الرئيسية » مقالات » نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية الحلقة الثامنة

نقاشات فكرية وسياسية مع السيد الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية الحلقة الثامنة

الصراعات الفكرية والسياسية وعواقبها في العراق
يطرح الدكتور فاضل الجلبي موضوعة أو فكرة مهمة تستحق النقاش وتستوجبه , مفادها أن ممارسة العنف والقوة موجودان في الفكر السياسي العراقي. (قارن: فاضل الجلبي. العراق… ديموقراطية بلا ديموقراطيين (2 من 3) ديمقراطية الجادرجي مهدت الطريق لاستيلاء العسكر على السلطة. الحياة في 31/5/2005). في العام 2006 صدر لي عن مؤسسة حمدي في السليمانية كتاب تحت عنوان “الاستبداد والقسوة في العراق” بحثت فيه هذا الموضوع من جوانب عدة , إضافة إلى تناولهما تاريخيا والعوامل الكامنة وراء تشكل هاتين الظاهرتين. كما أشرت قبل ذاك وفي كتابي الموسوم “ساعة الحقيقة: مستقبل العراق بين النظام والمعارضة” , الذي صدر في بيروت في العام 1995 إلى موضوعة أخرى مفادها : إن بعض السمات السيئة التي يتميز بها صدام حسين , بل وأكثرها سوءاً , نجدها في شخصيات كثيرة من قوى المعارضة العراقية , وكنت أعني بذلك سمات الاستبداد والقسوة وجنون العظمة. وكررت ذلك بصيغة أقوى وأوضح في كتابي الموسوم “المأساة والمهزلة في عراق اليوم” الذي صدر عن دار الكنوز الأدبية ببيروت في العام 2000. فظاهرة القوة والعنف موجودة حقاً في الفكر والممارسة السياسية في العراق. ولكن هل يمكن مقارنة سياسات ومواقف وأساليب حكم نوري السعيد مع ممارسات قوى المعارضة العراقية في داخل أحزابها حينذاك. حين درست فهد أشرت إلى أن القائد الشيوعي ينتمي إلى المدرسة اللينينية والستالينية , وبالتالي كان يميل إلى عبادة الفرد إزاء لينين وستالين , ولكن مارس ذلك نفسه في حزبه أيضاً وربما دون أن ينتبه إلى ذلك. وقد برزت هذه الظاهرة السلبية بوضوح كبير في سياسة الحزب وفي الخشية العفوية من توجيه النقد له من جانب الشيوعيين حتى بعد مماته بسنوات طويلة. ولكن كل المؤشرات كانت تشير إلى أن الجادرجي لم يكن كذلك , في ما عدا صراعه مع اليسار إذ كان يخشى من تأثيرهم اليساري على حزبه وبالتالي تصدى لوجودهم في الحزب ومارس سلطته الحزبية في التخلص من بعضهم الأكثر بروزاً والأكثر قرباً من الفكر الماركسي – اللينيني. وإذا ما وجد شيء من هذا القبيل لدى الجادرجي , فهل يمكن مقارنته بنوري السعيد واعتبارهما طرفين متماثلين وأن اختلفا في المواقع. كتب الجلبي يقول:
“إن ما ذكرناه بشأن تسلط نوري السعيد، واستعماله العنف والقوة من جهة، وتسلط الجادرجي على حزبه من جهة، مجرد أمثلة تعكس حالات تطرفية ، ولكنها تشير إلى أمر موجود في الفكر السياسي العراقي. فلسان حال السياسي العراقي يقول: أنا أفكر هكذا وإذا خالفتني في الرأي إذاً أنت عدوي، ومن حقي أن اتهمك بالعمالة وبالفساد، وإلى آخره من التهم ، والتشنيع بالطرف الآخر! لمجرد أنه لا يقبل، أو يعتمد في رأيه على نظرية أخرى”. راجع: فاضل الجلبي. نفس المصدر السابق).
