الرئيسية » مقالات » حرب الخليج الثالثة والكارثة التي حلت بالعراق الحلقة / 27 /30

حرب الخليج الثالثة والكارثة التي حلت بالعراق الحلقة / 27 /30

مسؤولية إدارة بوش عن الكارثة التي حلت بالعراق
إن تصاعد الأزمة العراقية المستعصية يوماً بعد يوم عمقاً واتساعاً، على الجانبين السياسي والأمني هي نتاج الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الأمريكي، والرجل الذي أوكله الرئيس بوش لحكم العراق[ بول بريمر]،الذي كان يجهل كل شيء عن العراق وشعبه، ولم يسبق له حتى زيارة هذا البلد من قبل، فكان أن اتخذ قرارات خطيرة كانت لها نتائج كارثية على الجانبين السياسي والأمني، من خلال إقامة نظام حكم طائفي في البلاد، أوصل العراق إلى هذا الجحيم الذي نشهده اليوم، والذي بات الخروج منه يصل إلى حد المعجزة، إن كانت هناك معجزات حقاً في علم السياسة وإدارة الأزمات.
لقد أوصلت تلك السياسة الرعناء للإدارة الأمريكية إلى ما دعته بـ [الفوضى الخلاقة] كما يتحدث الممسكون بالملف العراقي في البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية، ولا أدري هل في قواميس اللغة ما يشير إلى الفوضى، أية فوضى بكونها خلاقة !!
أنها في واقع الحال الفوضى المخربة والمدمرة، والمستنقع الذي وقع فيه ليس الشعب العراقي فحسب، بل قوات الاحتلال للدولة العظمى في العالم ذاتها، والتي باتت لا تعرف كيف تخرج من هذا المستنقع، ولا تستطيع تحديد النتائج الكارثية للخروج منه ليس على قواتها العسكرية فحسب بل على منطقة الخليج والشرق الأوسط خاصة، والعالم بصورة عامة، فقد يقع العراق فريسة أما بأيدي القاعدة وحلفائها انصار نظام صدام، أو بأيدي حكام طهران وحلفائها قوى الإسلام السياسي الشيعي المعروفة، ولا شك أن الإدارة الأمريكية تدرك تمام الإدراك نتائج هذا المصير المفزع على العراق والعالم أجمع.
إن العراق اليوم تتحكم فيه قوى الإسلام الطائفي بشقيه الشيعي والسني بما تحمله من فكر ديني متخلف عفا عليه الزمن، لتستخدمه سلاحاً فعالاً لتحقيق أجندتها السياسية الهادفة لامتلاك السلطة والثروة، مستخدمة كل وسائل العنف والتدمير والقتل على الهوية، ومستغلة الجهل والتخلف الذي حل بالمجتمع العراقي خلال أربعة عقود من حكم البعث القومي الفاشي، ولاسيما أبان حكم طاغية العراق صدام حسين ونظامه القمعي الشمولي، والذي ركب نفس المركب الذي يركبه اليوم رجال الدين المتسيسون، من خلال حملته الدينية المشعوذة، وهو الذي ارتكب من المجازر بحق شعبه وشعوب جيرانه ما يعجز خبراء الإحصاء عن تحديد حجمها وعددها، وبذلك هيأ صدام حسين الظروف الموضوعية لرجال الإسلام السياسي ليحققوا أحلامهم في الاستئثار بالسلطة والثروة وهذا ما يجري اليوم في البلاد حيث انتشر الفساد في كل مرافق البلاد وكل الأجهزة الإدارية والعسكرية والأمنية، بل والأجهزة التربوية والتعليمية والصحية والخدمية.
