الرئيسية » مقالات » نقاشات فكرية وسياسية مع الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية والأستاذ الراحل كامل الجادرجي 6

نقاشات فكرية وسياسية مع الدكتور فاضل ألجلبي حول أحداث العراق التاريخية والأستاذ الراحل كامل الجادرجي 6


انقلاب العقداء الأربعة وموقف الجلبي منه

كتب السيد نضال الليثي في استعراضه لمحاضرة الدكتور فاضل الجلبي التي قدمها في العام 2002 والذي نشره في جريدة الزمان اللندنية ما يلي: “ورصد المحاضر حركة أيار (مايو) حركة وطنية ورطت نفسها باللجوء للجيش والدخول في معركة خاسرة مع بريطانيا أدت إلى احتلال العراق مجدداً” . فهل كان لانقلاب الذي قاده العقداء الأربعة انقلاباً وطنياً أم كان قومياً شوفينيا مع نزعة فاشية؟ وهل تورطت الحركة القومية حينذاك باللجوء للجيش , أم أن التحرك بالأساس كان عسكرياً؟ دعونا نتحرى عن طبيعة حركة أيار/مايو وعواقبها والموقف المناسب , كما أرى منها.
كان القوميون العرب في النصف الثاني من العقد الرابع من القرن العشرين في بداية نشاطهم القومي وكانوا ينتظمون بطريقة ما في نادي المثنى الثقافي لإلقاء المحاضرات الفكرية والسياسية وتعبئة الناس حول أفكار وسياسات النادي , ولكن بعضهم كان يتحرى عن فرصة مناسبة لتشكيل تنظيم حزبي سري أو علني يساعد على تحقيق الأهداف التي كان هذا البعض يسعى إليها. راودت هذه الفكرة أذهان العسكريين الذين قادوا الحركة ونفذوا انقلاب أيار مايو 1941 فيما بعد , وخاصة صلاح الدين الصباغ , ويونس السبعاوي ومحمد حسن سلمان منذ العام 1937, علما بأن السبعاوي كان قد قام قبل ذاك بترجمة ونشر كتاب أدولف هتلر الموسوم “كفاحي” إلى العربية منذ العام 1933 إعجاباً وتيمناً بشخصية هتلر وفكره وحزبه وشعاراته . وتكرست هذه الرغبة أكثر فأكثر منذ مجيء الحاج محمد أمين الحسيني , مفتي الديار الفلسطينية , ومعه مجموعة من الفلسطينيين الذين أجبروا على أو اختاروا مغادرة فلسطين , إلى بغداد. وتحت تأثيره ودوره المباشر اتخذت حركة القوميين العرب مساراً جديداً بعدة اتجاهات أساسية , وهي:
1. تشكيل لجنة التعاون بين البلاد العربية التي ضمت “رشيد عالي الگيلاني وناجي شوكت وناجي السويدي ويونس السبعاوي والعقداء الأربعة والعقيد إسماعيل حقي من العراق , وشكري القوتلي وعادل أرسلان وزكي الخطيب من سورية , ويوسف ياسين وخالد الهود من العربية السعودية” . وهي لجنة علنية اعتبرت قاعدة لنشاطها العلني بين الأوساط العراقية ولتعزيز تحركها الشرعي على الأقطار العربية الأخرى.
2. تأمين غطاء حزبي سري ينظم ويوجه العملية السياسية في العراق لصالح أهداف الجماعة. وفي ضوء ذلك تقرر في شهر شباط/فبراير من العام 1941 , وقبل تسلم رئاسة الوزارة من قبل رشيد عالي الگيلاني , تشكيل حزب سياسي سري باسم “حزب الشعب” كما منح كل عضو في هذا الحزب اسماً حزبياً سرياً . وأعطيت القيادة لمفتي الديار الفلسطينية الحاج محمد أمين الحسيني , واسمه الحزبي (مصطفى) , كما كان في عضويته كل من رشيد عالي الگيلاني , واسمه الحزبي (عبد العزيز) , وصلاح الدين الصباغ , واسمه الحزبي (رضوان) , ويونس السبعاوي , واسمه الحزبي (فرهود) , وفهمي سعيد , واسمه الحزبي (نجم) , ومحمود سلمان , واسمه الحزبي (فارس) ,وناجي شوكت , واسمه الحزبي (أحمد) .
في الأول من شباط/فبراير 1941 بدأت من الناحية الفعلية الحركة الانقلابية للقوى القومية بقيادة العقداء الأربعة والتنظيم الحزبي السري , بعد أن انتشرت قوات عسكرية في بغداد “واحتلت دوائر البرق والبريد والتلفون , ومسكت بعض مداخل الطرق العامة واتخذت التدابير لصيانة الجسور والمعابر , ومحافظة سائر المرافق” . كما توجه العقيد فهمي سعيد إلى دار العميد الهاشمي ومعه وكيل رئيس أركان الجيش محمد أمين زكي لإبلاغه قرار العقداء الأربعة بضرورة استقالته وتكليف رشيد عالي الگيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة. اضطر طه الهاشمي على كتابة رسالة استقالة تقدم إلى الوصي عبد الإله تسلمها منه فهمي سعيد , الذي غادر بعدها دار الهاشمي. إن هذا الكتاب الذي أخذ عنوة من الهاشمي اعتبر في واقع الأمر بداية عملية الانقلاب التي استغرقت الفترة اللاحقة.
بادر العقداء الأربعة , وبالتنسيق الكامل مع التنظيم السري , إلى الاجتماع والاتفاق على ثلاث نقاط أساسية هي:
“(1) تشكيل مجلس للدفاع الوطني ينظر في شؤون المملكة طيلة غيبة الوصي.
(2) النظر في أمر الوصي إذا رفض الرجوع عن غيه وبقى مصراً على وضعه المخزي في أحضان الإنكليز في معسكر الحبانية.
(3) توقيف صالح جبر وجلبه إلى بغداد , وفصل تحسين علي , وتوقيف محسن أبو طبيخ ورايح العطية وجلب الأول إلى بغداد , وإبعاد الشريف فواز والشريف حسين إلى شرقي الأردن لأنهما جاسوسان للإنكليز في البلاط. وفصل باقر سر كشك مدير التشريفات في البلاط لأنه منافق يدعو للإقليمية العراقية ولا يحمل عقيدة عربية , وتعيين نوري بن سعيد سفيراً للعراق في أمريكا , وإسناد وظائف مماثلة خارج العراق لكل من جميل وجودت , وإبعاد جلال بابان خطيب الإنكليز في المجلس” .
