الرئيسية » مقالات » تصدع حصن (القدسية الدينية) المزعومة…فتمترسوا بالعشيرة . !!

تصدع حصن (القدسية الدينية) المزعومة…فتمترسوا بالعشيرة . !!

إن العشيرة كوحدة إجتماعية وسياسية ، شكل ظهورها في مرحلة مبكرة من مسار حركة تطور المجتمع الإنساني ، ضرورة موضوعية لتنظيم العلائق الإقتصادية والإجتماعية البدائيه الناشئة بين أفرادها ، اللذين منحوها ولآءآ مطلقآ حتى إتسع دورها ونفوذها ، الى الحد الذي لم تعد فيه قادرة على إستيعاب وتنظيم المخرجات المادية والثقافية لعمليات الإنتاج والتبادل السلعي داخل وخارج حدود بيئة العشيرة ، وتناقظت المصالح الإقتصادية بين أفرادها وتقاسمت ولآءآتهم هيئات ونظم مختلفة، وتشابكت المصالح بينها وبين العشائر المحيطة بها ، حتى أفضت الى نشوب صراعات وإنتهاكات مؤلمة وحزينة أرست أسس الحاجة الى شكل أرقى للتنظيم بين هذه التكوينات والنظم الإجتماعية ، تجلى هذا الشكل في نشؤ الدولة – كعقد إجتماعي تنازل فيه الأفراد عن بعض من حرياتهم لها – لقاء القيام بواجباتها في تنظيم العلاقات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية بين رعاياها ، وحماية مصالحهم وأمنهم ، وتطورت الدولة هي إلأخرى ، حتى بلغت أشكالآ راقية وقائمة على مبادئ الإدارة الديمقراطية لظمان المساواة والعدالةالنسبية ، وهي مازالت متجه صوب أشكال إدارية أرقى لتستجيب الى شروط موضوعية سيكون الزمن القادم كفيل بتحديد ملامحها ،
ولذا فإن الدعوات ، التي يطلقها السيد رئيس الوزراء والتي تحظى بمباركة أحزاب الإسلام السياسي من الطائفتين ، بإنشاء مجالس محلية للعشائر ومن ثم مجلس أعلى في العاصمة ،لا تتسم ببعد إستراتيجي تقدميآ ، بل أنها دالة على النهج الرجعي لهذه القوى ، وعدم قدرتها على مغادرة عوالم الماضي المتخلف إداريآ لكونها تدين بالولاء للمدارس التجريبية وتخشى المبادرات الجديدة. ولأن أدواة تحليل الظواهر الإقتصادية والإجتماعية عندها لتخمين مديات تطورهذه الظواهر بسيطة وبدائية ، مما أوقع هذه الأحزاب في مهلكة السلوك الإزدواجي متمثلآ بتناقض البعد الأديولوجي بشقه النظري مع الفعل العملي ، الذي تفرضه عليها مقتضيات النشاط الحكومي في بيئة جيوسياسية مظطربة ،وتدفعها مصالحها الأنانية الضيقة لتنهج الإنتهازية والخداع – وأخطره خداع النفس – إسلوبآ لحشد الفقراء وراؤها ، لظمان خلق توازن اديولوجي موهوم ، سرعان ما يتكشف عن خيبه أمل كبيرة ،تطيح بأحلام وتطلعات الجماهيرالغفيرة من الكادحين المؤيديين لها .
وبناءآ على ما تقدم فإن إهدار المال العام لتأطير العشائر في مجالس مقترحة ، وإعادة الحياة لهياكل تنظيمية بالية ، بزعم مساهمتها في أستقرار العراق وإعادة بناءه ، يعد ضرب من الوهم الزائف وشكلآ من أشكال الفساد المالي ، فظلآ عن كونه لا يستقيم مع الدعوة لإحترام الدولة والتقيد بقوانينها ، حيث أن العشيرة بكل مستويات هيكلها التنظيمي ، لا توجد فيها أقسام مسوؤلة عن تطوير الصناعات البتروكيمياوية ، أو إنتاج الكهرباء من أستخدام الطاقة النووية أوتيارات مياه البحار ، وإنما تنحصر مهامها في الغالب – وعند غياب الدولة – بحل النزاعات القبلية ، وبطرق ظالمة في أحيان كثيرة وليس أدل على ذلك من مظاهر الإذلال للمرأة ، المعطاة كتعويض لإهالي ضحايا النزاعات ، والتي يطلق عليها الناس “ بالفصلية ”
ولعمري إن الدعوة لإحياء العشيرة ودورها ليس له ألا بعد واحد في أيام الإنتخابات هذه ، ألا وهو ، أن أحزاب الإسلام السياسي التي تخندقت خلف حصن “ القدسية الدينية ” المزعومة شعرت بتصدعه وأمكانية إنكشاف أمرها ، بفعل فشلها الذريع في إدارة الدولة ، لذا قفزت الى حصن العشيرة ، لتتمترس وراءه ، وهو الذي بكل تأكيد لم تزكي الحياة قدرته على الصمود ومن ثم حمايتها ، أمام تصاعد وعي الجماهير التواقة الى التقدم والإزدهار ، وليس هناك من تجربة إنسانية معاصرة لا في الشرق ولا في الغرب أكدت عكس ذلك .