إن قوى الإسلام السياسي لا يهمها من أمر الدين شيئاً، وهي التي باعت مبادئها بثمن بخس للمحتلين، وتعاونت مع الإدارة الأمريكية في سعيها لاحتلال العراق، وعادت من منفاها وراء دباباتها لتتولى السلطة في البلاد. ومن المؤسف أن تتخذ قيادات الأحزاب القومية الكردية نفس السبيل الذي اتخذته أحزاب الإسلام السياسي، واضعة أيديها بيد الولايات المتحدة وجيش الاحتلال، بل لقد ذهبت في سياستها بعيداً عندما تخلت عن اقرب واصدق حلفاء الشعب الكردي من القوى الديمقراطية والعلمانية، وتحالفت مع قوى الإسلام السياسي، وهي تدرك حق الإدراك أن هذه القوى لا تؤمن حقاً وصدقاً بحقوق الشعب الكردي المشروعة، يحدوها نفس الأمل لقوى الإسلام السياسي بالاستحواذ على السلطة والثروة، واستطاعت القيادة الكردية إقناع الإدارة الأمريكية بفرض المادة 58 في قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية فيما يخص إقامة نظام والفيدرالية للعراق، وهذا ما شجع أحزاب الإسلام السياسي الشيعي على العمل لتضمين الدستور هذا النظام المشبوه، ومطالبتهم في إقامة فيدرالية الجنوب والوسط الذي يرمي إلى تمزيق وحدة العراق إن لم يكن اليوم ففي القادم من الأيام، وهذا هو سر التحالف بين أحزاب الإسلام السياسي الشيعي وأحزاب القومية الكردية.
لقد نادت القوى الديمقراطية والعلمانية ومنذ أمد طويل بتحقيق أماني الشعب الكردي، وجرى الاتفاق على صيغة الفيدرالية للمنطقة الكردية بما يحقق وحدة العراق أرضاً وشعباً، فقد عاش الشعبان العربي والكردي إخوة متحابين، وخاضوا معا النضال ضد سلطة البعث الفاشية التي نكلت ليس فقط بالشعب الكردي، بل نكلت بالشعب العربي، وبسائرالقوميات الأخرى من تركمان وآشوريين وأيزيدية مندائيين.
ومن المؤسف جداً أن ينبري السيد مسعود البارزاني عبر قناة الحرة الأمريكية بالحديث بأسلوب التهديد والوعيد بإشعال الحرب الأهلية التي سماها بـ [الحقيقية]، إذا لم تعد كركوك إلى أحضان دولته القائمة فعلاً، وكأنما هذه الحرب الأهلية التي يشهدها العراق اليوم بكل ويلاتها ومآسيها لم تعد تكفي، ولم تصل [المستوى الحقيقي!!]، وأنه سيشن الحرب الأهلية الحقيقية إذا لم تنفذ المادة 140 من الدستور الذي وضع أسسه المحتلون الأمريكيون، ووكيلهم بريمر تحت ظل جيوش الاحتلال.
إن السيد مسعود البارزاني يضع نفسه وشعبه في مأزق خطير إذا ما أقدم على السير في هذا الطريق، وهو يدرك أن الاستعانة بالحماية الأمريكية لن تدوم مدى الدهر، وهو إن أقدم على إشعال حرب كردية عربية فسوف يقع في خطأ جسيم لا يمكن إصلاحه، وربما يؤدي إلى انقلاب قوى الإسلام السياسي الشيعي عليه، وتضع أيديها بيد قوى الإسلام السياسي السني في معركة المصير. إن هذا لا يعني سوى اللعب بالنار التي ستأتي على الأخضر واليابس، وسيكتوي الجميع بنيران الحرب التي يبشرنا بها السيد مسعود البارزاني، وسيكون الشعب الكردي الخاسر الأكبر في هذه الحرب إن وقعت لا محالة.
إن الطريق الصحيح والآمن أن تتصرف القيادة الكردية بحكمة بعد أن حققت كل هذه المكاسب التي حصلت عليها، والتفرغ لخدمة الشعب الكردي والنهوض بمستوى معيشته ورفاهه، لا التضحية بكل هذه المكاسب ، فهذه السياسة لن تجلب الخير للشعب الكردي على أية حال، وعليه أن يدرك أن السياسة هي فن الممكن، وتتحكم الظروف الموضوعية الداخلية والإقليمية والدولية في مساراتها، وإن سياسة حرق المراحل قد تفقد الشعب الكردي كل ما حصل عليه من حقوق، والعودة به إلى الوراء عشرات السنين.