لقد نشأ وضع غريب في البلاد. فمن جهة لم تسقط وزارة الهاشمي وبقيت تمارس عملها الروتيني , في حين أخذ مجلس الدفاع الوطني يمارس عملاً في إطار اللاشرعية , ولكنه كان يسعى إلى تثبيت أوضاعه لتمكين قيام وزارة برئاسة الگيلاني. واتخذ المجلس جملة من القرارات التي تضعف الوزارة القائمة وتمنعها عملياً من ممارسة عملها وقيام المجلس بأداء مهمات الوزارة. ونشير فيما يلي إلى أبرز تلك القرارات:
 المحافظة على المعاهدة العراقية – البريطانية والابتعاد عن استفزاز بريطانيا.
 الإبقاء على وزارة الهاشمي فترة أخرى ليتسنى نضوج اتجاه معين في الأوضاع يخدم أغراض القوى القومية.
 الامتناع عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا , وعند إصرار البريطانيين على ذلك يفترض أن يعرض الموقف على مجلس نيابي يتمتع بالحرية لاتخاذ القرار المناسب.
 تأمين إمكانية حل المجلس النيابي وإجراء انتخابات حرة ونزيهة للتخلص من أعوان الاستعمار البريطاني.
 التخلص من نوري السعيد وجميل المدفعي وعلى جودة الأيوبي بتعيينهم سفراء في بلدان أخرى.
 تحديد صلاحيات الوصي على العرش في الدستور العراقي لكي يبقى مصون غير مسؤول.
 التحري عن أسلوب لتحسين العلاقة بين الوصي على العرش وقادة الجيش الأربعة.
 عند فشل طه الهاشمي بتحقيق هذه المهمات يطلب منه تقديم الاستقالة.
 في حالة الاستقالة يكلف رشيد عالي الگيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة.
 في حالة إجراء انتخابات حرة ونزيهة يتعهد الجيش بعدم التدخل في شؤون الحكومة.
كانت النتيجة واضحة , إذ كان الوصي على العرش يبذل جهوداً حثيثة لعقد اجتماع لمجلس الوزراء في البصرة , إذ اعتبر ذلك انقلاباً , في حين كان مجلس الإنقاذ الوطني يعرقل وصول الوزراء إلى البصرة , وبالتالي وجد طه الهاشمي نفسه أمام حل واحد لا غير هو الاستقالة من رئاسة الوزارة ليتخلص من:
• ضغط الإنكليز عليه ليمارس السياسة التي تشترطها معاهدة 1930 في حالة دخول بريطانيا في حرب ضد دولة ثالثة.
• ضغط الوصي عليه ليرفض شروط العقداء الأربعة والبقاء بالحكم والتوجه إلى البصرة لعقد اجتماع لمجلس الوزراء بحضور الوصي.
• ضغط العقداء الأربعة في الدعوة إلى حل المجلس وعدم الاستجابة لمطالب بريطانيا العشر من والبلاط الملكي.
أمام وجود حكومتين عملياً وجد مجلس الدفاع الوطني نفسه أمام حل واحد هو دعوة مجلس النواب إلى الانعقاد واتخاذ قرار باستقالة وزارة الهاشمي وتشكيل وزارة جديدة برئاسة رئيس مجل الدفاع الوطني. إلا أن الوصي رفض هذه الدعوة باعتبارها غير شرعية. ومع ذلك عقد مجلس الأمة اجتماعه واستمع إلى خطاب رشيد عالي الگيلاني وآخر لناجي السويدي ثم خرج بقرار واحد هو:
• إلغاء وصاية عبد الإله على العرش وإسنادها إلى الشريف شرف. وتم ذلك بالإجماع.
ثم جرى الاتفاق على مسألتين هما:
• الموافقة على استقالة وزارة طه الهاشمي.
• الموافقة على تشكيل وزارة جديدة
وبعد اجتماع مجلس الأمة بادر الشريف شرف بتوجيه رسالة إلى رشيد على الگيلاني لتشكيل الوزارة الجديدة . وبهذا اعتبر الانقلاب قد تحقق فعلاً , ولكن الأزمة لم تنته بل تفاقمت واشتد أوراها وتكثفت الجهود لحسم الصراع إلى أحد الطرفين. وفي الثاني عشر من شهر نيسان/أبريل عام 1941 شكل رشيد عالي الگيلاني وزارته الرابعة , حيث قررت قيادة التنظيم الحزبي السري للحركة القومية أسماء الوزراء والحقائب الوزارية التي يشغلونها , وكانت على النحو الآتي:
رشيد عالي الگيلاني رئيس الوزراء ووزير الداخلية بالوكالة
ناجي السويدي وزيراً للمالية
ناجي شوكت وزيراً للدفاع
موسى الشابندر وزيراً للخارجية
علي محمود الشيخ علي وزيراً للعدل
محمد علي محمود وزيراً للأشغال والمواصلات
محمد يونس السبعاوي وزيراً للاقتصاد
رؤوف البحراني وزيراً للشؤون الاجتماعية
محمد حسن سلمان وزيراً للمعارف” .
استقبل العراقيون تشكيل الوزارة الجديدة بارتياح كبير , إذ وصلت إلى بغداد وفود كثيرة من مختلف الألوية للتهنئة بمناسبة نجاح الانقلاب العسكري , كما وردت مجموعة من برقيات التهنئة من شخصيات سياسية واجتماعية وأدبية , إضافة إلى هيئات وجماعات وأحزاب سياسية مؤيدة للخطوات التي اتخذتها الحكومة والتي تحتاج إلى تأييد ومساندة .
وارتبطت هذه الفرحة الكبيرة بمجموعة من العوامل المهمة , التي لم تستطع الحكومة البريطانية استيعابها أو القبول بها والتحري عن أساليب أخرى للتعامل مع العراق , ونعني بها:
• رفض العراقيون منذ البدء الوجود البريطاني الاستعماري في العراق , كما رفضوا المعاهدة التي فرضت عليهم في العام 1930 , واعتبروا هذا الانقلاب بمثابة الخطوة الأولى على طريق الخلاص من الإنكليز والمعاهدة في آن واحد.