أختلف مع السيد الجلبي في هذا التقييم بسبب معرفتي بالمبادئ التي اقتنع بها الجادرجي من جهة , ومعرفتي من جهة ثانية بطبيعة وسياسات وسلوك نوري السعيد حيث عشت تجاربي الشخصية مع نظام حكمه , وبسبب اتصالي بالكثير من قادة وكوادر الحزب حينذاك بشأن مواقف الجادرجي في الحزب من جهة ثالثة , إذ لم أكن عضواً أو قيادياً في الحزب الوطني الديمقراطي لكي أعطي رأياً باتاً بالأمر , ولكن السيدة بلقيس شرارة , التي أثق بموضوعيتها وأسلوب مناقشتها لأفكار الجلبي والحجج الموثقة التي قدمتها بشأن سلوك الجادرجي في حزبه , قد تناولت هذه المسألة بشكل جاد وموضوعي. وصلتني رسالة من المخرج العراقي المتميز الأخ الأستاذ قاسم حول بشان حلقات المقال الجارية يقول فيها بصدد الأستاذ الجادرجي ما يلي:
“العزيز الدكتور كاظم حبيب
عندي مقترح على ضوء قراءتي لحوارك مع الجلبي .. أن يصار من هذه الحلقات التي كانت ضرورية أن تستخلص منها وتخلصها من الحوار مع الجلبي لإصدار كتاب منها عن تجربة ثورة تموز وقراءة للحقبة الملكية ولحقبة الثورة فكلاهما الحقبتان مع بعضهما في كتاب أظن سيكون أهم إصدار سياسي ثقافي بقلمك الجميل .. شيء عن الخطأ والصواب في التجربتين .. مجرد رأي.
يندم المرء أحيانا على فترات الصبا عن أحداث مرت به وهذه الفكرة التي مررت بها تعكس الكثير من المفاهيم والأخطاء والتربية السياسية.
في بداية صباي كنت معجبا في شخصية الجادرجي ومقالاته في الأهالي ويوما أجريت معه مقابلة عن سياقة السيارة في شارع الرشيد فقال أن قيادة مظاهرة في شارع الرشيد أسهل عندي من قيادة سيارة في هذا الشارع.
تغلق جريدة الأهالي أو هو أغلقها ثم عادوا إعلاميا في صحيفة المواطن البديل عن الأهالي وكان يرأس تحريرها المحامي عبد الله عباس ومدير تحريرها الكاتب والصحفي المرموق مجيد الونداوي ومديرها الإداري المحامي عبد الإله البزاز ومسؤولها المالي أبو فايق وكلهم شخصيات مرموقة في الحزب الوطني الديمقراطي.
كانوا يريدون مسؤولا ثقافيا وفنيا للجريدة فعملوا ما يشبه المسابقة وقدمت أنا مع المتسابقين وكنت طالبا في معهد الفنون نموذجا للصفحة الثقافية الأدبية والفنية. وفزت بالمسابقة وصرت منذ صدور الجريدة حتى آخر عدد وكان يوم الجمعة في الثامن من شباط، كنت مسؤولها وكانوا يدفعون لي عن كل صفحة تصدر في يوم الجمعة دينارين ونصف أي مرتبي الشهري عشرة دنانير.
كان الجادرجي يقوم بالاجتماع مع المحررين كل أسبوع وكان يبدي إعجابه بالصفحة الثقافية ويبعث لي بالتهاني. وكنت أنا قريب من الشيوعيين جدا وعندما كان يسأل عن سبب عدم حضوري الاجتماعات أعتذر عن الذهاب للاجتماع لأنهم كانوا على خلاف مع الشيوعيين. ويوما دعاني لمشاهدة صوره الفوتوغرافية وتملصت من الموعد. ثم حصل الانقلاب وكان قد قال للمحررين يوما ستمر على العراق أيام كالحة السواد فقالوا له بعد الانقلاب كيف توقعت ذلك. فأجابهم لا أقصد هذا الانقلاب!!!!