إن مدينة كركوك هي مدينة التعايش الوطني لكل فئات الشعب بكل قومياته وأديانه وطوائفه، وإن فرض أي حل بالقوة لمشكلة كركوك التي تمثل اليوم برميل بارود كبير وخطير يمكن أن يحرق العراق من البصرة حتى زاخو، فلا ينبغي المقامرة بمصير العراق وشعبه، فتتحملوا وزر الكارثة التي ستحل بالعراق، و سيحاسب التاريخ كل من يسعى لتخريب العراق وقتل أبنائه.

اندلاع الصراع المسلح بين الأحزاب السياسية الشيعية

الصراع المسلح الدائر الآن في البصرة والحلة والكوت والسماوة وبغداد وغيرها من المدن العراقية ذات الأغلبية الشيعية هي حرب كارثية لا مصلحة للشعب العراقي فيها، ولا صلة لها بالمصلحة الوطنية والحرص على العراق لا من قريب ولا من بعيد، إنها حرب تقودها مافيا الميلشيات التابعة للأحزاب الإسلامية الطائفية التي جاء بها الاحتلال الأمريكي، وبوأها أعلى مراتب السلطة في العراق، والتي سلطت ميليشياتها المسلحة لتثبيت لسلطتها على الشعب العراقي المنكوب، بقوة السلاح، فعاثت في البلاد فساداً وخراباً ودماراً وقتلاً واغتصابا دون وازع من ضمير او أخلاق.
إن ما نشهده ويشهده العالم أجمع من مشاهد القتل والخراب والدمار يثير الفزع والاشمئزاز من هذا الاستهتار بحياة المواطنين العراقيين الذين يخشون مغادرة بيوتهم والتوجه إلى أعمالهم وكلياتهم ومدارسهم، بل لم يعودوا يأتمنون على حياتهم حتى في منازلهم، وكثيراً ما يهاجم هؤلاء الإرهابيون المواطنين الآمنين في مساكنهم، ويصفونهم بكل وقسوة ووحشية، نساءً ورجالاً وأطفالا.
لقد مرَّ العراق بأصعب مرحلة من تاريخه، منذ شنت القوات الأمريكية والبريطانية الحرب على العراق، وأسقطت نظام صدام الدكتاتوري القمعي، حيث أخذت أوضاع البلاد تتحول من سيئ إلى أسوأ، ولم يدر في خلد المواطنين العراقيين أن يتخلصوا من ذلك النظام الكريه ليقعوا فريسة هذه العصابات الإجرامية المتوحشة والموغلة في ساديتها، والمتخذة من الدين ستاراً لتنفيذ جرائمها البشعة، والاعتداء على حريات المواطنين، والتحكم في نمط حياتهم ولطعامهم وحتى ملابسهم، وكم أفواههم، وكتم أنفاسهم كي يصفو لهم الجو لتنفيذ أجندتهم الهادفة للاستئثار بالسلطة، ونهب ثروات البلاد، حتى بات الفساد السمة المييزة لجهاز الدولة من القمة إلى القاعدة.
والصراع الدموي الحالي الذي يجري اليوم على الساحة العراقية ما بين
حلفاء الأمس في الائتلاف العراقي، الذي ضم سائر أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، لا يستهدف سوى السلطة والثروة التي هي جوهر الصراع بين المجلس الأعلى وذراعه الميليشياوي المسلحة [منظمة بدر] بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم، والكتلة الصدرية وذراعها المسلح [جيش المهدي] بزعامة مقتدى الصدر، بالإضافة إلى حزب الفضيلة وميليشياتها المسلحة، وثأر الله وميليشياته، وعلى الرغم من الروابط الوثيقة التي تربط هذه الأحزاب بالنظام الإيراني، لكن الذي يبدو اليوم أن إيران قد وضعت ثقلها إلى جانب الصدر وميليشيات جيش المهدي الذي بات الإعلام الإيراني لا يخفي هذا الموقف الداعم له، متهمين المالكي والحكيم بتنفيذ الأجندة الأمريكية. ومما لاشك فيه أن الإدارة الأمريكية وقوات الاحتلال تتحمل كامل المسؤولية عما جرى ويجري اليوم في العراق على أيدي هذه الميليشيات التي باتت هي السلطة الفعلية المسيطرة على الشارع العراقي، فهي التي سمحت بتشكيل وتسلح هذه الميليشيات سواء كان ذلك عن تخطيط مسبق لغايات وأهداف مستقبلية، وهو المرجح كما اعتقد، أو أنها تغاضت عن ذلك بسبب العمليات الإرهابية التي خاضتها العناصر البعثية وميليشيات أحزاب الإسلام السياسي السنية، وعناصر القاعدة القادمة عبر الحدود السورية والإيرانية والسعودية، كي تركز جهدها العسكري لمقاومتها وسحقها، ومن ثم التفرغ للميليشيات الشيعية التي قوي ساعدها، واشتد عودها، وباتت تؤرق وتقلق الإدارة الأمريكية، مما دفعها للتفكير في خلق نوع من التوازن بين القوى السنية بمختلف فصائلها والقوى الشيعية بمختلف فصائلها هي الأخرى ريثما تدبر أمرها، والتخلص منها جميعاً في نهاية المطاف.