• رغب العراقيون التخلص من عبد الإله , الوصي على العرش , الذي لم يكن محبوباً عند العراقيين , إذ اعتبروه متآمراً بارزا مع الآخرين في قتل الملك غازي الذي حظي بحب العراقيين , وشخصية مؤمنة بفضل الإنكليز على عائلته.
• الكره الشديد عند الغالبية العظمى من العراقيين لنوري السعيد وجميل المدفعي وغيرهما من الساسة الذين هربوا إلى خارج بغداد أو إلى خارج العراق , باعتبارهم من أعوان بريطانيا المقربين.
• الحلم بالحصول على الحرية والديمقراطية والتمتع بثروات العراق وضمان الاستقلال والسيادة الوطنية.
أبدت الحكومة البريطانية امتعاضها الشديد من الانقلاب الذي قامت به القيادة العسكرية في بغداد وعزل الوصي على العرش , وقررت اتخاذ التدابير الضرورية لإحباطه من خلال إرسال قوات هندية وبريطانية إلى العراق , إذ لم يمض سوى بضعة أيام على تشكيل الوزارة الگيلانية الرابعة , أي في يومي 17/18 نيسان/أبريل حتى كانت القوات العسكرية البريطانية قد نزلت إلى البصرة. وأصدرت الحكومة العراقية مدعية أنها تعرف بذلك وأن هذا قد تم في ضوء معاهدة 1930. ثم طلبت بريطانيا من الحكومة العراقية إنزال قوات جديدة يتراوح تعدادها بين 2000 إلى 3500 شخص إلى البصرة أيضاً . رفضت الحكومة العراقية هذا الطلب , واعتبرته غير ضروري , ثم طالب بانسحاب القوات التي نزلت قبل ذاك إلى البصرة. ورغم قرار المنع نزلت القوات البريطانية الجديدة في 30 نيسان/أبريل 1941 إلى البصرة. وبدأت بريطانيا عملياتها العسكرية ضد العراق في موقعين أساسيين , في الحبانية حيث توجد قاعدتها العسكرية وحيث تم تجميع قوات عراقية قريباً منها , وفي البصرة حيث قامت القوات البريطانية باحتلالها. وأصدر السر كورنوالس بياناً شرح فيه موقفه من الأزمة وحمل الحكومة العراقية مسؤولية وقوع أي ضرر لمواطن بريطاني يعمل في العراق .
أصدر رشيد عالي الگيلاني , رئيس الحكومة , بياناُ موجهاً إلى الشعب العراقي مشيراً إلى قيام بريطانيا بعملياتها العسكرية العدوانية مطالباً الشعب بالوقوف إلى جانب الحكومة العراقية والجيش العراقي في دفاعه عن الوطن. كان ذلك في يوم 2 مايس/أيار 1941. ومن هنا جاء اسم الحركة الانقلابية , حركة مايس , أي منذ بدء المعارك مع القوات البريطانية.
ومع بدء احتلال البصرة والمعارك في الحبانية أصدر العلماء المسلمون فتاوى للجهاد ومكافحة الوجود البريطاني في العراق. وجاءت البيانات من أئمة الشيعة والسنة في آن واحد. ففي الوقت الذي أصدر أبو الحسن الموسوي الاصفهاني ومحمد حسين آل كاشف الغطاء والعلامة عبد الكريم الجزائري فتاوى تدعو إلى الجهاد ضد الظالم والكافر المحتل , كما أصدرت مجموعة من علماء الدين ورؤساء المؤسسات الدينية وأئمة الجوامع والمدارس الدينية السنية في بغداد بياناً دعت فيه المواطنين إلى الجهاد المقدس ضد الإنكليز الغدارين الذين عمدوا إلى احتلال العراق والإساءة إليه وشن حرب عليه. واعتبر رشيد عالي الگيلاني أن العراق أصبح بعد الغزو البريطاني وخوض المعارك ضد الجيش العراقي في حل من معاهدة 1930. واستمرت المعارك بين الطرفين حتى التاسع والعشرين من شهر مايس/أيار تحمل الجيش العراقي ضربات قاسية وهزائم متعاقبة , رغم المقاومة الكبيرة التي أبداها الجنود وصغار الضباط.
انتهت الحركة الانقلابية بمغادرة مجموعة القيادة العسكرية والسياسية البلاد , وخاصة القيادة الحزبية التي قادت العملية سياسيا وعسكرياً وكانت تقف على رأس الحركة أثناء العمليات العسكرية بين القوات البريطانية والقوات العراقية. وعقد آخر اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة رشيد عالي الگيلاني في 27 مايس/أيار من عام 1941 , ثم صدر عنه القرار رقم س 3646 بتاريخ 28/5/1941 القاضي بتشكيل “لجنة الأمن الداخلي في العاصمة والطوارئ” , حيث تم انتخاب أمين العاصمة رئيساً لها , وهي التي وقعت اتفاقية الهدنة مع القوات البريطانية والتي بدأت مفاوضاتها لوقف زحف القوات البريطانية على بغداد والتي تمت في 31/5/1941. وفي التاسع والعشرين من مايس/أيار غادر رشيد عالي الگيلاني بغداد , وكذلك المفتي باتجاه إيران. ويبدو أن آخر من غادر العراق من المجموعة القيادية كان السياسي البارز والمتميز في الحركة الانقلابية ووزير الاقتصادي يونس السبعاوي. إذ أنه واصل العمل في بغداد وأعلن نفسه حاكماً عسكرياً لمنطقة بغداد والمنطقة الجنوبية , وطالب باستمرار المقاومة للقوات البريطانية. ولكن لجنة الأمن الداخلي استطاعت إقناعه بعدم جدوى المقاومة وطلبت منه مغادرة البلاد باتجاه إيران . بدأت بعدها بمفاوضة القوات البريطانية على الاستسلام. وعلى أثر ذلك حلت كتائب الشباب , ومنها مجموعة الدفاع عن السبعاوي (حرس السبعاوي-الفدائيون) . وجدير بالإشارة أن السبعاوي عمد إلى تشكيل ثلاث منظمات شبابية شبه عسكرية لحمايته والدفاع عن الحركة الانقلابية والتصدي للقوات البريطانية الزاحفة صوب بغداد , وهي “كتائب الشباب” و “الحرس الحديدي” و”فدائيو يونس السبعاوي” .
