الرئيسية » مقالات » ليلة القبض على العقيد الركن عبد الغني الراوي

ليلة القبض على العقيد الركن عبد الغني الراوي

احداث مهمه وقعت هنا وهناك على طول البلاد وعرضها ، ذات صلة بثورة 14 تموز لسنة 1958 فأما هي صفحه من صفحاتها اوكنتيجه لها ، بعض منها يعرفها العراقيون ، والبعض الاخر لم يعلم بها الا من كان من المتعايشين معها او كان في موضع المسؤوليه ، وان عملية القاء القبض على العقيد الركن عبد الغني محمد سعيد الراوي احدى تلك الاحداث ، ولأهمية الموضوع تاريخيا وبمناسبة مرور خمسين عاما على الثوره المجيده ، ومن منطلق معايشتي احداث تلك الفتره مكانا وزمانا ، ارتأيت ان اكشف للتاريخ هذا الحدث ، وهو احدى الوقائع التي حدثت بموقع البصره في ذلك الزمان ، وسأروي لاحقا غيرها من احداث بالتعاقب .

في 17 تموز سنة 1958 وبعد اعلان الثوره صباح يوم الاثنين المصادف الرابع عشر من تموز من نفس السنه ، وتأسيس جمهورية العراق الاولى ، صدر امر تعيني بمنصب ضابط الركن الثالث حركات في مقر لواء المشاة الخامس عشر ، المرابط في معسكر محمد القاسم في موقع البصره ، والتحقت باليوم الثاني بهذا المنصب . وكان الموقف العام امنيا وعسكريا وسياسيا في وضع خطر وغير مستقر ، سأتي عليه بشكل مختصر قبل الدخول بالموضوع المعني ، لعلاقته بما ساتحدث عنه مبتدءآ بالموقف العسكري اولا



موجود وحدات آمرية موقع البصره وآمرية اللواء الخامس عشر بعيد اعلان الثوره

علمت يوم التحاقي 18 / تموز ان ضباط هذا الموقع بما فيهم آمر اللواء جلهم من المعينين الجدد بمناصبهم ، فقد اؤكل للعقيد عبد المجيد علي آمرية اللواء وآمرية الموقع باعتباره الاقدم رتبة ، بعد ان صدر أمر إحالة الآمر السابق الزعيم الركن احمد يحيى محمد علي على التقاعد ، والذي اصبح وزيرا للداخليه فيما بعد ، واعتكف بداره داخل معسكر المعقل حتى سفره الى بغداد ، كما نقل بامرة الاداره الزعيم الركن محمد الشوك الذي كان يشغل منصب مقدم اللواء ، وعين خلفا له المقدم الركن نجم الدراجي ، كما عين الرئيس الركن صبحي الطعان وكيل ادارة وميره قادما من بغداد هو الاخر ، ونقل العقيد الركن حسن صبري محمد علي آمر الفوج الاول للواء المذكور الى بغداد ، وحل محله معاونه العقيد عبدالرحمن التكريتي ، الذي تولى لاحقا رئاسة المحكمه العسكريه لمحاكمة الشهيد البطل حسن سريع وجماعته ، وإن آمر الفوج الثاني فقد كان بعهدة العقيد الركن ابراهيم فيصل الانصاري ، اما العقيد الركن عبد الغني محمد سعيد الراوي موضوع الحديث كان يشغل آمرية الفوج الثالث ، ومقره في معسكر الشعيبه بقرب من مقرالفوج الاول ، وكذلك كتيبه مدفعيه الميدان الخامسة وآمرها العقيد اسماعيل .. ( نسيت اسم ابيه الذي قًتل من قبل بعض جنود الكتيبه بعد مده من قيام الثوره ) وكان هناك اضافة الى مقرآمرية القاعده الجويه والمطار العسكري الذي يتولاه المقدم محمد ناصر الكسار ، بعض القطعات الملحقه بالموقع مثل سرية مدرعات ، ووحدة الميدان الطبيه وامرها العقيد الطبيب عبد الحميد المؤمن ، كما كان بمقر الموقع العقيد خليل السوس، وفصيل حماية الموقع آمره الملازم جليل الكناني ، وفصيل آلي بآمره الملازم الاول هشام محمود ، وسرية الحراسه امرها المقدم فاضل عساف ، وسرية هندسة ميدان امرها الرئيس الاول شريف خزعل ، مع قوة نهريه مؤلفه من اربعة زوارق ذات الغطس الواطئ راسية على ارصفة ميناء المعقل ، وما يهمني من هذا كله هو بيان جسامة المسؤولية الملقاة على عاتق الموقع وبامرته هذه القطعات ، وكادره المؤلف من عدد قليل من الضابط ، ومن ثم موقعي كفرد ضمن فريق العمل هذا خاصة ، بعد ان انيطت بي مسؤولية امور الاستخبارات العسكريه ، بعد ان جرى نقل ضابط الاستخبارات الرئيس كريم الفريح الى وحدة اخرى ، مما أتاحت لي فرصه الاطلاع على تحركات ونشاط العقيد الركن عبد الغني محمد سعيد الراوي موضوع المقال .


