الرئيسية » مقالات » صيدنايا بين وَله الشعراء بها وبين قسوة الدكتاتورية عليها!

صيدنايا بين وَله الشعراء بها وبين قسوة الدكتاتورية عليها!

قرأت قبل أشهر ديوان شعر جديد أهدته لي صاحبته الشاعرة السورية السيدة مريم نجمة. وهي من بلدة صيدنايا التي يقولون عنها أنها عنيدة , كما تشير الشاعرة إلى ذلك. ديوان شعر مليء بالحب والحياة وعشق الطبيعة الصيدناياوية , عشق الحرية والديمقراطية والحق والوطن , وكراهية شديدة للاستبداد والقهر والسجن والمنفى ووجع الجلاد الذي يعتصر الإنسان وينهي حياته. قصائد نثرية وشعر حر كتب بلغة شفافة وبسيطة لسيدة أحبت وطنها وبلدتها الجميلة وعائلتها وشعبها الطيب ومجدت نضالهم في سبيل سعادة الإنسان. تتحدث الشاعرة في أكثر من قصيدة عن صيدنايا , فهي صيدنايا التي لا تنتهي , ولصيدنايا الصباح .. باقة زهر ونثر .. وهدية. وعن صيدنايا : بلدتي .. حصان ابيض. وجاء ضمن قصيدة للشاعرة تحت عنوان: “إنني ابنة ذاك التراب .. كتبت في كل اللغات رسالة على الوطن” , ما يلي:
أحتمي بوحدتي … وسجني,
هو حصني.
هذا الجبل .. هو جسدي
والتحدي.
ثم نقول
الوحدة .. كتابي
وجليسي .. وصديقي
قصيدتي .. ولوحتي
ونشيد صمتي.
كتبت في كل اللغات
لغة الدم, والدمع , والألم , والحب,
والفرح قليلاً قليلا.
كتبت بلغة الشوك والزجاج والرصاص والبارود والنار
بالورد , والمطر
ولغة الحبر الأسود والأخضر
والأحمر.
كانت السيدة مريم زوجة السيد جريس الهامس , وهو محامي سوري كان أحد معتقلي الرأي الكثيرين جداً في سوريا , قد أجبرت على الهجرة مع زوجها إلى هولندا بعد مغادرته السجن لتعيش في الغربة وعينيها مبللة أبداً بحب الوطن وصيدنايا , ولكنها رغم ذلك لم تجف دموعها ولم تتعب عيناها عن النظر إليها عبر الذكريات والأخبار القادمة , كما لم تمل الكتابة عنها , ولا زوجها كف عن إصدار الكتب التي تتحدث عن الوطن المستباح بدكتاتورية البعث السوري وبشار الأسد وبالانتهازيين الصامتين عن الاستبداد والمشاركين في اقتناص فتات موائد الدكتاتورية.
ظلت أشعار السيدة في الذاكرة فترة طويلة , ثم فوجئت بما يحدث في هذه المدينة الجميلة التي وصفتها لنا الشاعرة أجمل وصف وجعلتنا نحّن إليها ونسعى لمشاهدتها وزيارة أهلها الطيبين .. فوجئت في أن في هذه المدينة الجميلة بقعة سوداء حزينة باكية , كالكثير من البقع السوداء في سوريا والدول العربية , سجن كبير يضم خلف جدرانه العالية وقضبانه الحديدية سجناء الفكر والرأي والعقيدة , وفيها أيضاً سجانون , فيها ضحايا وجلادون قساة وعتاة.
في هذا السجن تعيش جمهرة كبيرة من سجناء الرأي والعقيدة , فيها سجناء بهوية إسلامية , وفيها كُرد بلا هوية اغتصبت منهم هويتهم القومية أو بهوية سورية اغتصبت قوميتهم منهم بقوة الحديد والنار.
عانى السجناء كثيراً من المعاملة السيئة التي يمارسها السجانون الأشرار وأجهزة الأمن السياسي السورية ضدهم , السجانون الذين ينتمون بالفكر والممارسة والسياسة لحزب البعث .. هم أعضاء فيه وهم جلادون في آن واحد , هم أوفياء لتراث ذلك البعث الذي جلد الناس كل الناس , بل جلد حتى جمهرة من البعثيين , إنهم كغيرهم من أبناء هذا الوطن يعانون اليوم الأمرين في السجون السورية ومنهم الزميل الأستاذ الدكتور الأكاديمي عارف دليلة على سبيل المثال لا الحصر. احتج السجناء , أضربوا ,, اعتصموا .. وخشية توجيه