أعلن في بغداد عن انتهاء الانقلاب وسيطرة القوات البريطانية على بغداد وعموم العراق وعودة عبد الإله إلى العاصمة. وبدأت عملية تقديم المسؤولين عن الحركة , بعضهم كان ما يزال في بغداد وبعضهم الآخر كان قد غادرها , إلى المحاكمة , حيث حكمت على المسؤولين المباشرين بالإعدام , وهم العقداء صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان , وفيما بعد , كامل شبيب , ثم يونس السبعاوي , حيث نفذ الحكم بهم في أوقات مختلفة. وحكم بالإعدام على رشيد عالي الگيلاني الذي لجأ إلى السعودية وبقي فيها ونجا من الموت . كما أصدرت المحكمة أحكاما أخرى بالسجن لفترات مختلفة على عدد غير قليل ممن اتهموا بمشاركتهم بالحركة الانقلابية أو بسبب تأييدهم لها ودفاعهم عنها , علماً بأن الاعتقال والتقديم إلى المحاكمة قد شمل أشخاصاً كانوا لا يمتون إلى التيار السياسي القومي مباشرة أو ممن شارك في أحداثها فعلياً .
وقبل مغادرته العراق نظم يونس السبعاوي , كما تشير إلى ذلك الكثير من المعلومات , واسمه الحزبي كان “فرهوداً” الفرهود ضد اليهود في بغداد والذي وقع في العشار (البصرة) أيضاً.

تقييم حركة شباط – مايس عام 1941
تساعد الوثائق التي توفرت منذ ذلك الحين حتى الوقت الحاضر على إعطاء تقييم أكثر واقعية وموضوعية عن نشوء وتطور هذه الحركة القومية التي تميزت بتعقيدات وتشابكات كثيرة وملابسات غير قليلة وعن تغيرات في إيديولوجيتها ومراميها السياسية , وكذلك حول مواقف القوى المختلفة بشأنها. فلم تكن المجموعة العسكرية والسياسية التي تشكلت منذ منتصف أو حتى قبل ذاك متجهة للقيام بانقلاب عسكري , وكانت تسعى للاستفادة من النخبة الحاكمة التي كانت متنوعة الاتجاهات والأغراض والمصالح لصالح وجهتها الفكرية والسياسية القومية ولصالح قضية تحرر العراق من ربقة الاستعمار البريطاني ومن أجل تحرير فلسطين وسوريا وتأمين اتجاهات جديدة صوب الوحدة العربية. وكانت تجد في النظام القائم نظامها السياسي المطلوب مع ضرورة تعزيز الاتجاهات المناهضة لبريطانيا , إذ كانت تحتل مواقع مهمة في قيادة الحكم وفي القوات المسلحة. كما كانت لها علاقات حميمة مع عدد كبير من أقطاب النخبة الحاكمة والبلاط الملكي. ولكن هذه القوى فوجئت بالانقلاب الثلاثي العسكري الذي نظمه وقاده الثلاثي الفريق بكر صدقي واللواء عبد اللطيف نوري وحكمة سليمان , وبدعم وتنسيق مباشرين من جماعة الأهالي. وإزاء هذا الوضع قررت التعاون مع قوى عديدة للخلاص من هذا الانقلاب وتقريب وجهات النظر في ما بين النخب الحاكمة , وكانت هي جزء منها. وتحقق للمجموعة العسكرية من الجماعة القومية بعد انهيار انقلاب بكر صدقي مركزاً قويا في السياسة العراقية ودورا وتأثيرا مباشرين على تكوين الحكومات المختلفة. واندفعت هذه المجموعة , وهي ترى كيف تتآمر بريطانيا على فلسطين وما تقوم به فرنسا في سوريا ولبنان أو في المغرب العربي , نحو تبني اتجاهات قومية أكثر تطرفاً وميلاً متزايداً نحو اليمين , إذ بدأت ترى في ألمانيا الهتلرية نصيراً لها في النضال ضد بريطانيا منطلقين من موقعين هما: الجانب الفكري والجانب السياسي التكتيكي القائل “عدو عدوي صديقي”. وتجلى هذا الاتجاه في عملية التثقيف الدؤوبة التي مارسها نادي المثنى بن حارثة الشيباني في بغداد , وكذلك الكتب والكراريس التي أصدرتها للتثقيف القومي والتكوين العسكري. وتفاقم هذا الاتجاه بعد مجيء الحاج محمد أمين الحسيني إلى بغداد. وكانت للمفتي قبل أن يصل إلى بغداد علاقات متينة مع ألمانيا , إذ كان يهدف من وراء تلك العلاقة إيجاد قوة دولية قادرة على مساندة موقفه المناهض للصهيونية وأهدافهم في فلسطين , وضد بريطانيا المتحالفة مع الصهيونية العالمية والعاملة على تحقيق هدف الصهيونية بشكل حثيث. وعندما بدأت الحرب العالمية الثانية كان موقف هذه القوى القومية أكثر وضوحاً في رفضها تقديم أي شكل من أشكال الدعم لبريطانيا , كما كانت تسعى إلى عرقلة ما يمكن أن يقدمه العراق لمساندتها في الحرب ضد ألمانيا وإيطاليا وفق معاهدة 1930. وكان هذا الموقف كافياً لإثارة بريطانيا والتحري عن سبل للخلاص من هؤلاء.