الموقف العسكري والامني في ذلك التاريخ

من المعلوم لدىالجميع ، ان الحكومه البريطانيه والامريكيه ومعها القوى التي تضررت من الثوره داخليا وخارجيا ، فؤجئت واصابها الذهول بقيام الثوره ونجاحها بمؤازرة الجماهير الشعبيه لها بشكل منقطع النظير ! مما حدى بتلك الدولتين ان تنزل قواتها العسكريه الضاربه في كل من الاردن ولبنان بغية التدخل العسكري المباشر لأحباط الثوره . وكان هناك تحرك على الحدود الشرقيه للعراق من قبل القوات الايرانيه الشاهنشاهيه العميلة والعضوة الفاعله في حلف بغداد ، فهذه العوامل كلها وامور اخرى كثيره شكلت معضلة سياسيه وامنية لحكومة الجمهوريه العراقيه الحديثه ، وكذلك زادت من مخاوفنا نحن في موقع البصره واثرت بشكل جذري على نشاطنا وامننا العسكري ، حيث باتت قوة ضاغطه ليست فقط على الحكومه المركزيه في بغداد ، بل على موقع البصره الاستراتيجي ، الذي كان عليه احتواء الوضع الامني والعسكري لمجمل حدود العراق الشرقيه والجنوبيه والغربيه الممتده طويلا الى الالاف من الكيلومترات، والتي تقع حمايتها ضمن مسؤوليته التي هي جزء الاكبر والاهم من مسؤولية الفرقه الاولى ، التي كان مقرها في مدينة الديوانيه ، خاصة حالات التسلل من والى الجانب العراقي ، من حدود السعوديه والكويت وايران ومراقبة المياه الاقليميه من نقطة الادلاء الواقعه في مصب مياه شط العرب في الخليج العربي .

وازاء هذا الموقف الحرج كان على آمرية الموقع ان تضاعف من جهودها وتهيئ الوحدات العسكريه التابعه لها وان تنشط من جهدها الاستخباراتي لكي تكون جاهزه لكل طارئ قد يحدث في اية لحظه .

ففي هذا الوقت العصيب ، كان موقف العقيد الركن عبد الغني الراوي غير منصف وغير متوازن بحق الثوره اطلاقا ، وهو كما ذكرنا يشغل آمرية الفوج الثالث . فمنذ الايام الاولى ، اتخذ موقفا مناهضا لها من خلال اتهام قادتها بالانفراد بالسلطه ، وعدم عدالة توزيع المناصب خاصة بالجيش ، وكثيرا ما كان يترك وحدته ويقوم بالنزول الى البصرة والعشار خلال ساعات الدوام الرسمي ، متجولا متبخترا بشوارعها مشيا على الاقدام يحيط به اربعة من الحراس العسكرين المسلحين اثنان منهم ضباطا