نعم عزيزي الدكتور كاظم .. كان الجادرجي مؤكدا يقصد هذه الأيام وليست تلك .. يقصد الحقبة التي نعيشها الآن.
يوم رحل الجادرجي أقيم له حفل تأبين في أربعينيته في قاعة الخلد وغصت الصالة بالناس وفتح المسرح من جانبه الخلفي على الحدائق لكي يستوعب الحضور وقد حضر من لبنان كمال جمبلاط وقال في كلمته لقد تعلمنا الديمقراطية من مدرسة كامل الجادرجي. كنت يومها من منظمي الحفل التأبيني وندمت ندما شديدا أني لم ألتقيه ولم أتصور معه .. كان ذلك من مساوئ تربيتنا السياسية.
ويوما كنت وحدي في جريدة المواطن وأعددت الصفحة الثقافية وكنت أكتب كلمة قصيره للصفحة وخطر على بالي أن أكتب عن سبب تكرار ظهور صورة عبد الكريم قاسم في التلفزيون بشكل غير طبيعي فكتبت الموضوع ونشر ولم يقرأه لا عبد الله عباس صاحب امتياز الجريدة ولا الونداوي. وعندما ظهر العدد في اليوم التالي أستدعي عبد الله عباس إلى وزارة الدفاع وسئل عن المقال وسبب التعريض بشخص الزعيم وهو لم يكن يدري وعرف أني أنا كاتب المقال فقال لهم لا أستطيع أن أخبركم باسم كاتب المقال وأنا نفسي كلفته بكتابة هذا الموضوع وأتحمل المسؤولية فتسلمت الجريدة إنذارا بذلك !!!
هذا من أخلاق هذه المؤسسة الديمقراطية التي لم نفهمها وشكرا لأنك تنصف العادلين الغائبين منهم والأحياء ودم في كتاباتك الجميلة .. أخوك .. قاسم حول 8/7/2008 “. (الرسالة في حوزتي ووضعت في أرشيفي وهي في حوزة الأستاذ قاسم حول طبعاً).
أدرك حقاً بأن قوى المعارضة العراقية حينذاك قد ارتكبت أخطاءً كثيرة , ولكن لا بد من التمييز بين ثلاث مسائل جوهرية , وهي:
1. من المسؤول عن وقوع المعارضة العراقية في تلك الأخطاء , أليس نظام الحكم الذي غيب الديمقراطية عن المجتمع والأحزاب , وبالتالي جعل الأحزاب ذاتها تعاني من بعض أمراض الحكم.
2. هل يمكن المساواة بين سياسات وأخطاء نظام الحكم التي تقود إلى ملاحقة الناس والتجسس عليهم وحرمانهم من الحرية والديمقراطية التي منحها الدستور العراقي , وإلى سجن وتعذيب وتشريد ومحاربة بالرزق والقتل وأحكام الإعدام , وبين قوى معارضة تحتج وتتظاهر ضد مثل تلك السياسات المنافية لأبسط حقوق الإنسان والتي تجاوزت على المبادئ التي تضمنتها الوثيقة الدولية التي ساهم العراق في وضعها وإقرارها والمصادقة عليها , وأعني بها اللائحة الدولية لحقوق الإنسان التي صدرت في العاشر من شهر كانون الأول/ديسمبر 1948.
3. وهل يمكن رمي كل قوى المعارضة العراقية في سلة واحدة واعتبارها جميعاً كانت مسؤولة عن أخطاء بعضها الآخر. إن هذا التعميم خاطئ , وكان على الدكتور الجلبي أن يتجنبه , كما أرى.