تبنت القوى القومية في العراق تدريجا فكر ومواقف الحاج أمين الحسيني , وكانت الأرضية في فكر وممارسات هذه المجموعة العسكرية والمدنية متوفرة. وكان طبيعياً أن تعتمد في نشاطها على تشكيل حزب سياسي قومي يشرف على نشاطها فكرا وسياسة وممارسة يومية. وتأسس هذا الحزب على أساس فكر “قومي اشتراكي” يميني , أي باتجاهات فاشية ملموسة. وترأس هذا الحزب الأب الروحي للحركة القومية العربية في فلسطين الحاج أمين الحسيني , مفتي الديار الفلسطينية. وبمرور الزمن تعززت أواصر هذه المجموعة واتجهت للاستفادة من علاقات المفتي الحسيني مع الدولة الألمانية الهتلرية لتأمين مصالح العرب في العراق وفلسطين وسوريا ولبنان , وفي ضوء ذلك نشأت علاقات مباشرة بين الجماعة القومية , أو حزب الشعب والألمان على المستويات الدبلوماسية والحزبية والإعلامية. وحسب أقوال ناجي شوكت , وكان وزيراً للدفاع في وزارة رشيد عالي الگيلاني وقام بتنشيط العلاقة الدبلوماسية المباشرة مع سفير ألمانيا في تركيا فون بابن باقتراح وتشجيع من المفتي , أقيمت قبل ذاك صلة لاسلكية بين المفتي وبرلين في دار شفيق الحداد , إضافة إلى نشاط الإذاعة العربية في برلين والموجهة للمنطقة العربية , حيث لعب جهاز الإذاعة , ومعه المذيع يونس بحري , دور الداعية المروج للأفكار والسياسات الألمانية في الدول العربية والمحبذ للاتجاهات النازية في العراق والدول العربية , والمحرك للفعاليات المناهضة لبريطانيا وفرنسا والداعي إلى معاداة اليهود والسامية في المنطقة العربية.
يؤكد محمود شبيب , في كتابه الموسوم “محمود سلمان طريق المجد إلى أرجوحة الأبطال” , الجهود التي بذلتها حكومة رشيد عالي الگيلاني من أجل عقد اتفاقية سرية بين العراق وكل من ألمانيا وإيطاليا تدعم نضال العرب في سبيل الحرية والاستقلال وتقف على الحياد في الحرب بين الحلفاء والمحور , إذ كتب , مستنداً في ذلك إلى وثائق إنكليزية وعربية وألمانية , يقول: “واقترحت الحكومة العراقية عقد اتفاقية سرية بينها وبين الحكومتين الألمانية والإيطالية , توضع فيها جميع تفاصيل التعاون الودي المنشود , وأن تلتزم الدول العربية الأخرى التي سيعلن عن استقلالها جانب الحياد التام , وجرى إخبار الألمان أنه جرى الإعداد لانتفاضة مسلحة في شرق الأردن وفلسطين وأنه ينبغي تزويدها بالأسلحة من جانب إيطاليا من مخازن الجيش الفرنسي في سوريا , إذ تولت إيطاليا تنفيذ الهدنة مع فرنسا في سوريا ولبنان , وأوضحت اللجنة أن الانتفاضة المتوقعة بحاجة إلى 30000 جنيه إسترليني من الذهب شهرياً أبدت استعدادها لتوفير 10000 منها بينما وقع على الألمان عبء تزويد الثلثين الآخرين , وفي النهاية جاء في المقترحات: “أنه إذا فسرت إنگلترا الحيلولة دون مرور القوات الإنگلو-هندية أو إرسال وزير ألماني إلى بغداد على أنه استفزاز وردّت على ذلك باستخدام القوة , فأن العراق مستعد للدفاع عن حياده ضد أنگلترا بجميع السبل. إن الحكومة العراقية مستعدة للسماح بأن يدخل بلادها جميع الوكلاء أو الخبراء الألمان اللازمين لهذا الغرض. ومن المحتمل أنه سيكون من قبيل الحكمة إذا هم قدموا , في الوقت الراهن , بجوازات سفر محايدة” .
ومن هنا يتبين أيضاً بأن قيادة الحركة كانت قد قطعت شوطاً بعيداً بتأييد الألمان , إذ كلما حاولت القوى العراقية الحليفة لبريطانية الضغط على الوزارة لاتخاذ إجراءات مناهضة لألمانيا , كانت تعمد الحكومة العراقية إلى تعزيز علاقاتها بالألمان. وتسبب هذا الواقع لا في نشوء خندق عريض يفصل بين الجانبين , بل تبلور على الساحة السياسية في العراق معسكران متقاطعان: معسكر القوى الراغبة في التحالف مع ألمانيا والساعية إليه , ومعسكر القوى المتحالفة أصلاً مع بريطانيا. وفي هذا الصراع أجبرت الكثير من القوى المناهضة للفاشية وألمانيا أن تتخذ إما موقف الحياد من المجموعتين أو حتى تأييد وزارة رشيد عالي الگيلاني بسبب التأييد الجماهيري الواسع لحكومة رشيد عالي الگيلاني بسبب مناهضته لبريطانيا ودعوته المبطنة للخلاص من الهيمنة البريطانية. ولعبت السياسة والدعاية الألمانية الخبيثة الداعية إلى استقلال العرب ووحدتهم وإلى التخلص من السيطرة البريطانية والفرنسية على الدول العربية وكراهية اليهود , إضافة إلى المشكلة الفلسطينية , دورا مهما في تأمين ذلك التأييد. كتب محمد مهدي كبه , وكان في حينها نائباً لرئيس نادي المثنى , حول موقف القوميين من ألمانيا والسبب وراء تعاون الحكومة الگيلانية الانقلابية معها يقول , وفق ما جاء في كتاب عبد الله الجيزاني: “لقد تولدت لدى العرب قناعة بأن انتصار ألمانيا في تلك الحرب سيؤدي حتماً إلى القضاء على مشروع الوطن القومي لليهود في فلسطين , وسيتحقق حينئذٍ انتشال فلسطين من أنياب الصهيونية العالمية والاحتفاظ بعروبتها كما كانت منذ آلاف السنين , فاتجهت مشاعر العرب وخواطرهم نحو ألمانيا , وتمنوا لها الانتصار في الحرب على دول الحلفاء , وكانت جميع العناصر القومية والوطنية في العراق , تشعر بهذا الشعور كما تشعر به البلاد العربية الأخرى ومن جملتهم ضباط الجيش الأحرار” . وكان محمد مهدي كبه على حق حين قال بأن بقية القوى الوطنية كانت هي الأخرى مؤيدة للانقلاب ومساندة بهذا القدر أو ذاك لإقامة تلك العلاقات مع ألمانيا. فالحزب الوطني منح تأييده لرشيد عالي الگيلاني لا بسبب مواقفه من ألمانيا الفاشية , بل بسبب مواقفه من بريطانيا حيث نقل محمد جعفر أبو التمن هذا الموقف إلى رئيس الوزراء حينذاك . وكان موقف الحزب الشيوعي العراقي لا يختلف كثيراً عن موقف الحزب الوطني , إذ أصدر الحزب بياناً ربط مدى تأييده للوزارة الگيلانية بما ستقوم به من إجراءات , ولكنه لم يؤيد إقامة العلاقات مع ألمانيا , وفق ما ورد في بيان الحزب حينذاك. وكشف السير ونستون تشرشل , رئيس وزراء بريطانيا في سنوات الحرب , عن المعلومة المهمة التالية , وأهميتها تكمن في فهم موقف ألمانيا من جهة , ورد الفعل البريطاني على هذا الموقف في العراق من جهة أخرى: “كانت الأوامر الصارمة التي تلقاها الجنرال الألماني فلمي في بغداد من هتلر مؤرخة في 23 أيار , وهو التاريخ الذي دفن فيه أي أمل لتدخل المحور. تعليمات هتلر رقم 30 “الشرق الأوسط” عن المقر العام 23 أيار 1941.