والاخران من ضباط الصف ، والجماهير تصفق له وكأنه عريس في ليلة زفافه او هو القائد المحنك والمنفذ للثوره ، ان هذه التصرفات لم نجد لها تفسير مقنعا حتى اليوم ، اذ كانت تتكرر وعلى مدى الايام الاولى من الثوره رغم تنبيه آمر الموقع له ، حيث ان مثل هذه التحركات الصبيانيه لا تليق به كضابط وبرتية كبيره وقد باتت تثير الضحك والاستهجان ، وعلى نطاق علاقاته مع الاخرين وفي مجالسه الخاصه ، كان شديد التبرم واللوم والانتقاد لقادة الثوره وتوجهاتها ، واصبح موضع تجمع واستقطاب بعض الافراد المناؤين للثوره من داخل المؤسسه العسكريه لا لفهم موضوعي لطبيعة الثوره بل مجرد اثارة عواطف مستندة على معلومات مضلله ولأغراض انانية لصالح من يصدرها ، خاصة بين الضباط من ذوي الرتب الصغيره ، امثال الملازم الاول احمد المعيني الذي اصبح قائد فيلق ايام حكم البعث ، والرائد الركن صبحي الطعان الذي هرب الى سوريا يوم مؤامرة الشواف ، والعقيد عبدالرحمن التكريتي من اشد الحاقدين عليها وغيرهم .

صحيح ان الثوره قامت بتعيين العقيد عبد المجيد علي آمرا لموقع البصره وبذات الوقت آمرا للواء الخامس عشر وهو لم يكن ضابط ركن كما تنص عليه اوامر الجيش ، وان قيادة الثوره لم تعط اهميه للعقيد الركن عبد الغني الراوي وهو عضو في منظمة ضباط الاحرار ، وان احقيته بهذا المنصب وشروط تعينه الشكليه لهذا المنصب كانت متوفره به ، الا اننا نجهل الأسباب ، ربما هناك مآخذ على تصرفاته ومواقفه وصفاته الشخصيه التي نجهلها نحن ، وبالتأكيد يعرفها جيدا قادة الثوره الذين هم زملائه واقرانه ! ، وهذا ما ثبت فيما بعد بالدليل القاطع ، وقد يكون هذا هو السبب الريئسي لتآمر الموما اليه على الثوره الفتيه ! .. ومع ذلك ان هذا الأمر لا يبرَر ابدا حالة التآمر على الجمهوريه وقادتها والذي سأبينه لاحقا .

كان الوضع السائد محرجا اضف اليه تصرفات العقيد الركن عبد الغني الراوي غير المنضبطه هي الاخرى زادت من مخاوفنا واخذت حيزا من اهتماماتنا ، وفي ذات الوقت ، كانت الاخبار التي ترد الينا من امارات الخليج والتي أشارت ان هناك تحركات معاديه و مشبوهه لجهات واشخاص اخذت بالتجمع بالكويت وسلطنة عمان وايران وباقي الامارات ، من امثال الشخص المدعو سلام احمد الذي ورد اسمه مقرونا بالتجمعات القوميه المتطرفه المعادية للثوره والمدعومه من جمهورية مصر العربيه – الرئيس جمال ناصر ، بالاضافة الى عملاء شركات النفط ، وتحركات بعض شيوخ العشائر من الاقطاعيين ، واخص منهم شيوخ آل السعدون في مناطق المدينه والقرنه وشط العرب ، والتصرفات المعاديه المتزايده للقوات الايرانيه خاصة البحريه بالخليج وفي مياه شط العرب، كل هذه الامور تؤكد ان هناك تآمر على وشك الوقوع ضد ثورة تموز .

وفي ظل هذه الاوضاع المتأزمه ، وبدلا من قيام الضباط الآمرين في موقع البصره بواجباتهم المهنيه والألتزام بمسئولياتهم كما تقتضيه الاوامر العسكريه ، انصرف البعض منهم الى العمل السياسي السري ، واخذ يستقطب بعض الضباط خدمة لمصالح وجهات سياسيه او حزبيه داخليه ، تحت شعارات قوميه متطرفه كما ذكرنا اعلاه ، كلها كانت تستهدف الأطاحه بحكومة الزعيم عبدالكريم قاسم الوطنيه ، وكان عبد الغني الراوي قطب من اقطاب هذه التجمعات والمصيبه ان عمر الثوره آنذاك لم يتجاوز بعد الثلاثة اشهر فقط .

