الرئيسية » مقالات » رؤية البعث والرئيس الراحل حافظ الأسد في المسالة الكردستانية ( ح 6 والاخيرة )

رؤية البعث والرئيس الراحل حافظ الأسد في المسالة الكردستانية ( ح 6 والاخيرة )

يقول الكاتب أن رؤية البعث تطورت وفق توجهاته السياسية والإستراتيجية التي تطلبتها كل مرحلة بدءا من دستور الحزب حيث ورد في المبدأ الثالث منه توضيح حول منح حق المواطنة للاثنيات التي تعيش على الأراضي العربية بشرط قبولها بالانتماء إلى العروبة , قد تصلح هذه المعالجة للمجموعات الصغيرة التي هاجرت مواطنها الأصلية إلى بلاد العرب ولكنها لا تصلح للشعب الكردي لأنه ليس اثنيه أو أقلية مهاجرة بل قومية تمتلك مقومات الأمة تقيم على أراضيها ولهم فيها كافة الحقوق القومية والسياسية والإنسانية ولا يجوز فرض سياسة الصهر القومي عليها. ثم جاء مؤتمر أثينا للأحزاب القومية والاشتراكية 1957 حيث وزع منشور يشرح المسألة الكردية فعلق ممثل البعث ميشيل عفلق عليه بان الأمة العربية تنظر بمنظور إنساني إلى القوميات المظلومة ولا يمكنها إن تظلم القوميات الأخرى !؟ وبعد حركة الشواف 8 آذار 1959 أدان البعث تحالف الأكراد مع عبد الكريم قاسم ضد البعثيين في الموصل واعتبر حكم قاسم شعوبيا وفي 1961 قامت ثورة البارزاني فاعتبرها البعث حركة مشبوهة واتهم السلطة بالتهاون في معالجتها وبعد حركة 8 شباط 1963 استولى البعث على السلطة في العراق فأصدر بيانا يعترف فيه بالحقوق القومية للأكراد على أساس اللامركزية وفي حركة 23 شباط 1966 سقطت قيادة ميشيل عفلق اليمينية للبعث فأعلن بأن حل المسألة الكردية يتم بالوسائل العلمية ضمن العراق الموحد وان الحكم القائم معاد للشعب ورجعي فدعا في مؤتمره التاسع إلى معالجة مشكلة التمرد في الشمال ورفض بيان رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز حول المسالة كونه مبني على أسس عرقية – انفصالية وبعد انقلاب 17 تموز 1968 استولى البعث اليميني الفاشي على الحكم في العراق فاصدر الجناح الآخر من البعث قيادة قطر العراق بيان 3 شباط 1969 حيث اختفت منه مفردات التمرد والانفصال التي كانت متداولة في أدبيات البعث في الإشارة إلى المسالة الكردية وورد فيه إن القضية الكردية تفاقمت وان القوى الامبريالية تزج بالعراق في صراع دموي يكلف العرب والأكراد ضحايا كثيرة ويهدر أموال كان عليها إن توظف في تحسين معيشة السكان الذين يعانون من تردي الوضع السياسي والاقتصادي والمعاشي ومن الاضطهاد وانعدام الديمقراطية وتعسف الدكتاتورية وان تمسك الأكراد بالوحدة الوطنية ركن أساس لدحر المخطط الاستعماري – الرجعي هذه المعطيات والمطامح المشروعة للعرب والأكراد تشكل أرضية لإنهاء الصراع والعمل لعراق ديمقراطي يضمن المساواة في الحقوق لجميع المواطنين لذلك يجب منح الأكراد نظام لا مركزي وإشراكهم في الحكم وجعل الكردية لغة رسمية وتدريسها في المرحلة الابتدائية والثانوية , في 1969 ندد البعث بالحرب التي تشنها السلطة على الشمال وكذلك اتهمها بتغذية الصراع الكردي – الكردي واصفا النظام بالشوفيني – العنصري .
قيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد للبعث والنظرة العلمية إلى القضية الكردية يذكر ز. س إن الانعطاف الأكبر للمراحل النظرية والسياسية في مسيرة البعث تجلت في قيادة الرئيس حافظ الأسد الواقعية – العلمية وتوجهاته السياسية والإيديولوجية وممارسته الفكرية لكافة القضايا ليبعد الحزب عن الممارسات الشوفينية ومناورات اليمين واليسار, بهذا التحليل العلمي والأفق النظري الشمولي والمعالجة المتأنية لكل أطراف المشكلة ووضع الحلول لها تمت دراسة القضية الكردية التي احتلت مركزا متقدما من اهتمامات قيادة الحزب , في هذا المناخ جاء المؤتمر القومي الحادي عشر للبعث كنقلة نوعية في الاتجاه الصحيح نحو حل المسالة الكردية حيث افرد جانبا من مداولاته لهذه المسألة وجاء بخصوصها إن مواقفنا السابقة كانت ردود أفعال إزاء اخطر قضية تواجهنا دون التسلح بالتحليل العلمي وقد تجاهلت القيادات القضية الكردية من حيث تحديد طبيعتها وأسبابها وتطورها وعلاقتها بقضيتنا القومية وتأثرها بالصراع الدولي ومكانها منه وموقف الحزب منها , وان تطبيق منهج علمي في حلها يقضي على العقبات التي تعرقل تلاقي القوى التقدمية وان التباطؤ في الحل يؤثر في مواقف فروع الحزب فتكون متناقضة ولذلك لا بد من حل يراعي وحدة الوطن العربي والعراق – القومية الكردية ظاهرة حقيقية وتاريخية وهي لا تناقض نظرة البعث – الاستفادة من تجارب الشعوب التقدمية في حل المسالة القومية – وضوح موقف الحزب من القضية الكردية يضمن دعم الجماهير الكردية لسياسته – أفضل صيغة تحقق مصالح الأكراد هي الحكم الذاتي ضمن العراق الموحد يمكنهم من الاستقلال في تسيير شؤونهم الإدارية والثقافية والاجتماعية .
من ينظر في مقترحات الحلول هذه يحتار ويرتبك ويتساءل هل هي فعلا مقدمة من حزب البعث لأن هناك بون شاسع بينها وبين سياسة البعث العملية تجاه المسالة الكردية, فهل كانت الحلول نابعة عن دراسة وقناعة أم كانت تكتيكات مرحلية حيث يتنافس جناحا البعث على كسب الورقة الكردية , لقد قدم البعث أثناء قيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد مشروع حل جدي على أساس الحكم الذاتي لكردستان الجنوب وفي تلك المرحلة فان هذه الصيغة كانت تلبي مطالب الحركة الكردية ولكن في ميدان الممارسة لم يتحقق شيء حيث تعرض الشعب الكردي لأشد الممارسات التمييزية ولم يسعفهم أي جناح من البعث , حيث نجد صعوبة في تفسير عدم ترجمة الحل على ارض الواقع .