“إن حركة حرية العرب في الشرق الأوسط هي حليفتنا الطبيعية ضد بريطانية. وعليه فإن قيام الثورة في العراق له أهميته الخاصة. إن ثورة من هذا القبيل ستمتد عبر الحدود العراقية لتؤازر الجيوش المعادية لإنگلترا في الشرق الأوسط فتعرقل خطوط المواصلات البريطانية وتشل القوات البريطانية وطاقة الشحن البحري البريطاني فتؤثر تأثيراً سيئاً على الميادين الحربية الأخرى ولهذا قررت دعم الحركات في الشرق الأدنى وتوسيعها , وذلك بمد يد المساعدة للعراق. أما الإمكانية والشكل الذي يتم به تحطيم وضع البريطانيين بصورة نهائية بين البحر المتوسط وخليج فارس استناداً إلى هجوم ضد قنال السويس فأمر لا يزال بيد الإله” . إن هذه المعلومات عجلت من هجوم بريطانيا على القوات العراقية , حيث بدأ في 27 من أيار/مايس عام 1941 .
بادرت الحكومة العراقية وقادة حزب الشعب أو اللجنة السرية إلى اتخاذ عدد من الإجراءات لتأمين مواجهة فعالة ضد القوات البريطانية , ومنها:
• تعبئة الرأي العام العراقي والعربي والجيش العراقي ضد بريطانيا والقوات البريطانية لمواجهة مختلف الاحتمالات.
• طلب الحصول على أسلحة لتسليح الجيش العراقي من ألمانيا وإيطاليا , إضافة إلى استمرار محاولتها للحصول على أسلحة من بريطانيا وفق معاهدة 1930.
• طلب الحصول على دعم عسكري من جانب ألمانيا لمواجهة القوات البريطانية في العراق , وكانت ألمانيا وإيطاليا قد بدأتا بتأمين أولي لذلك , ولكنهما عجزتا عن الاستمرار به.
• المماطلة قدر الإمكان مع بريطانيا باتجاه كسب الوقت وعدم الموافقة على تقديم التسهيلات لقواتها في العراق.
ولكن كما بدا واضحاً لم تكن كافية لتحقيق ما كان يصبوا إليه الانقلابيون. كما لم يكن الموقف الذي اتخذته القوى الديمقراطية صائباً إزاء تلك الحركة ليس بسبب طبيعتها المغامرة , بل كان المفروض أن يكون انقلاب بكر صدقي العسكري درساً لها ترفض خوضه ثانية أو تأييد القائمين به. فعلى أساس المعطيات المتوفرة عن طبيعة الحرب العالمية الثانية , التي كان يفترض أن تكون منذ البدء واضحة للقوى الديمقراطية , يمكن القول بما يلي:
1. لم تكن الحركة القومية العربية اليمينية المتطرفة عادلة في موقفها من الحرب العالمية الثانية , بسبب طبيعة الحركة من جهة وطبيعة ألمانيا من جهة أخرى , إضافة إلى طبيعة الحرب من جهة ثالثة. وكان يفترض أن يكون هذا الموقف قائماً حتى قبل غزو ألمانيا للاتحاد السوفييتي ودخوله الحرب طرفاً فيها , إذ أنها كانت حرباً استعمارية ذات عقيدة شوفينية وعنصرية- فاشية وعسكرية مقيتة من جانب ألمانيا ومعها كل من إيطاليا الفاشية واليابان العسكرية للاستحواذ على العالم واستغلاله واستعباده لصالحها. وبالتالي فهي كانت حرب مقاومة لتلك السياسات الاستعمارية الألمانية بشكل خاص من جانب الدول الأخرى , بغض النظر عن طبيعتها الرأسمالية أو الاستعمارية , إذ كان النضال ضدها قد قطع شوطاً مهماً وحقق مواقع طيبة للقوى الديمقراطية في مختلف البلدان , ومنها العراق , رغم المصاعب التي كانت تواجه المناضلين وحركات التحرر الوطني حينذاك.
2. وإذا كان لهذه الحرب أن تنهي السيطرة الاستعمارية البريطانية على العراق أو بعض الدول العربية , كما تصورها القوميون , وربما كثرة من الوطنيين أيضاً , فأن ألمانيا كانت تريد في الواقع العملي إخضاع كل الشعوب للسيطرة الاستعمارية الألمانية وتحت هيمنتهم العنصرية , إضافة إلى هيمنة يابانية وإيطالية في مواقع أخرى من العالم.
3. وكانت القيادة القومية تخوض لعبة خطرة وغير مدركة لطبيعة المعركة وميزان القوى على الصعيدين الداخلي والعربي وكذلك على الصعيد الدولي , وبالتالي , عجزت عن فهم المتغيرات وزجت بالعراق في معركة غير متكافئة وغير عادلة في آن واحد , رغم أن النضال ضد الحكومات المتعاقبة وضد الهيمنة البريطانية كانت في جوهرها عادلة ولكنها ليست بالأهداف والوسائل والقوى التي تمت بها هذه المعركة , وكان الفشل مطروحا منذ البدء.