صدور امر القاء القبض علىالعقيد الركن عبد الغني الراوي

كانت البلاد بعد الثوره تحت الحكم الاستثنائي والقطعات العسكريه تحت الانذار من الدرجه (ج ) ، الا ان موقع البصره سمح لبعض الضباط من العزاب بالنزول الى بغداد كل اسبوعين ، اعتبارا من يوم الاربعاء بعد انتهاء الدوام الرسمي لزيارة عوائلهم والعودة صباح السبت وكانوا قلة ، وكان العقيد الركن عبد الغني احدهم ، وفي نهاية شهر تشرين الاول من سنة 1958 كان قد نزل الراوي الى بغداد ، وكان هناك خصم ببطاقة السفر بالطائره بعد تزويد الضابط بورقة تعريف من الموقع لأدراة المطار يعني ان للموقع علم بذلك . وفي يوم السبت التالي صباحا وإذا بالعقيد الراوي الذي وصل توآ من بغداد ، يأتي لمقر الموقع بدلا من الذهاب الى وحدته في الشعيبه ، وهو يحمل بيده صورة فوتوغرافيه له بجانب الزعيم عبدالكريم قاسم مذيلة بعبارة الاتي : —

الى اخي العزيز العقيد الركن عبد الغني الراوي مع التقدير

التوقيع الزعيم عبد الكريم قاسم

اخذ الراوي يعرضها علينا الواحد بعد الاخر ، يتنقل بها من غرفة الى اخرى وهو يتباهى بها امام آمر الموقع وباقي ضباط الموقع ، ومن ثم انصرف الى الشعيبه حيث مقر فوجه الثالث كما اسلفنا

تلك الليله كنت الضابط الخفر لمقر الموقع ، وفي الساعه حوالي السادسه صباحا دُقّ باب غرفتي ، فنهضت بالحال واذا بمأمور البداله وبيده برقيه مجفورة

استلمتها منه وكانت كلآتي : —

سري وشخصي وعلى الفور

من القائد العام للقوات المسلحه الزعيم الركن عبد الكريم قاسم الى آمر الموقع العقيد مجيد علي

نص البرقيه

يسفرالعقيد الركن عبد الغني الراوي مخفورا الى بغداد باقرب طائرة تتحرك هذا اليوم

عبد الكريم قاسم

القائد العام للقوات المسلحه

كنت وآمر الموقع نسبق استقراء الكلمه قبل حلها بمفتاح الجفره ، لما نعلمه جيدا من تصرفات هذا الانسان وهكذا ثبت صواب رأيينا .. والان وبهذه اللحظه زاد قلقنا وتساءلنا كيف نلقي القبض على هذا الآمر الحاقد الطائش غير الموزون ، وهو يترأس وحدته التي تبعد عنا بحوالي العشرين كيلومتر ؟ وسط عدد من قطعات الجيش الاخرى ، دون اضطرابات او تمرد يعرض الارواح للخطر جراء اي تصرف غير منضبط ؟ !!

توصلنا اخيرا أن نرسل برقية ندعو بها جميع آمري الوحدات لأجتماع فوري وطارئ ولا نقبل من ينوب عنهم لأي سبب كان ، وبهذه الكيفيه نضمن مجيئ الراوي ، وهنا نكون قد اتخذنا الترتيبات اللازمه للقبض عليه ، وقبل هذا كله ان تُعطى الاوامر لضابط حماية المطار وادارة المطار لتأخير طيران الطائرة الذاهبه الى بغداد حتى اشعار اخر ، وفعلا تمت كل هذه الاجرءآت ، ومن جانبنا أعُطِيّت الآوامر لفصيل حماية اللواء بامرة الملازم جليل الكناني بتوزيع الاعتده على جنود فصيله والاحاطه بمقرالموقع واتخاذ الحماية اللازمه للموقع وضمان حماية افراده ، كما سَلِح ضباط الموقع بالغدارات اضافة الى المسدسات وكنا اربعة ضباط والآمر .

وفي الساعه المعينه وكانت الحادية عشرة صباحا جاء العقيد الركن ابراهيم فيصل الانصاري وكان اول من حضر هو والعقيد خليل السوس ، ومن ثم تتابع حضور الاخرين حتى وصل العقيد الراوي وبرفقته العريف السائق فقط وكان يحمل مسدسا والعريف مسلح بغداره .