ومن أجل تحقيق هذه الأجندة بدأت الإدارة الأمريكية بالخطوة الأولى عندما دعت إلى إلغاء قانون اجتثاث البعث، واستبداله بقانون المحاسبة والمصالحة، والاتصال بالعديد من القوى السنية التي حملت السلاح ضد القوات الأمريكية وقوات السلطة التي نصبتها، واستطاعت إغرائها بالمال، وكسب جانب كبير منها إلى جانبها، ودعتها بـ [قوات الصحوة] وتحويل سلاحها نحو القاعدة وحلفائها من انصار نظام صدام حسين، وجهزتها بالسلاح والأموال، وبذلك استطاعت إضعافها، وتخفيف العبء عن قواتها، تمهيداً للانتهاء منها مستقبلاً.
ثم التفتت نحو الميليشيات الشيعية لتشعل فتيلة الصراع المسلح بينها انتظاراً لنتائج الصراع كي تتفرغ فيما بعد للجانب الرابح من هذه المعارك الدموية الجارية اليوم .
إن الاستراتيجية الأمريكية تبقى هي نفسها لا تتغير، وهي في نهاية المطاف ترمي إلى خلق نظام بعيد عن سائر الميليشيات الشيعية والسنية، نظام قوي ثابت يرتبط بالولايات المتحدة بوشائج قوية وثابتة ودائمية في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسة وسائر المجالات الأخرى، كحليف استراتيجي لها في المنطقة على المدى البعيد.
أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لديها صداقة دائمة، بل لها مصالح دائمة، وعندما تقتضي مصلحتها التنكر لآي جهة شيعية كانت أم سنية أم كردية فلا تتوانى عن ذلك فهي تريد أن تكون السيد المطاع من قبل الجميع، ولنا من شواهد التاريخ الأمثلة الكثيرة.
إن استمرار التدهور الأمني في العراق، وتعمق الأزمة السياسية جراء الصراع الذي تخوضه الأحزاب الدينية الطائفية الشيعية منها والسنية على حد سواء، بالإضافة إلى القوى الموالية للنظام الدكتاتوري الصدامي المسقط عن السلطة، وعناصر القاعدة التي يحتضنها البعثيون أعوان صدام، ويوفرون لهم كل ما يلزم من مأوى وسلاح وأموال وتوجيهات لتنفيذ جرائمهم البشعة في البلاد، قد أدى إلى تصاعد المحنة القاسية التي يعيش في ظلها الشعب بشكل رهيب، مما حول حياة المواطنين إلى جحيم لا يطاق، بعد أن استشرت جرائم التفجيرات، والخطف والقتل على الهوية والاسم، والتهجير تهديداً بالقتل، على خلفية الانتماء الطائفي الشيعي والسني، وعلى خلفية الانتماء الديني، كما هي الحال تجاه المواطنين المسيحيين والصابئة والأيزيدية، وعلى خلفية الانتماء العرقي كما هي الحال مع المواطنين الأكراد والتركمان، مما اضطر جموع غفيرة من هؤلاء المواطنين إلى ترك مساكنهم، وأعمالهم ومصالحهم ومدارس أبنائهم هرباً من الموت الذي يترصدهم على أيدي القتلة من العناصر الطائفية المجرمة، من الطائفتين الشيعية والسنية على حد سواء وعلى أيدي العصابات البعثية الموالية لنظام صدام المسقط، وعلى أيدي عصابات الجريمة المطلق سراحها من السجون من قبل دكتاتور العراق صدام قبيل إسقاط حكمه الكريه.