4. وزاد في الطين بلة واقع الفقر الفكري والسياسي وقلة الخبرة الدبلوماسية للقائمين بالحركة وعدم التمييز بين المصلحة العراقية والمصالح العربية بما يساعد في أن تكون الأولى في خدمة الثانية. وكانت حركة مغامرة وانقلاباً عسكرياً لا يختلف من حيث المبدأ عن الانقلاب الذي سبقه , والذي فقد بوصلة النضال الوطني , وإذا كان الأول قد ارتدى زياً ديمقراطياً ويسارياً ثم كشر العسكر عن أنيابهم العسكرية اليمينية والاستبدادية بعد فترة وجيزة وارفضاض الوطنيين عنه , فأن الانقلاب الثاني قد ارتدى لبوساً معادية للإنكليز وضد التوسع في تفسير معاهدة 1930 لصالح بريطانيا واستخدام القوات البريطانية لقواعدها العسكرية في العراق , ولكنه سرعان ما كشف عن طبيعته القومية اليمينية المتطرفة ونزعات بعض عناصره الفاشية والمناهضة للديمقراطية , كما أن بعض قوى الانقلاب كانت متواطئة مع دول المحور , وخاصة مع ألمانيا وإيطاليا بشكل لا يقبل التأويل.
5. ولم يكن التأييد الذي حصل عليه انقلاب مايس عام 1941 من القوى السياسية الوطنية العراقية تأييدا يستند إلى العقل والوعي بالظروف القائمة حينذاك , بقدر ما عبر عن عاطفة متهيجة مناهضة للاستعمار البريطاني الذي أذاق الشعب العراقي مرارة الاحتلال والدوس على الكرامة والتدخل الفظ في الشؤون الداخلية وفرض مصالحه عليه منذ دخول قواته العسكرية إلى العراق في أثناء الحرب العالمية الأولى.
6. ولم تكن الحركة القومية في كل الأحوال معادية للعائلة المالكة أو للدولة الملكية في العراق , بل كانت ترتبط بهذا القدر أو ذاك بروابط التحالف مع عائلة الشريف حسين , شريف مكة , وتريد استمرار التعاون معها واستمرار وجود العراق تحت السيطرة الهاشمية. وهذا الاتجاه يبدو بوضوح كبير في الموقف من الوصي على العرش , عبد الإله في المهمات العشر التي التزمت بها الجماعة كما وردت في كتاب الصباغ , رغم أن القوميين كانوا يدركون مدى ارتباط عبد الإله بالإنكليز.
توجت القوى القومية اليمينية المتطرفة وبعض الأوساط الشعبية غير الواعية سياسياً , التي كانت على صلة مباشرة أو غير مباشرة بقوى الانقلاب , أي تلك القوى التي تأثرت كثيرا بالدعاية الفاشية في العراق والتي أصابتها خيبة انهيار الانقلاب وعودة قوات الاحتلال البريطانية للسيطرة الكاملة على العراق وتوقيع العراق على اتفاقية الهدنة , بعملية إجرامية منظمة , شرسة وبشعة انطلقت في الأول من حزيران عام 1941 ضد المواطنات والمواطنين اليهود في ما سمي فيما بعد بواقعة “الفرهود” . وكان المشاركون في عملية الاعتداء العنيف وممارسة الفرهود , أي السلب والنهب ضد العوائل والمحلات والمصالح اليهودية في العراق , يهزجون في شوارع بغداد “حلو الفرهود كون يصير يومية” , وكذلك أثناء قتل اليهود ونهب وسلب بيوتهم وحوانيتهم وإشعال الحرائق فيها. ولم تكن جمهرة من الجنود وحدها وراء هذه العمليات الإجرامية فحسب , بل وبعض الشرطة والمدنيين وبتأييد من بعض الضباط وبعض رجال السياسة من المعسكر القومي الشوفيني , إضافة إلى كتائب الشباب التابعة للحركة الانقلابية. وجاء في تقرير لجنة التحقيق الحكومية عن الخسائر التي وقعت في يومي 1 و2 حزيران/يونيو 1941 ما يلي: “أما جميع القتلى فبالنظر لما جاء في إفادة حاكم التحقيق أنهم مائة وعشرة , بضمنهم ثمانية وعشرين امرأة , وهم من إسلام ويهود , ولم تعرف هويات قسم كبير منهم. وأما الجرحى فكانوا مائتين وأربعة , وهم كذلك من الإسلام واليهود. أما رئيس الطائفة فيدعي بأن القتلى والجرحى أكثر من ذلك”. كما يبدو من التقرير وحسب قول رئيس الطائفة الموسوية في العراق “بأن الحوانيت والمخازن المنهوبة عددها خمسمائة وستة وثمانين محلاً , وأن ثمن ما نهب يبلغ (271402) ديناراً. ويدعي أن الدور المنهوبة عددها (911) وتقطن هذه الدور (3395 عائلة , ومجموع أفرادها (12311) نسمة , وأن الضرر الذي لحقهم يبلغ (383878) دينارا” . ويلاحظ هنا أن التقرير يدمج بين عدد القتلى والجرحى من المسلمين ومن اليهود لا لأنه لا يميز بين المواطنين , بل ليغطي في واقع الأمر على حقيقة أن النسبة العظمى من القتلى والجرحى كانت من المواطنين اليهود في هذه الجريمة البشعة.
رابعاً: العوامل الكامنة وراء فشل انقلاب شباط – مايس 1941
كانت كثرة من الدلائل تشير منذ البدء إلى أن الحركة الانقلابية للقوى القومية اليمينية , بما فيها القوى المتطرفة , التي قام بها التنظيم السياسي الجديد في العراق , حزب الشعب أو اللجنة السرية بقيادة الحاج محمد أمين الحسيني , غير قادرة على تحقيق النصر في العراق لأسباب كثيرة , رغم التأييد الواسع نسبياً الذي حظيت به الحركة من الأوساط الشعبية المختلفة في العراق ومن بعض القوى السياسية العراقية من غير القوميين , إضافة إلى الدعم الشعبي على النطاق العربي. وسنحاول في أدناه الإشارة إلى بعض أهم تلك العوامل , سواء أكانت الداخلية منها أم العربية أم الدولية:
• كانت قوى الانقلاب جزءا من النظام السياسي العراقي القائم التي ساهمت بفعالية في مختلف الوزارات التي تشكلت قبل ذاك , وبالتالي لم تكن في حركتها الانقلابية ذات مصداقية بما يمس عملية التغيير المنشودة بالنسبة للمجتمع العراقي. كما أن الحركة أوجدت انشطاراً في القوى الحاكمة , إذ كانت الغالبية العظمى من السياسيين ضد الحركة بغض النظر عن التصويت الذي جرى في مجلس النواب لتغيير شخص الوصي عبد الإله وتنصيب الشريف شرف مكانه , إذ أنها صوتت بعد سقوط الحركة وبالإجماع تماماً ضد الانقلاب.