وهذا لا يفقد المشروع أهميته وقيمته فهو تراث فكري متكامل يمكن العودة إليه كحل عصري للمسالة الكردية في سوريا باعتباره مشروع وطني مقدم من ابرز قائد عرفه البعث واكبر رئيس عرفته سوريا المفروض إن يكون قاسم مشترك تلتقي عليه السلطة والحركة الكردية فالشعب الكردي داخل سوريا وخارجها ما زال يكن عواطف الأبوة للرئيس الراحل رغم انه لم ينقذ أبنائه من سياسة القهر والحرمان ولكن مقارنة بغيره كان الرئيس الأكثر عطفا على القومية الكردية , ربما كلامنا هذا يزعج بعض المعارضين للسلطة ولكن هذه هي الحقيقة فيما لو نظرنا إلى الأمور بروية بعيدا عن الاحتقانات والتوترات السائدة وردات الفعل المتشنجة التي تتحكم بطرفي المسالة , إن استخلاص الحل من المشروع السابق ينهي أهم واخطر مشكلة تواجه البلاد وكلما تأخر الحل وازدادت الممارسات الخاطئة كلما تفاقمت المسالة واتسعت واتجهت للظروف الموضوعية المحيطة إلى التفاعل مع العامل الإقليمي والدولي , وبدل إن تكون المسالة الكردية عبء على السلطة فان حلها يجعل الأكراد عونا لها في مواجهة التحديات الداخلية والتفاعلات الإقليمية والأخطار الخارجية , على القيادات الكردية قراءة مشروع البعث آنذاك والتسلح به لتطالب السلطة بتطبيقه على انه ( كلمة سواء ) بين الطرفين فهو مشروع وطني لحل المسالة الكردية المفروض إن يكون موضع ترحيب السلطة لأنه لم يأتي من الخارج أو من المعارضة أو من الحركة الكردية بل هو مشروع البعث نفسه , فهل يبادر جميع الفرقاء إلى تطويره من اجل إغلاق ملفات المسالة الكردية في البلاد ما يضمن للدولة وضع مواطنيها الأكراد تحت جناحيها بعد إنهاء الممارسات التصعيدية التمييزية القاسية بحقهم والاعتراف بحقوقهم المشروعة , ليتم التخلص من التشنجات والحساسيات التي سادت في السنوات الأخيرة وشكلت ضغطا عظيما على التراكمات التي ورثتها السلطة من مراحل سابقة حيث تحولت في مواقف عدة إلى مواجهات مؤذية لم يستفد منها غير أعداء سوريا ولم يخسر فيها غير السوريين دولة وشعب وسلطة , لقد بينت الأحداث إن المسالة الكردية عصية على مشاريع التصفية فمتى تعود الحكومات إلى جادة الصواب لتضع حدا لهذه المآسي التي تكلف القومية الغالبة والمغلوبة ضحايا وخسائر كبيرة دون طائل لأنه في نهاية المطاف ومهما طال الزمن ستجد العواصم أنها مرغمة على إيجاد حل للمسالة الكردية فلماذا يطيلون معاناة دولهم وشعوبهم وأكرادهم ويهدرون الأموال والدماء عبثا في صراع ليس فيه منتصر , إن الحكومة الرشيدة هي التي تبادر إلى معالجة الملف الكردي لديها ليس لسواد عيون الأكراد بل لمصالح وطنية عليا ومصلحة الدولة والسلطة , فخصوصية المسألة الكردستانية تعطيها ميزة فريدة غير متوفرة في القضايا الدولية الأخرى فهي بحكم طبيعتها وواقعها سريعة وشديدة التفاعل مع المستجدات في المنطقة والعالم حيث لا يمكن حصرها كمشكلة محلية داخل الدولة المعنية بل هي بتعقيداتها وتشابكاتها قضية عالمية تتأثر وتؤثر بمجريات الأحداث وفي صناع القرار وفق جدلية رهيبة تخلق توازنات بين دول السيطرة وبين حركة التحرر الكردية , إن مصالح الدول الكبرى لا تسمح لعواصم السيطرة بالتمادي في مشاريع تصفية الأكراد ولا تسمح للأكراد بالسير نحو تحقيق آمالهم المشروعة , بل هي تدير اللعبة من كلا الطرفين وفق مصالحها وبذلك فان للدول الكبرى تدخل مباشر وقوي في القضية الكردستانية وقد حدث تطور نوعي لهذا التدخل لصالح الأكراد مع نهايات القرن الماضي , فحتى يتم وضع حد للتدخل الدولي على الدول المعنية تقديم الحل الوطني تفاديا لأية مفاجئات تقود ملفات المسالة الكردية هنا أو هناك إلى التدويل علما إن التدويل يزيد من فرص الطرف الكردي في تحقيق منجزات أفضل ونيل المزيد من الحقوق , فالحرص على الدولة وسلامتها وعلى أكرادها يتطلب حل وطني سريع وعادل وبالنسبة لسوريا الحل متوفر ولكن العبرة في توفر الإرادة السياسية .