وحال وصول الشخص المطلوب احاط ضباط الموقع بالجالسين من الضباط وهم على أهبة الاستعداد يحملون الغدارات وهي (رشاشات قصيره ) ،

أمر آمر الموقع بتوزيع اكواب القهوه على الحاضرين ، وخلال بدأ تناولها تساءل بعضهم عن ماهية الاجتماع ، وفي ظل هذا الجو المتأزم اجاب قائلا ، موجها كلامه للراوي، لقد وصلتنا برقية من القياده العامه تطلبك شخصيا للحضور الى بغداد فارتبك الراوي كثيرا ، واخذ فنجان القهوه الذي يمسك به يرتجف ( يطقطق ) جلب انتباه الحاضرين ، فوضعه على الطاوله ، وافاد قائلا انا البارحه كنت مع الزعيم ، واخذت معه صورة للذكرى فما السبب ؟ اجابه الآمر انه لا يعرف شيئا اكثر مما ورد في البرقيه المستلمه ، وما علينا إلا التنفيذ كما تعلم ، قال عبد الغني ان اموري الشخصيه وحاجاتي ممكن اذهب لجلبها ؟ اجابه الآمر لا اعتقد ذلك وعلينا ان نذهب الان فورا للمطار لتوديعك والطائره متأخره من اجلك .

وساد الاجتماع سكوت مطبق لحظة تبادل هذه الاسئله وبعد لحظه وقف الآمر ووقف الاخرون تأهبا للمغادره ، وفي تلك اللحظه ايضا تقدمت من الراوي وطلبت منه ان ينزع مسدسه ويسلمه لنا فرفض .. فقلت له انك موقوف ومخفور يا سيدي … فقال المسدس بعهتدي وبذمتي ! فتدخل الآمر قائلا اعطنا المسدس وسنسلمه الى العريف السائق بموجب سند وهو يقوم بتسليمه الى مامور المشجب فوافق وانتهى الموضوع .

ركب آمر الموقع سيارته العسكريه من نوع شوفرليت ( استيشن وكن ) وركب الراوي والانصاري والسوس وانا الذي عهد اليّ بايصال الراوي مخفورا الى بغداد ، وحال دخولنا الطائرة تحركت بنا مغادرة ارض المطار بأتجاه بغداد

كانت الطائره تحمل خمسة ركاب فقط غيرنا ، وحال ارتفاعها بالجو طلب مني الراوي ان يقوم بالجلوس بجانب احدهم الذي لا اعرفه فوافقت على ذلك ، ويظهر من خلال تبادل السلام ان له معرفة جيدة به ، وبعد دقائق تحرك وجلس بجانب شخص ثاني من الركاب ، ومن ثم تنقل من مقعد الى اخر ولم تستقر له حال حتى وصولنا مطار المثنى في بغداد .

في طريقنا للخروج طلب مني ان يتصل بعائلته فوافقت على ذلك ، وطلبنا من موظف المطار السماح باستخدام التلفون .

هالو هالو هالو …. لا من مجيب .. !!

ثم طلب رقما ثانيا…. هالو انا عبد الغني واستمر الحديث …..

نعم انا اتكلم من بغداد .. رجعت هذا اليوم .. انا بالمطار حاليا .. ماكو شيئ .. انشاء الله ماكو شيئ لا تقلقوا …

حاولت الاتصال بالباشا ولم انجح .. يظهر هو ما موجود بمقره ..

نعم انا موقوف اتصلوا بالباشا .. راح اروح للدفاع … مع السلامه



ركبنا سيارة التاكسي ووصلنا وزارة الدفاع بالساعه الواحده ظهرا ،وتوجهنا رأسا الى مديرية الاستخبارات العسكريه ، وفي الطريق تلاقينا صدفة وجها بوجه مع المقدم الركن صبحي حميد فتوقف لحظه وسأله عبد الغني قائلا

صبحي ما تعرف ليش انا موقوف ؟

فارتبك صبحي لهذه المفاجئه كما يظهر من تغيير احواله حين سماع الخبر وترك عبدالغني الراوي مسرعا دون جواب .