• لم تكن الحركة تعبيرا عن استقطاب اجتماعي وسياسي واقتصادي داخلي , وبالتالي حاجة داخلية فعلية , بقدر ما كانت معبرة عن رغبات الحاج محمد أمين الحسيني لتسلم الحكم والتحالف مع الدولة الهتلرية , إذ أن الظروف الموضوعية والذاتية لاستمرار العملية لم تكن مواتية في كل الأحوال , رغم نجاحها المؤقت في تسلم الحكم. ولم يكن تسلم الحكم من جانب الانقلابيين ومغادرة الوصي إلى خارج العراق التعبير الفعلي عن ضعف النخبة الحاكمة , بل كان مؤامرة لإسقاط الانقلاب ووضع الحكم وجهاً لوجه مع بريطانيا ومع تنفيذ بنود معاهدة 1930.
• لم تكن موازين القوى العسكرية مؤهلة لأي مقاومة فعلية للقوات البريطاني , رغم أنها لم تكن تمتلك قوات كافية في العراق , ولكنها كانت تمتلك الأسلحة والتدريب الجيد والانضباط العسكري والوحدة في الموقف , وكانت أغلبها مفقودة في الجانب العراقي.
• ورغم حصول تأييد للانقلابيين من الشارع العربي , فأن الحكومات العربية كلها كانت ضد الانقلاب ولم يحصل على تأييد أو اعتراف به من جانب تلك الحكومات ولا من الدول المجاورة. وكان الحكم مطوقا بدول وقوات معادية له.
• ولم تعترف دول العالم عملياً بالحكم الجديد في ما عدا العلاقات مع دول المحور وإقامة علاقات مع الاتحاد السوفييتي في أيار/مايس من عام 1941 والتي لم تكن ذات نفع كبير للانقلابيين.
• ويبدو أن الاختلاف والصراع والتردد داخل القيادة العسكرية والمدنية قد لعب دور في سرعة انهيار الحركة , خاصة وان القياد العسكرية والمدنية كانت أول من يَمَمَ وجهه صوب الخارج للنجاة بنفسه وترك القوات العراقية تقاتل دون قيادة فعلية من قادة الانقلاب الأساسيين. وكان لهذا رد فعل ملموس في القوات المسلحة , إضافة إلى أن بريطانيا قد حظيت بتأييد الدول العربية ودول العالم في معاركها ضد العراق وإسقاطها للانقلابين.
• ولا شك في أن انكشاف أهداف الانقلابيين وأيديولوجيتهم القومية اليمينية المتطرفة والفاشية المساندة لدول المحاور والمتحالفة بصيغة ما معها قد منع عن الانقلابيين التأييد الدولي , كما حرمها تدريجاً من بعض التأييد الفعلي الداخلي.
• عجز الدولة الألمانية والدولة الإيطالية عن تقديم الدعم العسكري الذي كان الانقلابيون بحاجة إليه , إذ كانت القوات الألمانية والإيطالية تواجه مصاعب كبيرة في أفريقيا وعلى الجبهتين المصرية والليبية.
لهذا الأسباب وغيرها كان الانهيار سريعاً والعواقب على قادة الانقلاب شديدة الوطأة وخاصة العسكريين منهم.
ومن المفيد هنا أن نشير على رأي أحد قادة الحركة الديمقراطية في العراق والحزب الوطني الديمقراطي الأستاذ الراحل محمد حديد حول طبيعة قيادة حركة الضباط في العام 1941 وحكومة رشيد عالي الكيلاني حيث كتب في كتابه الموسوم “مذكراتي , الصراع من أجل الديمقراطية في العراق” ما يلي:
“حين تأزم الوضع بين العراق وبريطانيا , وألف الكيلاني ما سمّي حكومة الدفاع الوطني , أجمعت الأطراف الوطنية كافة على تأييد الحكومة العراقية في موقفها من المطالب البريطانية التي تمس السيادة الوطنية. وقد كان موقف “جماعة الأهالي” منسجماً مع هذا الاتجاه العام , مع علمنا الذي يستلزم التحفظ , بأن ضباط الجيش الذين هم القوة المحركة لموقف الحكومة العراقية في تلك الأزمة , كانوا مؤيدين لقوى المحور (ألمانيا وإيطاليا) , ليس من الناحية العسكرية فحسب , بل أيضاً من الناحية السياسية والعقائدية. أو بكلمة أخرى , كانوا فاشستيين في النهج. وأن أي نظام سياسي يقيمونه لا بد أن يكون شديد الوطأة على الحريات العامة والنظام الديمقراطي” .
إزاء هذا الانقلاب , الذي اعتبره الجلبي بعد مرور أكثر من 67 سنة عليه انقلاباً وطنياً أخطأ في قضية واحدة هي ارتباطه بالجيش , في حين أثبتنا بأن الحركة بدأت بالقوات المسلحة. وفي حينها لم يمنح الأستاذ كامل الجادرجي تأييده لهذا الانقلاب , كما لم أعثر على موقع يؤيده أو يقف ضده. ولكن المعروف عن الجادرجي أنه كان ضد الفاشية والنازية وكتب الكثير عن مناهضته لها , وبالتالي لا يمكن أن يكون إلى جانب انقلاب عسكري يربط العراق بألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان العسكرية , في وقت يخوض العالم نضالاً ديمقراطياً ضدها.
8/7/2008 كاظم حبيب
ملاحظة: كان المفروض أن تكون هذه هي الحلقة الخامسة والتي قبلها أن تكون الحلقة السادسة , ولكن بسبب تأخر انتهائي من هذه الحلقة أصبحت الحلقة السادسة.

انتهت هذه الحلقة وستليها الحلقة السابعة.