“كتب الدكتور الجلبي تحت عنوان “التسلط والفكر السياسي” ما يلي: ” بعد أيام من الثورة نشأ صراع بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، وجاء البعثيون بشعار الوحدة الفورية مع مصر، وهو شعار سياسي قابل للحوار بالطرق السلمية، ولكن حزب البعث الذي كان طرفاً صغيراً في الجبهة الوطنية العام 1957 اتجه إلى العنف لفرض هذا الرأي السياسي، وذلك في محاولة قتل عبد الكريم قاسم عام 1959″. ثم يواصل الكتابة فيقول: “وكان الشيوعيون، من جانبهم، يرددون شعار الاتحاد الفيديرالي، وليس الوحدة الفورية. ومارس الشيوعيون العنف أيضاً، وسفك الدماء واللجوء إلى لغة الحبال لمحاورة الطرف الآخر، مما أفسد أهداف 14 تموز. وحاول القوميون، من ناحية أخرى، التعبير عن رأيهم في موضوع الوحدة مع مصر في محاولة الانقلاب على عبد الكريم قاسم، ما كانت تسمى حركة الشواف في الموصل. وكانت حصيلة تلك السياسات صراعات دموية وعداوات عميقة، في مسألة هي مسألة سياسية نظرية في جميع الأحوال. ولم يقم القوميون، حتى بعد استلام السلطة في زمن عبد السلام وعبد الرحمن عارف، بأي خطوة باتجاه الوحدة مع مصر. لكن كان التفرد بالرأي، والتسلط على الآخرين، واستعمال العنف، واللجوء إلى الأعمال اللاقانونية هي السائدة في الحوار السياسي، وليس التفاوض، أو المحاورة السلمية للوصول إلى نتائج مرضية لكل الأطراف. ويفسر هذا حلول التدهور الكبير بوصول صدام حسين إلى السلطة”. (راجع: فاضل الجلبي. الجادرجي (في الوسط) مع عبد الناصر. العراق… ديموقراطية بلا ديموقراطيين (3 من 3): معارضة من أجل المعارضة … مهدت طريق «التدهور الكبير» جريدة الحياة. 1/06/2005).
اتفق مع الدكتور فاضل الجلبي في ثلاثة أمور وأختلف معه في بعض آخر:
اتفق مع الدكتور الجلبي :
* أن قضيتي الوحدة والاتحاد مطروحتان كمسألة نظرية بحتة , سواء أكان الموضوع وحدة أم اتحاداً , وكان بالإمكان معالجة الموضوع من الناحية النظرية وعبر الحوار والنقاش السلمي والديمقراطي. وكان الصراع قد وقع بين حزب البعث والقوميين من جهة , والشيوعيين من جهة أخرى , رغم تأييد القوى الأخرى والغالبية العظمى من الشعب العراقي لموضوعة الاتحاد الفيدرالي وليس للوحدة.
* وأن هذا الاختلاف و ضمن قضايا أخرى , قد اتخذ صيغاً غير قانونية وتجاوزاً على الحياة السياسية العامة وإضراراً بالمصلحة الوطنية.
* وأن ممارسة القوة والعنف قد حصل من الجانبين بشكل عام وأدى إلى عواقب وخيمة للمجتمع بأسره , وكانت هناك رغبة متبادلة في إقصاء الآخر والحلول مكانه.
ولكني أختلف مع الدكتور فاضل الجلبي في قضايا أخرى , سواء ذكرها أم تجنب ذكرها , ومنها:
1. لم تكن البداية في تفجير الخلاف من جانب قائد الثورة ورئيس الحكومة عبد الكريم قاسم , بل كانت من نائبه ووزير الداخلية عبد السلام محمد عارف. ولم تكن إثارة الخلاف عملية عفوية أو عبثية , بل كانت مطلوبة وموجهة من جانب القوى القومية والبعثية في العالم العربي , ولكن بشكل خاص من الرئيس المصري جمال عبد الناصر وحزب البعث بقيادة ميشيل عفلق.
2. مارس البعثيون ليس محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم حسب , بل مارسوا عمليات اغتيال واسعة للشيوعيين وأتباع قاسم.