دخلنا غرفة مدير الاستخبارات العسكرية المقدم رفعت الحاج سري وبعد التحية ، ناولته كتاب تسفير عبد الغني الا انه رده اليّ قائلا هذا الكتاب لا يعود لدائرته ، فبادره الراوي

ما تكُلي ليش انا موقوف ؟ فاجابه لا اعلم !! وهو بحالة من الارتباك والامتعاض وربما الفزع ايضا مرسومه تلك اللحظه على محياه !



صعدنا للطابق الثاني لوزارة الدفاع حيث مقر القيادة العامه ، وولجنا غرفة هيئة ركن القياده فكانت تضم ثلاث من ضباط الركن ، يتصدرهم العقيد الركن عبد الواهب الامين رئيسها ، ناولته الكتاب فاشار الينا قائلا تفضلوا بالجلوس الا ان الراوي بادر عبد الوهاب الامين سائلا –

ما تكُلي ليش انا موقوف ؟

اجابه الامين لا اعرف تفضل استريح …

ولم تمض سوى خمسة دقائق حتى دخل الغرفه العقيد عبد اللطيف الدراجي آمر الكلية العسكرية آنذاك ..

فنهض الراوي من مكانه وسأل الدراجي

باعلى صوته ابو صفوان يا ابو صفوان ما تكُلي ليش انا موقوف ؟

فرد عليه الدراجي بصوت عال وبلهجة حاده اقرب الى النًهر انا مشدريني انا هم موقوف !!

فتدخل عبد الواهب الامين موجها كلامه للدراجي .. ان الزعيم بانتظارك تفضل ..

وبعد دخول الدراجي الى غرفة الزعيم عبد الكريم قاسم ذات الباب المشترك مع غرفة هيئة الركن سَمح لي بالانصراف وسافرت الى البصرة في اليوم التالي عائدا الى مقر عملي



من المؤسف ان الحدث لم ينته عند هذا الحد واستميح القارئ الكريم عذرا لمواصلة ما جرى بعده ……

لم تمض على وقائع هذا الحدث سوى عشرين يوما تقريبا ، وإذا بمكالمه تلفونيه من بغداد وكان المتكلم هو العقيد الركن عبد الغني الراوي وبعد السلام ، اخبرني انه اطلق سراحه وصدر امر نقله من أمرية فوج الثالث لواء الخامس عشر في البصره الى منصب آمر فوج لأحد افواج لواء المشاة الثامن عشر في الحبانيه ، وهو يطلب مني ان ابعث له عفشه وجميع حاجياته على عنوانه بواسطة الانضباط العسكري ، واقوم باخبار مساعد الفوج الملازم الاول غانم… لجمعها ورزمها وايصالها مقر موقعنا .. فقمت بتنفيذ ما طلبه مني وفي اليوم التالي جاءني الملازم الاول غانم .. ومعه حاجيات الراوي ، الا ان غانم قال لي سيدي عند جمع عفش والحاجيات الاخرى العائده لآمر الفوج السابق عثرت صدفة على هذه الوثائق الهامه ، فأرتأيت ان اجلبها لكم ولا احد غيركم يعرف بها …!

فاخذتها منه وكانت مفاجئ لي ولآمر الموقع ، والحقيقه كنا نتوقع من الراوي الكثير من النشاط المعادي بكل اشكاله ضد الثورة وضد اهدافها التحرريه ،

كانت عباره عن صيغة لخطة انقلاب وتمرد عسكري يقوم به عبد الغني الراوي بالبصره بقيادة الفوج الثالث الذي تحت امرته بالتعاون مع بعض الوحدات العسكريه في البصرة ، وان الخطه كانت متكامله ينقصها التنفيذ ، وكانت تحتوي على تفاصيل صفحاتها واهدافها وواجبات القطعات المشتركه بالتنفيذ ، وكذلك على قائمة طويله تضم اسماء رجال وشخصيات عسكرية ومدنيه في مدينة البصره ، لألقاء القبض عليهم احياء او اموآت ، وطبعا كان آمر الموقع عبد المجيد علي وكاتب هذه السطور من بين المطلوبين ، وكذلك جميع اعضاء اللجنة المحليه في البصره للحزب الشيوعي العراقي ، واتذكر بعض الاسماء الواردة من ضمن المستهدفين المحامي نصيف الحجاج وعزيز وطبان والقاضي حميد الحكيم وسلطان ملا علي وحميد بخش وجاسم المطير وحميد السامر ، وكذلك الابرياء من العناصر الديموقراطيه وجميع المتعاطفين مع الثوره في مدينة البصره وغيرهم .