النيران ضدهم , وقد توجهت فعلاً تلك النيران إلى صدورهم ومن الخلف فمات منهم من مات وجرح من جرح , أخذوا رهائن من السجانين وضباطهم لكي لا يتعرضوا للتعذيب والقتل , ولكي تتفاوض معهم الحكومة وتعالج مشكلاتهم السجنية وتكف عن التعذيب اليومي الذي يتعرضون له. لم يبق للصبر مجال فانتفضوا .. ولم يبق للموت خوف في القلب مكان .. فانتفضوا … الموت المفاجئ والبطيء كان يلاحقهم بأساليب شتى , وكان لا بد من مواجهة الحكومة بهذه الانتفاضة لإيصال صوت السجناء , كل سجناء سوريا , إلى الرأي العام العالمي , إلى منظمات حقوق الإنسان العربية والإقليمية والدولية , إلى الجامعة العربية والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي , إلى الإنسان في كل مكان لكي يتحركوا جميعاً للمطالبة بتأمين الحقوق المشروعة والمغتصبة للسجناء من جانب الدولة والحكومة في سوريا.
رغم علمنا بأن المحاكمات كلها صورية في سوريا وليس هناك من قضاء مستقل , فأن من واجب من صدر بحقه حكم أن يعامل كإنسان مهما كانت وجهة نظره ومهما كان رأيه السياسي ومهما كانت مواقفه العملية. لقد حكم عليه بالسجن , وعليه أن يتمتع بحقوقه كإنسان لا غير , وهو ما لم يحصل في سوريا على امتداد تاريخها ولم يحصل في أي بلد عربي حتى الآن , فكلها سجون وحشية وفيها سجانة متوحشون. ولا أنسى ولن أنسى , رغم تكراري لذكره , الرأي القبيح الذي طرحه نائب رئيس الجمهورية السابق والمسؤول لفترة طويلة عن الملف اللبناني عبد الحليم خدام , الذي اصطف مع المعارضة أخيراً دون أن يعتذر لضحايا النظام الذي كان أحد قادته ومفكريه وراسمي سياساته ومسؤوليه , حين طلبت منه المنظمة العربية لحقوق الإنسان بضرورة إطلاق سراح السجناء السوريين الذين قضوا أكثر من ربع قرن في السجون السورية وهم مرضى وبعضهم على فراش الموت .. قال هذا السياسي البعثي السوري : ليسعد هؤلاء , فقد دخل اسمهم في التاريخ , بسبب وجودهم ربع قرن بالسجون السورية!
على الرأي العام العربي والإقليمي والدولي أن يتحرك و أن يرفع صوت الاحتجاج على السلطات السورية , أن يطالبها بتحقيق مطالب السجناء السياسيين وبقية السجناء وخاصة في ما يخص:
تحسين التغذية , وتأمين الزيارات الأسبوعية من جانب العائلات , وتوفير الكتب والمجلات والصحف اليومية والراديو والتلفزيون , وتأمين وسائل ترفيه أخرى , إضافة إلى الكف عن التحقيق والتعذيب وإهانة الكرامة وإثارة السجناء ضد بعضهم البعض الآخر , وتوفير المعالجة الطبية والدواء والنظافة وتحسين بقية ظروف العيش في السجن.
كما يفترض أن يطالب الرأي العام العربي والإقليمي والعالمي بمحاسبة كل المسئولين عن تلك العوامل التي تسببت في ما حصل داخل السجن ومحاسبة ومعاقبة كل الذين سعوا إلى توتير الأجواء وإشاعة الفوضى والخراب داخل السجن , وكذلك معاقبة المسئولين عن إصدار قرارات الرمي بالرصاص الحي وعن القتلى الذين سقطوا في معركة غير متكافئة داخل السجن وأن يعالجوا أزمة الرهائن بطرق سلمية وإنسانية.
إن سوريا تئن تحت وطأة سياط الجلادين العتاة .. إن سوريا والبشر فيها يستصرخون ضمائر الناس لتقف إلى جانبهم وتدافع عن مصالح ضد الحكم الاستبدادي المشين في هذا البلد المعطاء والجميل الذي ما يزال لم يحل مشكلة جولانه المحتل منذ أكثر منذ عقود ولكنه قادر ومستمر على تعذيب الناس وقتلهم في سوريا.

8/7/2008 كاظم حبيب