إن الهجرة الجماعية التي يشهدها العراق اليوم تمثل كارثة إنسانية كبرى حيث يعيش المهجرون حياة قاسية لا مثيل لها، يهيم جانب منهم في شوارع عمان ودمشق والمدن السورية والأردنية الأخرى، والجانب الآخر في المدن العراقية التي تظم أكثرية من تلك الطائفة في حالة مزرية، وجانب ثالث يمتلك الإمكانية المادية وقادر أن يدفع مبالغ طائلة للمهربين بغية الوصول إلى دول اللجوء في أوربا وأمريكا.
وتمارس الميلشيات الموالية لإيران جرائم القتل بحق الضباط في الجيش العراقي السابق، والطيارين بوجه خاص، وكذلك أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين، الذين يمثلون ثروة البلاد العلمية التي لا غنى عنها، مما اضطر أعداد غفيرة منهم إلى الهجرة خارج العراق، حيث شكل خسارة جسيمة للعراق لا تعوض.
ولا شك أن وصول العراق إلى هذه الحال هو نتاج مباشر للسياسة التي اتبعتها سلطة الاحتلال بعد إسقاط نظام صدام حسين الفاشي، وتشجيعها للطائفية السياسية من خلال تشكيلها لمجلس الحكم، والحكومات التي تلته، ومن خلال الانتخابات التي أفرزت هذا الانقسام الطائفي الذي نشهده اليوم، ومن خلال الدستور الذي كرس الطائفية المقيتة، مما أوصل البلاد إلى هذا الاستقطاب الطائفي الحالي الذي ينذر بتوسع وانتشار الحرب الأهلية الطائفية في عموم البلاد، وهذه الإجراءات الأمريكية لا تتفق بكل تأكيد مع الادعاءات الأمريكية بتحقيق نظام ديمقراطي في العراق يكون نموذجاً يحتذي في الشرق الأوسط.
فقد جاءت تلك السياسة، وتلك الإجراءات بهذا النموذج البائس الذي يشهده العراق اليوم، وهو يمثل ليس فشلاً ذريعاً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وحسب، بل وجلب كراهية شديدة للولايات المتحدة في المنطقة العربية من الصعب معالجته.
إن الحكومة العراقية بوضعها الحالي، حتى لو تم الاتفاق على ترقيعها ، فإنها لا تبشر بعودة الأمن والسلام في البلاد طالما جرى تأليفها على أساس المحاصصة الطائفية، وطالما تمتلك الأحزاب الطائفية الشيعية منها والسنية المليشيات التي تصول وتجول في سائر مناطق العراق، ترتكب الجرائم الوحشية بحق أبناء الشعب الآمنين، مما حول حياة المواطنين إلى جحيم لا يطاق.