3. لم يمارس الشيوعيون القتل والسحل في الشوارع , بل كان من صنع الرعاع لا غير , ومن المؤسف أن الحزب الشيوعي لم يدن هذه القضية مباشرة بل بعد وقوعها في العراق وبعد أن اتهم بها. وهنا أروي حادثة حصلت لي في مدينة كربلاء. غادرت العراق للدراسة في خريف عام 1958 وعدت في بيع 1959 لزيارة العراق وذهبت إلى مدينة كربلاء لزيارة عائلتي. كنت أتجول في شارع العباس ومعي الصديق ورفيق النضال المبكر جاسم الحلوائي (أبو شروق) , وكان في حينها مسؤول منظمة الحزب في كربلاء. ونحن في الشارع وقرب دائرة البريد شهدنا مظاهرة قادمة باتجاه محلة العباسية, ويهتف المتظاهرون المتهيجون بشعار يدعو إلى قتل وسحل السيد هاتف الشامي مدير دائرة العمل في كربلاء. سألت الصديق الحلوائي , هل هي مظاهرة ينظمها الشيوعيون. نفى ذلك باعتباره مسؤولاً عن المنظمة ولم يتعرف على أي شيوعي فيها. ثم عرفنا بأنها المتظاهرين هم من عمال الطابوق البؤساء الذين جاءوا يطالبون بزيادة الأجور ويعتقدون بأن هاتف الشامي يرفض زيادة أجورهم والاستجابة لمطلبهم . واجهت المظاهرة وارتقيت على دكة مرتفعة قليلاً وطلبت منهم الكف عن هذا الشعار وحل المشكلة مع السيد هاتف الشامي بالمفاوضة وأني مستعد والحلوائي أن نذهب معهم لحلها. إلا أن الهياج كان مرتفعاً ولم يكن بينهم شيوعي واحد يمكن تحريكه للتأثير عليهم من خلاله. ولم تمض لحظات على طلبي منهم بالهدوء وإذا بأحدهم يوجه ضربة من عصا طويلة فيها قطعة حديدية إلى قمة رأسي مباشرة مستنكراً طلبي بحل المظاهرة والكف عن طلب قتل السيد هاتف الشامي , الذي كان يميل إلى الاتجاه والفكر القومي حينذاك , وهو من معارفي الطيبين. تدفق الدم من رأسي , هجمت بسرعة على الشخص الماسك بالعصا واختطفته منه وبدأت أدافع عن نفسي دون أن أصيب أحداً منهم واستطعت إبعادهم عني , إذ أن منظر الدم يثير ويحفز على المزيد من الاعتداء, ثم أسرعت إلى مستوصف الطلبة القريب من دائرة البريد طلباً للعلاج وإيقاف نزيف الدم. عولجت في حينها , وأثر الضربة ما يزال يذكرني بتلك الحادثة. طلبوا مني إقامة الدعوى رفضت ذلك , إذ لا جدوى منها , ولكن اتفقنا على أن تبدأ عملية تثقيف في المدينة ضد السحل والحبال. ولكن في اليوم الثاني ظهرت إشاعات تقول بأن الشيوعيين كانوا وراء المظاهرة , وهي إشاعة مجافية للحقيقة. وجميعنا يتذكر ما كتبه البعثي السابق السيد حسن العلوي حين قال بأنهم كانوا يحرقون أو يمزقون القرآن ويتهمون الشيوعيين بذلك لإثارة الناس ضد الشيوعيين واتهامهم بالإلحاد والزندقة والهرطقة وما إلى ذلك , إضافة إلى تهمة الشعوبية. لا أريد هنا أن أنفي عن الشيوعيين ممارسة العنف والقوة أو الإساءة بالضرب للمخالفين لهم بالرأي في الجامعة أو في المحلات , ولا أنكر دور وأخطاء المقاومة الشعبية في هذا أيضاً , فهي معروفة ولا أنفيها. من المفيد هنا العودة إلى تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصادر عن الاجتماع الموسع في أيلول/سبتمبر 1959 ليتعرف على طبيعة الأخطاء التي ارتكبتها قيادة الحزب واعترفت بها وأدانتها والتزمت بعدم تكرارها.
