة بقيادة المقبور المقدم شهاب أحمد شهاب الملقب(أبو غضب) الذي نال جزاءه العادل بعد سقوط النظام وقتل شر قتلة يستحقها الخونة والعملاء، وعندما وردت الأخبار إلى أسرته أسرع أهله إلى أمن القاسم لمعرفة النتيجة فظهر لهم أنه قد أرسل إلى مديرية أمن بابل فورا،وفي صباح اليوم التالي توجه شقيقه الشيخ عباس النعمان إلى مديرية أمن بابل للاستفسار عن مصيره،وكان شخصية عشائرية مؤثرة يحسب لها حساب ،فاستقبله مدير الأمن بطريقة جعلته يطمئن على سلامة أخيه ،وأخبره إن الأمر لا يعدو تحقيقا بسيطا وسيطلق سراحه بعد يومين أو ثلاثة،لعدم وجود ما يدينه،وبذلك امتصوا نقمتهم ،وبقيت الأسرة بانتظار أطلاق سراحه،وعلموا أنه قد أرسل إلى مديرية الأمن العامة، وجرى متابعة أمره هناك ،فكانت الأخبار متضاربة ،بين وجوده في مديرية الأمن أو نقله إلى سجن أبو غريب،وبعد التحري والتدقيق ظهر كذب هذه الإشاعات،وظلت أسرته تبحث عنه لأكثر من ثلاثة سنوات،وذات يوم أرسل وراء شقيقه عباس النعمان في دائرة أمن الشوملي،وبلغ بتنفيذ حكم الإعدام به،وأن سلطات السجن قامت بدفنه في مكان مجهول،وبلغوا بعدم أقامة مراسيم الفاتحة،أو أظهار معالم الحزن،وقد أقيم له مأتم سري في قرية العويديين التي لا يستطيع الأمن مراقبتها لأنها خاصة بالعشيرة،وبعيدة عن المدينة.

وبعد سقوط النظام والعثور على الوثائق والأوليات الخاصة بمديرية أمن بابل سيئة الصيت،تبيين أنه قد صدر عليه حكم الإعدام من محكمة المقبور المجرم عواد البندر،ونفذ الحكم ودفن في مقبرة محمد السكران في الراشدية،مع الرفاق الشهداء علي حسين الصكر وكاظم عبيسان ومجموعة من المناضلين الأبطال،ولم تتمكن الأسرة من العثور على جثمانه لوجود اختلاف في الأسم،وما يعنينا أن الثرى العراقي قد ضم هذا الجسد الطاهر والمناضل العنيد،فسلام عليك يوم ولدت ويوم مت،وستبقى في الخالدين ما بقيت الراية الحمراء خفاقة في سماء العراق.