إن على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في مجمل سياستها وإجراءاتها في العراق، وتعالج نتائج تلك السياسة الخاطئة، والإجراءات الكارثية التي اعترف بها كل من الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني طوني بلير في لقائهما الأخير في واشنطن.( 2 )
وفي اعتقادي إن الشعب العراقي في وضعه الحالي، والذي لم يشهد أو يمارس الديمقراطية خلال تلك العقود السوداء من حكم طاغية العصر صدام حسين وحزبه الفاشي، والذي أدى على انهيار البنية الاجتماعية في العراق جراء الحروب الإجرامية الداخلية منها والخارجية التي زج النظام بها العراق، وجراء الحصار الظالم الذي فرضته الولايات المتحدة على شعبنا خلال 13 عشر عاماً عجافا، قد غيَّر كل القيم والسلوكيات والعادات النبيلة في المجتمع العراقي من عفة ونزاهة وصدق ومحبة الآخرين والتعاون الخيّر بين المواطنين، وحل محلها قيم وعادات وسلوكيات هي على النقيض منها،فقد بات على العراقي أن يشبع بطون عائلته في ظل تلك الظروف بكل الوسائل والسبل، وكل الطرق المشروعة وغير المشروعة. ويذكرنا الكاتب الكبير [ تليستوي ] في وصفه الدقيق لنتائج الحروب، وما تسببه من انهيار خطير للبنية الاجتماعية حيث يقول : [ إن سنة واحدة من الحروب تفسد المجتمع أكثر مما تفسده ملايين الجرائم لعشرات السنين ] فكيف هو الحال بالشعب العراقي الذي زجه
حكامه المجرمون بالحروب لثلاثة عقود ونصف ؟ (3)
ومن هذا يتبين لنا أن هذه السلوكيات الإجرامية العنيفة التي تعم العراق اليوم قد جعلت الشعب العراقي غير مؤهل للديمقراطية والانتخابات وتشريع الدستور الدائم، إن الوضع الحالي يتطلب تشكيل حكومة إنقاذ وطني من عناصر تنكوقراط وطنية نظيفة الأيدي لا تنتمي للأحزاب الطائفية الشيعية منها والسنية التي تمثل وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن أن تخدم العراق، ولا تحقق مستقبلاً مشرقاً كما يتمنى العراقيون، بل على العكس من ذلك تقود العراق نحو مستقبل مظلم قاتم.
ولا شك أن في العراق عناصر كثيرة تحمل هذه المواصفات، وتستطيع قيادة العراق في فترة انتقالية لمدة محدودة يجري خلالها العمل على إعادة الأمن والسلام في البلاد، وحل كافة الميليشيات دون استثناء والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بأمن المواطنين، وإعادة اللحمة بين أطياف الشعب العراقي كافة على أساس من المساواة في الحقوق والواجبات، وعودة المهجرين إلى مناطق سكناهم، وتقديم الحماية اللازمة لهم، ومعالجة مشكلة البطالة التي تمثل المرتع الخصب لتخريج الإرهابيين القتلة، وإعادة بناء كافة المنشئات الخدمية المدمرة من ماء الشرب والكهرباء والوقود، والصرف الصحي، الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، وتكليف رجال قضاء مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة لإعداد دستور علماني جديد بعيداً عن الطائفية وشرورها، ويتضمن قانوناً جديداً للأحزاب يحرم تأليف الأحزاب على أساس ديني أو طائفي أو عرقي، ويحافظ على تماسك النسيج الوطني للشعب العراقي ، استعداداً لإجراء انتخابات برلمانية جديدة بعد انتهاء فترة الانتقال .
أما الاستمرار على هذه الحال فلن توصل العراق إلا إلى الحرب الأهلية التي ستأتي على الأخضر واليابس، وتحيل البلاد إلى خراب، وتزهق أرواح مئات الألوف أن لم نقل الملايين من المواطنين الأبرياء، وتهجير ملايين أخرى إلى بلدان اللجوء ربما تكون أشد وطأة من الهجرة التي جرت إبان حكم طاغية العصر صدام حسين، وتفريغ البلاد من كفاءاته ومثقفيه، وعلى الشعب العراقي أن يأخذ في حسبانه ما آلت إليه الحرب الأهلية في لبنان التي اشتعلت عام 1975، واستمرت 15 عاماً قاسية، وخربت المدن اللبنانية، وحصدت أرواح مئات الألوف من المواطنين اللبنانيين، وهجرت مئات الألوف الأخرى، ودمرت اقتصاد البلاد، وأغرقته بالديون، ولا شك في أن ما حدث في لبنان سيمثل نزهة لما يمكن أن يحدث في العراق إذا انتشر لهيب الحرب الأهلية، وتدخلت الدول الإقليمية، وفي مقدمتها إيران وسوريا والسعودية وبقية دول الجوار في تسعير
نيرانها.