4. لم يكن الشيوعيون هم الذين قتلوا وسحلوا في الموصل , بل قوى أخرى هو أدرى بها , ولكن كان خطأ الشيوعيين هو الإصرار على عقد مؤتمر السلام هناك واستفزاز القوى الأخرى بقطار السلام والمظاهرات والمهرجانات غير الضرورية , وخاصة في ذلك الظرف الحرج الذي شهد توتراً شديداً في العلاقات بين القوى السياسية وخاصة بين الشيوعيين والتقدميين من جهة , البعثيين والقوميين من جهة أخرى. وهكذا الأمر مع كركوك , بل مورس ذلك من قبل قوى أخرى غير الحزب الشيوعي العراقي , رغم إنجرار بعض الشيوعيين إلى تلك العملية , ولكن ليس الحزب كله. حين اعتقلت في تموز من العام 1978 من قبل لأجهزة الأمن البعثية وبقرار من صدام حسين عرض عليّ فيلم عن أحداث في الموصل وكركوك وطلبوا مني تقييمها أو إدانتها. رفضت ذلك بإصرار وقلت لهم ثلاث مسائل: أ. لا أدري مدى صحة هذا الفيلم ودقة المعروض من الصور واللقطات؛ ب. ليس من حقي أو واجبي أن أعطي تقييماً عن فيلم وأنا معتقل لديكم وفي قبضتكم؛ ج. لا يجوز أخذ أحداث الموصل وكركوك بمعزل عن كل الأحداث التي حصلت في العراق منذ انتصار ثورة تموز حتى وقوع تلك الأحداث وما بعدها.
5. في أعقاب انقلاب شباط 1963 أصدر نظام البعث البيان المشؤوم رقم (13) الذي سمح بقتل الشيوعيين أينما وجدوا. ولم تكن كلمة الشيوعي تطلق على الشيوعيين وحدهم , بل كل التقدميين واليساريين والديمقراطيين , وبالتالي كان القتل يمكن أن يشمل عدداً كبيراً من البشر. وقبل إذاعة هذا البيان عرض تلفزيون بغداد فيلماً بعنوان “حمامات الدم” عن أحداث كركوك يعرض فيها لقطات عن جماعة تحمل حبالاً وعصياً , ولكنه في ذات اللحظة يعرض لقطات لقتلى ووجوه مشوهة لأناس معذبين بحيث يعطي انطباعاً وكأن حملة الحبال هم القتلة هم الذين يمارسون التعذيب وتشويه الوجوه. وبعد فترة اكتشف الأستاذ قاسم حول بان تلك اللقطة للوجوه المشوهة هي من فيلم وثائقي جزائري يفضح فيه ممارسات السلطة الفرنسية وفرقة المرتزقة أو الأجنبية في الجزائر. وهي ليست سرقة حسب , بل وتزويراً وتشويهاً للحقائق. رغم أن حمل الحبال والعصي بحد ذاته شيئاً سلبياً ومرفوضاً , بل ومداناً في آن واحد. وكتب الأستاذ قاسم حول يقول:
“قبل إذاعة البيان عرض فيلم وثائقي عنوانه (حمامات الدم) ليمهد للبيان ويمهد للانتقام وكان هذا الفيلم يعرض صور قتلى عراقيين في كركوك والموصل. وجوه مشوهة ومضرجة بالدم وبلقطات كبيرة بحيث لا يمكن معرفة المكان ولا الملابس،. فقط وجوه مشوهة وقبل عرض هذه الوجوه تظهر على الشاشة مظاهرة شعبية وبعض المتظاهرين يحملون الحبال ويلوحون بها.
