الرئيسية » مقالات » المثقف العراقي وازمة الموقف الحلقة الثالثة والاخيرة

المثقف العراقي وازمة الموقف الحلقة الثالثة والاخيرة

من وجهة نظري، ان اهم مقوّمات المثقف المؤثر، ان يكون ابن بيئته، بمعنى آخر ان يحاول فهم الواقع الذي يعيش فيه افضل ما يمكن، ليكون قادراً على التغيير والتأثير فيه بايجابية .. فالمثقف ليس هو مَن تعلّم ثقافة عصره، وجمد على اصولها، بل هو ذاك الذي يحاول ان يسبق تفكير عصره الى ما فيه رفاهية وتقدّم مجتمعه وبيئته، كي يكون خير مصداق للمثقف العضوي حسب تعبير (غرامشي).
من هنا كانت الضرورة ان يعيش المثقف هموم واقعه، لا ان يعيش في وادي بعيد عن ذلك الواقع الذي يريد التأثير فيه .. فالثقافة لا تعني بالضرورة معارضة الواقع قسراً، لمجرّد ان هذا الواقع لم يعد مُستساغاً لدى بعضهم وفقاً لاعتبارات طائفية او قومية او عشائرية، والاّ ما هو الفرق بين المثقف والانسان البسيط، ان كان التفكير ينبع من مواقف مسبقة غير حيادية بالمرة.

باعتقادي ان مراهق (نعومي كامبل) وعدداً آخراً من نفس فصيلته، لم يحسنوا توظيف ثقافتهم، التي لا ننكرها عليهم، في خدمة مجتمع ٍ مزّقته الطائفية وحرقته نيران (جهاد) الاعراب، كمجتمع العراق، فلم تكن اشعارهم او نتاجاتهم الادبية سوى استفزازاً لمشاعر كتل بشرية هائلة، آمنت بالتغيير ودخلت نسق العراق الجديد، لا لشيء الاّ لانهم عرفوا بأن الشعر والادب لا يُسقط الدكتاتوريات، بل قوة عظمى كأمريكا ومعها صبر شعب ٍ كامل ٍ سُلبت حقوقه على مرأى عينه ومسمع اذنه، وحدها تستطيع تحقيق هذا الحلم المنشود مثلما عملت فعلا ً.

هل تستحق تلك البساطة في التفكير ان تحاكم؟ ومن يُحاكمها؟ شعرٌ ام نثر، لا يُقدّم ولا يؤخّر سوى تسمية الاشياء بالمقلوب؟ مقال يُسمّي رئيس الوزراء (بالمملوكي)، هل يستطع ان يُؤمّن لي ابسط مقوّمات معيشتي اليومية!!

رجلٌ اشعث الشعر، جالسٌ خلف حاسوبه في عاصمة اوربية جميلة ومشاركة في (احتلال) بغداد، ليس له هم، سوى التنظير بقوالب الثلج عن مستقبل (الثقافة) في بلده العراق حسبما يدّعي، بل لم ينفك عن الدفاع عن ثقافة الازمنة المنصرمة في مواجهة الواقع الجديد، تحت ذريعة رفض الاحتلال، مستعيراً خطابات الاستهلاك المحلي التي تطايرت شراراتها، حتى اصابت مَن هم عبروا البحار بفعل (ظلم) الانظمة السابقة حسب ادعائهم.

كان المفروض من هؤلاء المثقفين ان يكون لهم موقفاً موازياً لموقف شعبهم الذي اختار الحياة فعلا ً وانتصر لحريته اليوم .. موقفاً سيسألهم عنه التاريخ يوماً .. موقفاً يحاكي تضحيات اخوانهم واصدقائهم وابناء عمومتهم، بعيداً عن الطائفية والفئوية، ولا يبغون فيه، الاّ وجه العراق الاشم وثقافته الخالدة، كي تكون كلمتهم عاملا ً مساعداً في استقرار البلد وازدهاره.