إن تجارب أنظمة الحكم القائمة على أساس ديني أو طائفي أو عرقي لم تستطع أن تقدم لنا أي أنجاز يستهدف خدمة شعوبها، وتأمين حقوقها الإنسانية وحريتها، وتحقيق الحياة التي تليق بها، بل على العكس من ذلك جلبت لشعوبها العبودية والتخلف، وسلب المواطنين لحقوقهم الإنسانية، والتدخل الفض في أعماق شؤونهم الشخصية، مما شكل اعتداءً صارخاً على حقوق وحريات المواطنين التي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن هيئة الأمم المتحدة عام 1948.
ولنا من نموذج الحكم القائم في إيران والسودان والسعودية ونيجريا، وقبلهم نظام طالبان في أفغانستان خير دليل على الانتهاك الفض لحقوق مواطني هذه البلدان، ومعانات شعوبهم القاسية، حيث تتحكم هذه الأنظمة بكل صغيرة وكبيرة في حياة للمواطنين، تتحكم في مأكلهم وملبسهم وهواياتهم وأفكارهم، ناهيك عن حرمانهم حق المشاركة الحقيقية في الحكم من خلال الانتخابات البرلمانية والدستور، وتتحمل المرآة التي تمثل نصف المجتمع الظلم الأكبر من طغيان حكامهم الذين يعتبرون المرأة عورة، ويغتصبون كامل حقوقها الإنسانية، ويفرضون عليها الحجاب والانكفاء، وخدمة الرجل في البيت ومتعته، وإنجاب الأطفال. وتعاني الأقليات الدينية الأخرى في المجتمعات الإسلامية من تدخل الأنظمة الإسلامية الشمولية في أسلوب حياتهم الخاصة وتقاليدهم الدينية، متجاهلين كون هذه الأقليات تدين بدين آخر لا يفرض عليهم ما يفرضه الدين الإسلامي مما يشكل انتهاكاً خطيراً لحقوقهم وحرياتهم.
ورغم أننا نعيش في مقتبل القرن الحادي والعشرين، وما حدث من تطور وتغيير هائل في كافة مجالات الحياة للمجتمع الإنساني خلال القرن الماضي فإن الأنظمة الدينية الشمولية ما تزال ترفض التطور والتغيير على الرغم من الضغوط التي تمارسها عليهم شعوبهم من جهة، والمجتمع الدولي من جهة أخرى، وتصر على الجمود والتخلف في كافة مجالات الحياة بحجة قدسية الدين وما يفرضه على المسلم من شروط وقيود عفا عليها الزمن، ولا تتفق مع التطور الحاصل في المجتمع البشري.
إن هذه التجارب المحزنة المستقاة من تلك الأنظمة تثير القلق والريبة لدى المواطنين العراقيين من نوايا الأحزاب الدينية العراقية بشقيها الشيعي والسني، ومن محاولة فرض أجندتها المتخلفة عن روح العصر على المجتمع العراقي المتكون من خليط متنوع من الأثنيات والأديان والطوائف، والتي من المستحيل تقبلها، والرضوخ لها.

إن ما يشهده المجتمع العراقي اليوم من تمزق واحتراب بين الطائفتين الشيعية والسنية، والذي قاد الشعب نحو الحرب الأهلية هو نتاج نشوء وتسلط الأحزاب الدينية، وزج الدين بالسياسة، وبالتالي أفسدت هذه الأحزاب الدين من خلال تسخيره لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، وأفسدت السياسة بعد أن اتخذت من الدين وسيلة في العمل السياسي و واستخدمته وسيلة للصراع السياسي القائم في العراق اليوم.

إن الشعب العراقي الذي قاسى الويلات والمصائب من طغيان نظام صدام الدكتاتوري الشمولي يقف اليوم مرعوباً أمام ما يجري على الساحة العراقية من جرائم باسم الدين، وما يجري من صراع بين الأحزاب الدينية من جهة وبينها وبين والأحزاب العلمانية على السلطة، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه فسوف يشكل ذلك كارثة كبرى لن يخرج منها العراق ويتعافى لأمد طويل، ولا شك أن الولايات المتحدة ستتحمل مسؤولية كاملة عما جرى ويجري في العراق من خراب ودمار.