يقول إيزنشتاين المخرج الروسي حول نظرية المونتاج “إذا أضيفت لقطة إلى لقطة ثانية فإنها تعطي معنى ثالثا” ولذلك ففي هذا الفيلم عندما يرى المشاهد أشخاصا في مظاهرة يلوحون بالحبال وتعقبها لقطات لقتلى مشوهين فالمشاهد سوف يتلقى انطباعا بأن هؤلاء حملة الحبال هم الذين قتلوا أصحاب الوجوه المشوهة. وبعد الفيلم أذيع البيان السيئ الصيت بيان رقم 13 علما ومن سخريات القدر أن يكون الانقلاب في شهر رمضان ويدعون فيه إلى قتل المواطنين بدون محاكمة وبدون وثيقة اتهام فنسمع بعد البيان أغنية الانقلاب “يا ربي يا حنان يا منان .. يا منزل القرآن في رمضان” وتظل محطة التلفزيون تعرض فيلم حمامات الدم الذي يدعو الشعب العراقي لقتل قواه التقدمية والديمقراطية والليبرالية.
وملاحظاتي كسينمائي على هذا الفيلم الذي يعتدي على مفهوم الوثائقية في السينما مثلما يعتدي على حياة الناس أن المظاهرة التي يلوح بها مواطنون بالحبال “وهو تصرف غير حميد ومرفوض مؤكدا” هؤلاء هم مواطنون يفتقدون إلى الوعي ويعود تأريخ اللقطة إلى الأيام الأولى لثورة 14 تموز حيث تم وللأسف سحل رجالات العهد الملكي بالحبال وهو تصرف وحشي لا يليق بالإنسان. ولكن، لا علاقة بين اللقطة مع أحداث كركوك والموصل التي يتحدث عنها الفيلم، حيث هناك فارق زمني بين تأريخ المظاهرة وتأريخ أحداث كركوك والموصل”. (جزء من رسالة للأستاذ قاسم موجهة لي حول ما أشرت إليه في أعلاه بتاريخ 9/1/2008).

6. لم تتخذ حكومة عبد الكريم قاسم أي إجراء لإيقاف السفر إلى الموصل بل شجعت على ذلك , وكان قاسم يعرف العواقب المحتملة. ولم يتخذ قاسم إجراءات لتطهير أجهزة الأمن التي كانت تمارس الاعتقال والعنف والتعذيب ضد المعتقلين من الشيوعيين والديمقراطيين , أو قبل ذاك من البعثيين والقوميين و رغم أن قلة من البعثيين والقوميين قد تعرضوا للتعذيب. كما لم يمارس دوره في إيقاف التداعيات في كركوك.
7. لم يكن للحزب الوطني الديمقراطي أي مشاركة في كل ذلك , في ما عدا أن ممثلي الحزب في الحكومة حينذاك لم يلعبوا دورهم في التأثير على قاسم لمنع وقوع جملة من تلك الأحداث. ولكن الأستاذ الجادرجي كان بالضرورة ضد كل ما يجرى من صراعات حينذاك.
من هنا أود أن أشير إلى أن تلك الخلافات والصراعات السياسية والنزاعات والتآمر الداخلي من جهة , وسياسات قاسم التي وفرت الأرضية الصالحة للتآمر من جهة أخرى , والتآمر الخارجي العربي والإقليمي والدولي على الجمهورية الأولى من جهة ثالثة , كانت الأسباب المباشرة لتدهور الأوضاع أكثر فأكثر وإلى انهيار الوضع ونجاح الانقلاب الفاشي ضد حكومة قاسم , وليست أخطاء كامل الجادرجي كانت سبباً في تدهور الأوضاع السياسية وسقوط نظام حكم قاسم.
10/7/2008 كاظم حبيب

انتهت الحلقة الثامنة وتليها الحلقة التاسعة.