عرضت بدوري خطة الانقلاب على آمر الموقع ، فارتأينا ان نرسلها الى القياده العامه والى الزعيم عبد الكريم قاسم مباشرة وباليد ، وفعلا قمنا بارسالها مع عريف حضيرة الامن الى مقر الزعيم بالذات مع توصيته أن لا يسلمها إلا لمقر الزعيم عبد الكريم قاسم ، وفي اليوم التالي عاد العريف واخبرنا انه قام بتسليمها الى سكرتير الزعيم الشخصي المقدم الركن جاسم كاظم العزاوي شخصيا،

وبعد مرور حوالي اسبوعين فقط تلقيت مخابره من عبد الغني الراوي ثانية ، وهو يتوعد ويهدد ، وسالآقي انا ما لا تحمد عقباه قريبا ، وعند الاستفسار منه ما سبب كل هذا ، قال انت تعرف ما جنيته على نفسك ، و لم يجب على تسآؤلاتي الاخرى ، وانهى المخابره غاضبا منفعلآ شاتما ، عندها ادركت وعلمت فيما بعد ان السكرتير الشخصي للزعيم المقدم الركن جاسم العزاوي لم يسلم خطة التآمر على الثورة الى آمره الزعيم عبد الكريم بل قام بتسليمها الى صاحبها المتآمر العقيد الركن عبد الغني الراوي،

وفي بداية شهر كانون الثاني سنة 1959 اعلنت الحكومه عن احباط محاولة انقلاب يقوم بها الكيلاني ، بالاشتراك مع بعض العناصر المدنيه وبعض الضباط منهم العقيد طاهر يحيى التكريتي مدير الشرطه العام ، والعقيد عبد الطيف الدراجي آمر الكليه العسكريه ، والمقدم رفعت الحاج سري مدير الاستخبارات العسكرية ، والعقيد الركن عبدالغني الراوي آمر الفوج الثالث موضوع مقالتنا هذه ، والزعيم الركن عبد العزيز العقيلي قائد الفرقه الاولى بالديوانيه ، وكانت هناك شكوك تدور حول اشتراك الفريق الركن محمد نجيب الربيعي رئيس مجلس السياده (الباشا ) ضمن القائمين بها وان لم يعلن اسمه

رويت هذه القصة الواقعيه عن العقيد الركن عبد الغني محمد سعيد الراوي طالما هذا الرجل ، جَُبل على التآمر على انظمة الحكم المتتاليه بالعراق ومنذ انبثاق الجمهوريه وحتى يومنا هذا ، وهو المعارض دوما لكل ما هو انساني ومتحضر ، ! انسان اناني انتهازي غريب الاطوار ، ميال الى العنف والذبح ، وكثيرا ما يتبجح بها علنا ويدعي البطوله المزيفه ، فهو الذي اغتال الزعيم عبد الكريم قاسم وصحبه الشهداء الابرار المهداوي وطه الشيخ احمد والحداد بدار الاذاعه ، ونسى وتناسى موقف الزعيم منه كما اسلفنا ( عفا الله عما سلف ) ! وهو الذي اشرف على ارسال قطار الموت بمئات من الضباط والمثقفين الى سجن نقرة السلمان السيئ الصيت ، وهو الذي يطلب المزيد من الابرياء لينفذ فيهم الاعدام بالسجون دون ذنب اوادانه ، كل ذلك كان كما يدعي زورا باسم الدين والتدين مع الاسف الشديد ، وهو منها على طرفي نقيض ، ولمن يريد المزيد من التعرف عن هذا الشخص القاتل مع سبق الاصرار، فليرجع للأنترنيت ( كوكل ) ويقرأ ما قام به من افعال عدائيه تآمريه بحق الوطن والشعب العراقي المجيد .

ضابط متقاعد من ذاك الزمان

الخميسي

تموز / 2008